عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: عَهْدُ البنّ في مواجهة الرماد

الذاكرة والمقاومة وتحولات الرمز في قصة (قد وهبتُ البنَّ عهدي) لهادية السالمي دجبّي

دراسة نقدية في البنية السردية والسيميائيات وجماليات الذاكرة والمكان

تأتي هذه الدراسة النقدية لقصة (قد وهبتُ البنَّ عهدي) للقاصة هادية السالمي دجبّي، محاولةً لاستكناه عوالمها السردية، والكشف عن طبقاتها الدلالية والجمالية، وما تنطوي عليه من تداخل بين الذاكرة والوجع، والأرض والإنسان، والاحتراق وإرادة البقاء. وتنطلق القراءة من مقاربة نقدية متعددة المناهج، تستنطق البنية السردية والرموز والصور واللغة، لتضيء ما وراء المشهد الظاهر من أسئلة الهوية والانتماء ومقاومة المحو، مع الوقوف عند جماليات التشكيل الفني وخصوصية الرؤية التي تمنح النص فرادته. وفيما يلي النص القصصي كاملاً، تعقبه دراسة نقدية تسعى إلى قراءة دلالاته العميقة في ضوء بنيته الفنية وشبكة رموزه وإيحاءاته.

***

قد وهبتُ الْبُنَّ عهدي

هادية السالمي دجبّي

من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام.

امتدّت يده لتخترق الْبخار الْمتصاعد من الْفنجان، تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم…

ورقة غار سمراء رآها تطير من فنجانه ملتفّة ببخار الْقهوة وقد استقرّت دمعته على حوافها الْمنكمشة.

تدفّقت إلى مسمعه وشوشات تتزاحم في شرفات الْبخار الْمتصاعد بين يديه:

-قد حالَ وجهك الْمُغبرّ بيني و بين الْبُنّ، قالت، فأيُّ قَدَرٍ أنتِ؟

-أنا الْعُصارة الْمنكّهة بطعم عرقه، ردّت السّمراء، و ما نسيت ضجيج الطُّرق ولا أصغيْت لغير الْأُفق.

ولا أزال وإنْ هشّ كفّي أحفظ رائحة يديه مذ

سرَتْ في التّربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى

في أعلى الْهضبة.

ولا أزال أقرأ بصماته على مدارج الْقمر، وما نسيت ومضات عينيه حين كان يتطلّع إلى وجهي الْغضّ مسندا ظهره إلى جذع أمّي.

أنا قَدَرُ قهوته،وقد وهبت الْبنّ عهدي بئلاّ يُدركَه لهيب ملحك مهما جفّ وجهي وهشّ كفّي.

-فإلى أين تمضين بي أيّتها السّمراء؟

-إلى الْأفق الْمخضرّ حيث الْمذاقاتُ الْأُخَرُ، لعلّك…

أطبق جفنيه يستلهم نفحةً من طيب ما فارقت

نبضه.

عادت به الذّكرى إلى حديث أسرّه الْجدّ إليه لمّا أطبق الْمساء فكّيْه على الْقرية:

-كنّا، قال الْجدّ، كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار فتيْنع بين ضلوعنا غابات السّدر

ويتمدّدُ الشّيح والصّبّار في الْمدى…

هو لم يسأل جدّه حينها عن مقاصد حديثه، وإنّما اكتفى بإغماض عينيه ليتسنّى له السّفر على أجنحة أنفاسه إلى حيث أكاليل الْغار

وروائح الشّيح وأنغام الصّبّار…

حملق في قهوته ولا يزال بخارها يهمس للرّكام.

ابتسم. مدّ يده إلى الْفنجان ليرفعه عن جذع الزيتونة الْمتفحّم، غير أنّ قطعة من جناح

وقعت على زنده…

أحصى قِطَعَ الْفنجان الّذي كاد يقترب من شفتيه.

ألقى نظرة إلى الْجذع الّذي يجلس إليه فألهب الدّخان عينيه…

رفع قطعة الْجناح الّتي أتلفت قهوته، شبك أصابعه.

إنّها قطعة من جناحِ حَجَلٍ…

أطرق زمنا لم يُحصه…

وما رفع رأسه إلاّ على صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه…

***

١- حين يصبح الفنجان وطناً مصغَّراً

تنهض قصة (قد وهبتُ البنَّ عهدي) للقاصة هادية السالمي دجبّي على مفارقة جمالية تتجاوز حدود المشهد الافتتاحي: فنجان قهوة يستقر فوق جذع زيتونة متفحّم، ودمعة تسقط فيه، وركام يحيط بالمكان، فيما يتصاعد البخار حاملاً أصوات الذاكرة وروائح الأرض وأصداء حياة لم يستطع الخراب محوها تماماً. ومن هذا المشهد المكثّف تتشكل كتابة قصصية تستبدل بالتتابع الحدثي التقليدي حركةً داخلية تتشابك فيها الحواس والذكريات والرموز، ويغدو فيها الشيء اليومي مدخلاً إلى أسئلة الهوية والاستمرار والفقد.

تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: كيف تحوّل القصة فنجان القهوة من أداة للاستمتاع اليومي إلى وسيط رمزي تستعيد عبره الذات علاقتها بالأرض والجذور والموروث، وكيف تجعل من احتراق الزيتونة والركام خلفيةً لاختبار قدرة الذاكرة على مقاومة المحو؟

لا تتأسس القصة على مواجهة مباشرة بين شخصيات متصارعة بقدر ما تقوم على تفاعل بين الإنسان والأشياء والعناصر الطبيعية، بحيث تتولى العلامات الحسية مهمة السرد، ويصبح البخار لغةً، والدمعة ذاكرةً، وورقة الغار حاملةً لصوت ماضٍ ممتد، فيما ينفتح ختام النص على صورة جناح الحجل وصفير مجهول المصدر ورحيق الخزامى. وبهذا التشكيل، تنقل الكاتبة مركز الثقل من سؤال ما الذي حدث؟ إلى سؤال أعمق: ماذا يبقى من الإنسان حين تتعرض شروط حياته وذاكرته ومكانه للتدمير؟

ومن هنا، فإن القراءة الأنسب للنص ليست البحث عن معنى واحد مغلق لكل رمز، بل تتبّع العلاقات التي تنشأ بين العلامات، وكيف تتساند لتشكيل رؤية عن الذاكرة بوصفها قوةً لاستبقاء الحياة، وعن الطبيعة بوصفها أرشيفاً حسياً للانتماء.

٢- عنوان القصة وعربات النص السردي. العهد بوصفهبنية دلالية.

يحمل العنوان (قد وهبتُ البنَّ عهدي) نبرة إقرار والتزام، ويستمد قوته من الجمع بين فعل الهبة ومفهوم العهد. فالهبة تنتمي إلى حقل العطاء، بينما يحيل العهد إلى الاستمرار والوفاء والثبات؛ وبذلك لا يعود البنّ مجرد مادة تُستهلك، بل يصبح طرفاً في علاقة تتجاوز المنفعة المباشرة إلى رابطة وجدانية وأخلاقية.

وتكتسب صيغة المتكلم في «وهبتُ» أهمية خاصة، لأنها تُدخل الذات في علاقة فعلية بما تمنحه عهدها. غير أن القصة لا تكشف منذ البداية عن هوية المتكلم المقصود في العنوان، الأمر الذي يؤجل اكتمال الدلالة ويجعل القراءة نفسها عملية بحث عن صاحب العهد وموضوعه. وحين تظهر الورقة السمراء في حوار البخار، تتسع شبكة الاحتمالات: هل يتعلق العهد بالبنّ بوصفه رمزاً للخصوبة والاستمرار، أم بالأرض التي أنبتت الشجرة، أم بذاكرة الإنسان الذي ارتبطت حياته بهذه العناصر؟

لا تحسم القصة هذه الاحتمالات في عبارة تقريرية، بل تتركها تتفاعل داخل بنيتها الرمزية. وتنبع فاعلية العنوان من أن كلمة «العهد» لا تظل محصورة في معناها المعجمي؛ إنها تتحول إلى مبدأ ناظم للعلاقة بين الأجيال والطبيعة والذاكرة، فيما يكتسب البنّ قيمة تتجاوز مذاقه إلى ما يستحضره من عمل الإنسان وعرقه وطقوس حياته.

وتكمن دقة العنوان أيضاً في أنه لا يعلن انتصاراً ناجزاً، بل يعلن التزاماً ينبغي الوفاء به. فالعهد، بخلاف النتيجة، فعل مفتوح على المستقبل، ولذلك ينسجم مع خاتمة لا تغلق الدلالة، وإنما تترك الحياة في حالة من الاستئناف الملتبس.

٣- السرد - من المشهد الحسي إلى انفتاح أفق الوعي.

تبدأ القصة بجملة ذات كثافة تصويرية واضحة: «من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام». تتجاور في هذا الاستهلال أربعة عناصر: العين والدمعة والفنجان والزيتونة المحترقة، ويحيط بها الركام بوصفه علامة على كارثة سابقة لا يقدم النص تفاصيلها المباشرة.

إن اختيار الدمعة مدخلاً إلى الحكاية يجعل الانفعال سابقاً على تفسيره؛ فنحن نواجه أثر الألم قبل أن نعرف أسبابه. كذلك فإن وضع الفنجان فوق جذع الزيتونة المتفحم يؤسس منذ البداية لتعارض بين ما يُستهلك وما يتجذر، وبين الحياة اليومية المألوفة والعنف الذي أصاب المكان.

لكن القصة لا تمضي في خط سببي متدرج، بل تنتقل من الحاضر الحسي إلى مشهد تخييلي، ثم إلى ذكرى الجد، قبل أن تعود إلى الفنجان والجذع والركام. وهذا التناوب لا يمثل استرجاعاً زمنياً فحسب، وإنما يكشف طريقة اشتغال الذاكرة نفسها: يستدعي الشيء الحاضر عالماً غائباً، ثم يعود الوعي إلى الحاضر محمّلاً بما استعادته الحواس.

وتتوزع حركة السرد بين ثلاث طبقات مترابطة: المشهد الراهن، والحوار المتخيّل الذي تنطقه ورقة الغار، والذاكرة الموروثة في حديث الجد. وتمنح هذه الطبقات القصة اتساعاً زمنياً لا يتحقق بكثرة الأحداث، بل بتراكب أزمنة مختلفة داخل لحظة واحدة.

أما التحول الحاسم فيأتي حين تتعطل طقوس القهوة بفعل سقوط قطعة الجناح في الفنجان. عندئذٍ ينتقل النص من التأمل والاستعادة إلى مواجهة علامة مادية جديدة، تعيد تشكيل المشهد كله. فالحكاية لا تحتاج إلى حدث ضخم في خاتمتها؛ يكفي أن يتغير شيء صغير في ترتيب الأشياء كي تتبدل وجهة الإدراك.

٤- الرؤية السردية والراوي - اتساع التخييل وحدود المعرفة

يعتمد النص راوياً بضمير الغائب، لكنه يقترب من وعي الشخصية المركزية حتى تصبح الأشياء كما تُرى وتُسمع وتُستعاد من داخل تجربتها. وتكشف عبارة «تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم» عن انتقال من الوصف الخارجي إلى تصوير حالة ذهنية يتداخل فيها السكون الجسدي بالحركة التخيلية.

لا يقدم الراوي هوية الرجل كاملة، ولا يشرح ظروف وجوده وسط الركام، ولا يحدد صراحةً طبيعة الكارثة التي أحرقت الزيتونة. وهذا الحذف يوسع مجال التلقي، لكنه يجعل القارئ مطالباً ببناء العلاقات بين العلامات دون امتلاك رواية تاريخية مكتملة.

وفي حوار ورقة الغار مع القهوة، يتجاوز التخييل حدود المحاكاة الواقعية؛ إذ تتحول عناصر غير ناطقة إلى ذوات تتبادل السؤال والجواب. ويمكن فهم هذا التحول بوصفه شكلاً من أشكال التشخيص، غير أن وظيفته أعمق من الزخرفة البلاغية: إنه يمنح الطبيعة صوتاً بديلاً حين يصبح الإنسان عاجزاً عن التعبير المباشر عن خسارته.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين صوت الشخصية الذي يصوغه الراوي وبين موقف الكاتبة نفسها؛ فليس كل قول رمزي في القصة تصريحاً أيديولوجياً مباشراً، بل قد يكون جزءاً من شبكة أصوات وصور تترك المعنى مفتوحاً على التأويل.

٥- البناء النفسي للشخصيات- الإنسان بين الاستعادة والصمت

تتمركز القصة حول رجل لا نعرف اسمه، لكننا نعرفه من خلال انفعاله وطريقة اتصاله بالأشياء. فالدمعة، والامتداد باليد نحو البخار، وإغماض الجفنين، والتحديق في الفنجان، والإطراق زمناً غير محسوب، كلها أفعال ترسم شخصيةً تعيش توتراً بين الرغبة في استعادة الماضي والعجز عن ردّه إلى صورته الأولى.

إن صمت الرجل ليس فراغاً سردياً؛ إنه مساحة تنشط فيها الذاكرة. وحين يعود إلى حديث الجد، يتضح أن الماضي الذي يستحضره ليس تجربة شخصية مكتملة فحسب، بل معرفة ورثها عن جيل سابق. فالجد يمثل حلقة في سلسلة نقل الخبرة والروائح والعادات، فيما يمثل الحفيد إمكانية استمرار تلك السلسلة بعد انقطاع شروطها المادية.

أما ورقة الغار فتؤدي دوراً يتجاوز حضورها الطبيعي؛ إذ تتكلم عن «رائحة يديه»، وعن «التربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى»، وعن البصمات التي تقرؤها على مدارج القمر. هذه اللغة تجعلها شخصية رمزية تحمل ذاكرة الأرض والعمل والإنبات.

لكنها ليست رمزاً بسيطاً للثبات وحده؛ فقولها «وإنْ هشّ كفّي» يضع الهشاشة في صميم الوفاء. إنها تحافظ على العهد لا لأنها محصنة ضد التلف، بل على الرغم من تعرضها له. وهنا تتشكل إحدى أهم مفارقات القصة: قد تكون المادة ضعيفة، لكن العلاقة التي تحملها أقدر على البقاء من مادتها نفسها.

٦- المكان والزمان- الزيتونة المحترقة بوصفها ذاكرة مجروحة

يتأسس المكان على مفارقة بين الجذع والركام. فالزيتونة، بما توحي به من تجذر وطول عمر واستمرار، تظهر في صورة متفحمة؛ أي إن العلامة التي يفترض أن تدل على الحياة أصبحت شاهداً على إصابتها. غير أن الجذع، رغم احتراقه، ما زال صالحاً لحمل الفنجان، وبذلك يحتفظ بوظيفة جزئية بعد تدمير صورته السابقة.

هذا التحول يمنح المكان بعداً رمزياً: الخراب لا يمحو كل وظيفة للأشياء، لكنه يغيّر شروط وجودها ومعناها. فالجذع لم يعد شجرة مثمرة، بل صار سطحاً يجلس إليه الرجل، وحاملاً لفنجان يستدعي عالماً من الروائح والذكريات.

أما الزمان، فيتوزع بين لحظة حاضرة مشحونة بالفقد، وماضٍ قريب أو بعيد يستعيده الوعي، وزمن تخييلي توحي به صور القمر والمدى والأفق. ولا تعمل هذه الأزمنة منفصلة؛ إذ يتسلل الماضي إلى الحاضر عبر البخار، ثم يعود الحاضر في صورة الجناح والدخان ليقطع الاسترسال.

وتكشف عبارة الجد «كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار» عن ذاكرة جماعية لم تكن علاقتها بالطبيعة جمالية فحسب، بل كانت علاقة تطهير وتجدد ومقاومة للظروف القاسية. ويمكن أن يكتسب «الغبار» هنا دلالة تتجاوز الظاهرة الطبيعية، غير أن ربطه بحادثة سياسية محددة يحتاج إلى قرائن لا يوفرها النص وحده.

٧- البنيان اللغوي والأسلوب- حين تتبادل الحواس وظائفها

تعتمد القصة لغةً كثيفة تميل إلى الانزياح والتشخيص وتداخل الحقول الحسية. ففي عبارة «شوشات تتزاحم في شرفات الْبخار» تتحول الهمسات إلى كائنات تتزاحم، ويتحول البخار إلى فضاء معماري له شرفات. وفي «رحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه» تنتقل الرائحة من مجال الشم إلى فعل التنفس والملامسة.

هذه التحولات ليست مجرد ترف لغوي؛ إنها تجسد الطريقة التي تعمل بها الذاكرة الحسية، حين تستعيد التجربة من خلال تداخل الرائحة والصوت واللمس والصورة. وتصبح اللغة، بهذا المعنى، محاكاةً لتجربة نفسية يتعذر فيها الفصل بين ما يراه الرجل وما يتذكره وما يتخيله.

ويؤدي التكرار دوراً بنائياً ملحوظاً، ولا سيما في عبارة «ولا أزال»، التي تمنح صوت ورقة الغار إيقاعاً قائماً على الاستمرار. فالتكرار هنا ليس إعادةً للمعلومة، بل تثبيت لموقف الوفاء، ومقاومة ضمنية لاحتمال الانقطاع.

في المقابل، تتطلب بعض الصور المجازية جهداً تأويلياً مرتفعاً، مثل «مدارج القمر» و«لهيب ملحك». وهي صور توسع المجال الرمزي، لكن كثافتها قد تجعل بعض العلاقات أقل وضوحاً من غيرها. ولا يُعد ذلك عيباً بذاته؛ إنما يصبح موضع ملاحظة حين يتعذر على القارئ تعيين العلاقة التي تربط الصورة بحركة النص الكلية.

٨- شبكة العلامات بين الخصوبة والاحترام. - السيميائيات.

تتأسس البنية الرمزية للقصة على مجموعة من العلامات التي لا تعمل منفردة، بل تكتسب دلالاتها من علاقاتها المتبادلة.

(القهوة والبنّ): يمثلان طقساً يومياً للحميمية والاستقرار، ويتحولان إلى وسيط لاستعادة الذاكرة. فالقهوة لا تستمد قيمتها من مذاقها وحده، وإنما من ارتباطها باليد التي أعدتها، والأرض التي أنبتت مكوناتها، واللحظات التي احتضنتها.

(الزيتونة المتفحمة): علامة على انكسار الاستمرار الطبيعي، لكنها تحتفظ بوظيفتها الحاضرة، فتجمع بين أثر الموت وإمكان البقاء.

(ورقة الغار): تحمل ذاكرة النبات والتربة والعرق، وتصبح صوتاً لعلاقة لا يقطعها التلف المادي بسهولة.

(الدمعة): تصل بين الجسد والفنجان، وتجعل الحزن جزءاً من طقس القهوة نفسه؛ فكأن الذات لا تستطيع استعادة ماضيها إلا بعد أن تعترف بجرحها.

(جناح الحجل): يدخل في نهاية القصة بوصفه علامة جديدة، تقطع انتظام المشهد وتفتح باباً لتأويل آخر.

(الخزامى والصفير): يعيدان إلى الخاتمة عناصر الرائحة والصوت، ويمنحانها قابلية الانفتاح على الحياة، من دون أن يلغيا أثر الخراب السابق.

وتقوم هذه الشبكة على تقابلات دقيقة: الاحتراق والإنبات، الهشاشة والاستمرار، الصمت والصوت، الفقد والاستعادة. غير أن القصة لا تجعل هذه التقابلات ثنائيات مغلقة؛ فالزيتونة المحترقة لا تنفصل عن الفنجان، وورقة الغار الهشة تحمل خطاب الوفاء، والجناح الذي يتلف القهوة يصبح مدخلاً إلى مشهد جديد.

هكذا تنتج الدلالة من التوتر بين العلامات، لا من إحالة كل عنصر إلى معنى ثابت. وهذه إحدى نقاط القوة في البناء السيميائي للنص.

٩- الأبعاد. الاجتماعية والنفسية والفلسفية- الذاكرة باعتبارها مقاومة للمحو.

على المستوى النفسي، يمكن قراءة القصة بوصفها تمثيلاً لحالة يستعيد فيها الإنسان توازنه عبر الأشياء المرتبطة بماضيه. فالفنجان ليس موضوعاً خارجياً محايداً، بل وسيط يستثير ذكريات متراكمة، وتصبح رائحته وبخاره طريقاً إلى زمن لم يعد متاحاً في صورته الأصلية.

وعلى المستوى الاجتماعي، تبرز أهمية انتقال الذاكرة بين الأجيال. فالجد لا ينقل إلى حفيده معلومات عن النبات فحسب، بل ينقل إليه طريقة في إدراك العالم، تقوم على معرفة الروائح والأرض والعلاقة بين الإنسان ومحيطه. إن ما يُورث هنا ليس ملكية مادية، وإنما حساسية تجاه المكان ومعانيه.

أما فلسفياً، فتطرح القصة سؤالاً عن ماهية الاستمرار: هل يبقى الشيء ما دامت مادته موجودة، أم يبقى عبر ما يتركه في الذاكرة؟ الزيتونة لم تعد شجرة حية، لكن حضورها لا ينتهي باحتراقها؛ إذ تتحول إلى جزء من تجربة الرجل، ومن بنية النص، ومن الذاكرة التي يستدعيها الفنجان.

ويمكن قراءة هذا المعنى في إطار أوسع يتصل بمقاومة المحو الثقافي والوجودي. فالعناصر الطبيعية ليست خلفية صامتة لحياة الإنسان، بل شريكة في تكوين هويته. ومع ذلك، لا ينبغي الجزم بأن القصة تحيل إلى واقعة تاريخية بعينها؛ فالنص لا يحدد مكان الكارثة ولا زمانها، ويتيح بذلك قراءة تتجاوز الحدث المباشر إلى تجربة الفقد الإنساني عموماً.

١٠- التفاعل الثقافي والتناص- الذاكرة النباتية والموروث الشفهي

تستثمر القصة موروثاً ثقافياً تتداخل فيه النباتات مع معاني الأرض والخصوبة والشفاء والانتماء. فالزيتونة والغار والسدر والشيح والصبار ليست مجرد مفردات طبيعية؛ إنها عناصر من معجم بيئي يستدعي خبرة الإنسان بالأرض، وما ارتبط بها من عادات ومعارف متوارثة.

ويؤدي حديث الجد وظيفة قريبة من الذاكرة الشفهية؛ فهو ينقل التجربة من جيل إلى آخر في صيغة موجزة ذات نبرة تأملية. كما أن استحضار النباتات المتعددة يوسع المجال المكاني للنص، وينقل القارئ من الجذع المتفحم إلى أفق أكثر اتساعاً، تتجاور فيه الأشجار والأعشاب والروائح.

لكن لا تظهر في النص إحالة صريحة كافية لإثبات تناص مباشر مع نص أدبي محدد. لذلك فإن الأدق نقدياً الحديث عن تفاعل مع الذاكرة الثقافية والشفهية والرمزية للطبيعة، بدلاً من افتراض مصادر أدبية لا يقدم النص دليلاً عليها.

١١- الجناح الذي يقطع الحكاية ويفتحها - جماليات النهاية

تبلغ القصة ذروتها في سلسلة من الحركات المتتابعة: سقوط قطعة الجناح، وإحصاء قطع الفنجان، والتفات الرجل إلى الجذع، واحتراق عينيه بالدخان، ثم إطراقه زمناً لا يحصيه، قبل أن يرفع رأسه على «صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه».

إن سقوط الجناح يوقف لحظة الارتشاف قبل اكتمالها. فالفنجان الذي كان على وشك الوصول إلى الشفتين يصبح شيئاً مكسوراً أو متعذراً تناوله، وتعود الأشياء إلى مواجهة الرجل بحقيقتها المادية بعد أن حمله البخار إلى عوالم الذاكرة.

وتكتسب عبارة «أحصى قِطَعَ الْفنجان» أهمية خاصة؛ فالإحصاء فعل عقلي دقيق يأتي في مواجهة تجربة عاطفية تتجاوز القدرة على الضبط. كأن الرجل يحاول استعادة السيطرة على المشهد من خلال عدّ الأجزاء، فيما تتسع التجربة من حوله إلى الدخان والصفير والرائحة.

أما النهاية فلا تحسم مصير الرجل ولا تفسر مصدر الصفير أو كيفية وصول رحيق الخزامى إلى شفتيه. ومن الممكن أن يُقرأ هذا الانتقال بوصفه انفتاحاً على تجدد الحياة، أو استمراراً للحالة التخيلية التي بدأت مع البخار، أو تداخلاً بين الإدراك الحسي والذاكرة. ولا تسمح القرائن بالجزم بتفسير واحد.

وهنا تكمن فاعلية الخاتمة: إنها لا تقدم جواباً نهائياً، بل تغيّر طبيعة السؤال. فبعد أن كان النص يستعيد ما فُقد، ينتهي إلى علامات توحي بأن العالم ما زال قادراً على إرسال إشارات جديدة، وإن بقيت ماهيتها غامضة.

١٢- التقييم النقدي للقصة - بين تماسك البناء وثراء الصورة

تتمثل أبرز نقاط قوة القصة في قدرتها على بناء عالم رمزي انطلاقاً من مشهد محدود، وفي تحويل القهوة من موضوع يومي إلى مركز تتقاطع عنده الذاكرة الشخصية والموروث العائلي والعلاقة بالطبيعة. كما أن التداخل بين الحواس يمنح اللغة طاقة تعبيرية، ويجعل الرائحة والصوت والبخار عناصر فاعلة في إنتاج الدلالة، لا مجرد تفاصيل وصفية.

ويحسب للنص كذلك تجنبه الشرح المباشر للكارثة؛ فالركام والجذع المتفحم والدمعة كافية لتأسيس أفق الفقد، فيما يظل سبب الخراب خارج التحديد. ويتيح هذا الاقتصاد في المعلومات للقصة أن تتجاوز التوثيق المباشر إلى استكشاف أثر الخراب في الوعي.

في المقابل، يمكن تسجيل ملاحظتين فنيتين. الأولى أن بعض الانزياحات المجازية تتراكم بكثافة قد تُضعف أحياناً وضوح العلاقة بين الصورة وما تنهض به داخل البناء. والثانية أن الانتقال من الحوار المتخيل إلى ذكرى الجد، ثم إلى سقوط الجناح والخاتمة الحسية، يحتاج إلى قارئ مستعد لإعادة تركيب الروابط بين المشاهد؛ إذ لا توفر القصة دائماً علامات انتقال تفسيرية كافية.

لكن هاتين الملاحظتين لا تنتقصان من طبيعة الخيار الجمالي الذي تتبناه الكاتبة، بقدر ما تحددان حدوده ومقتضياته. فالقصة تراهن على الإيحاء والتداعي أكثر مما تراهن على الحبكة المحكمة ذات السببية الظاهرة، ولذلك ينبغي تقويم تماسكها وفق منطقها الفني الخاص، مع الاحتفاظ بحق النقد في مساءلة التوازن بين الغموض المنتج والدلالة الملتبسة.

١٣- ما الذي يبقى حين يحترق الجذع؟ - الخاتمة التركيبية.

تقدم «قد وهبتُ البنَّ عهدي» تجربة قصصية تجعل من الذاكرة الحسية محوراً لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان. فالفنجان يستدعي الأرض، والبخار يستدعي الصوت، وورقة الغار تستعيد تاريخاً من العمل والإنبات، وحديث الجد يصل الحاضر بسلسلة من الخبرات الموروثة. وفي المقابل، يأتي الجذع المتفحم ليذكّر بأن الاستمرار لا يعني غياب الفقد، بل إمكان حمل آثاره داخل الحاضر.

وتكشف الدراسة أن الوحدة الفنية للنص لا تنبع من توالي الأحداث، وإنما من شبكة علامات تتبادل التأثير: القهوة والدمعة، الزيتونة والغار، الغبار والخزامى، الفنجان والجناح. ومن خلال هذه العلاقات، تتشكل رؤية ترى أن الهوية ليست شيئاً جامداً محفوظاً في الماضي، بل علاقة تتجدد كلما أعاد الإنسان قراءة ما بقي من عالمه.

أما العهد الذي يعلنه العنوان، فلا يتحقق في صورة انتصار مكتمل، بل يظهر في القدرة على مواصلة العلاقة بما تعرض للتلف، وفي إبقاء الذاكرة حية من دون إنكار الجرح. ولهذا تكتسب الخاتمة أهميتها؛ فهي لا تعيد الزيتونة إلى اخضرارها، ولا تصلح الفنجان، ولا تمحو الركام، لكنها تترك المجال مفتوحاً أمام صفير ورائحة وحياة لم تُستنفد احتمالاتها.

بهذا المعنى، تنجح هادية السالمي دجبّي في بناء نص يتجاوز الحكاية عن فنجان قهوة إلى تأمل في هشاشة الوجود وامتداد الذاكرة. وتظل القيمة الأعمق للقصة كامنة في مفارقتها المركزية: قد يحترق الجذع، ويتحطم الفنجان، وتغيب اليد التي صنعت طقس الحياة، لكن العلامات التي تركتها التجربة تستطيع أن تواصل الكلام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم