عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاطمة عبد الله: دراسة نقدية لرواية "أحدب بغداد" للأديب عبد الحسين الشيخ علي

الحدبة والمرآة والكتاب: من اعوجاج الداخل إلى بقاء الأثر

تنهض رواية " أحدب بغداد" منذ عتبتها الأولى على مفارقة دلالية مركزية: رجل يحمل انحناءة جسدية ظاهرة، في حين تتوارى " حدبات" أخرى لا تستقر على الأجساد، وإنما تتشكل في الداخل. ومن هذه المفارقة تنشأ البنية الرمزية للرواية، إذ لا تبقى الحدبة وصفاً لهيئة الشخصية، بل تتحول تدريجياً إلى علامة سردية ومعرفية وأخلاقية يعاد إنتاجها عبر مسار الرواية كله. وتقوم هذه العلامة على انتقال متدرج من المرئي إلى الخفي، ومن الجسد إلى النفس، ومن رؤية الآخر إلى مساءلة الذات. فعبد الرحمن يعرف منذ طفولته أن جسده يحمل انحناءة إثر سقوطه، لكنه يكتشف لاحقاً أن آخرين يحملون انحناءات أشد خطراً، وإن كانت العين العادية عاجزة عن رؤيتها. ولهذا تأتي عبارته: " لو عرفوا كم من الحدبات لا ترى لرحموا هذه الانحناءة الصغيرة" بوصفها مفتاحاً تأويلياً مبكراً لمسار التجربة.

ومن منظور سيميائي، لا تعمل الحدبة بوصفها علامة منفردة، وإنما داخل شبكة من العلامات المتكررة: المرآة، الظهر، العين، الوجه، النارنج، بغداد، دجلة، الكتاب، القبور، والرحيل. وهذه العلامات لا تستمد قيمتها من حضورها الوصفي وحده، بل من علاقاتها المتبادلة داخل البنية السردية. ويتقاطع ذلك مع التصور التأويلي للرمز عند بول ريكور .فاللغة الرمزية لا تستنفد في معناها الأول، وإنما تفتح إمكانات متعددة للفهم والتفسير. ويختصر ريكور هذه العلاقة في عبارته المعروفة.

 " الرمز يفضي إلى الفكر" بما يجعل الرمز منطلقا لفعل التأويل لا خاتمة للمعنى. وعلى هذا الأساس، تتأسس الدراسة على مقاربة سيميائية،تأويلية ذات بعد نفسي، تتتبع السيميائية شبكة العلامات وعلاقاتها، وتنفتح التأويلية على تعدد مستويات الدلالة، فيما يستقرئ البعد النفسي أثر الخوف والشك ومراقبة الذات وتحول المعرفة إلى عبء داخلي.

الحدبة من العاهة الجسدية إلى العلامة الأخلاقية

تبدأ الرواية بتثبيت المعنى الواقعي للحدبة: "انحنى ظهره قليلاً إثر سقوطه عن سطح البيت وهو صبي" . وهذه البداية تمنح الانحناء سببا مادياً واضحاً، فلا تكون الحدبة منذ البداية عقوبة رمزية أو علامة أخلاقية. عبد الرحمن لم يختر حدبته ولذلك لا تنتقص من قيمته الإنسانية. غير أن السرد ينقل مركز الثقل تدريجيا من جسد عبد الرحمن إلى أجساد الآخرين. فعندما يرى في المرآة " انتفاخاً صغيراً" خلف ظهر الموظف المرتشي، ثم يراه لدى السياسي، والرجل الذي يسيء إلى غيره، تتغير وظيفة العلامة. لم تعد الحدبة وصفاً جسدياً، بل أصبحت ترجمة بصرية لفعل أخلاقي مستتر. وهنا تتولد إحدى أهم المفارقات في الرواية: الجسد يصبح شاشة تكشف ما تعجز اللغة عن إظهاره. فالحدبة تتصل بسلوكيات مثل الرشوة والنفاق والظلم والإهانة واستغلال الضعيف، في حين تغيب عن بعض الشخصيات التي تمارس فعلاً إنسانياً نزيهاً، كما في مشهد الموظف الذي يساعد الأرملة، أو بائع الرز الذي يزيد في الكمية من غير مقابل.ومن ثم تنشأ ثنائية دلالية:

استقامة الجسد لا تعني بالضرورة استقامة الروح. وانحناء الجسد لا يعني انحناء الإنسان أخلاقياً. وبذلك يصبح عبد الرحمن، الذي يراه المجتمع "الأحدب"، مفارقة حية بين ظاهر الجسد وباطن الإنسان. فالحدبة التي يحملها ليست معياراً لقيمته، بينما تكشف حدبات الآخرين عن مسافة بين المظهر والحقيقة. وهنا يبدأ الرمز في تجاوز دلالته الجسدية إلى سؤال أكثر عمقاً: من الذي يستحق أن يسمى أحدب؟ وهل الانحناء صفة للجسد أم نتيجة لطريقة الإنسان في العيش والاختيار؟.

 المرآة بوصفها جهازا للرؤية والمعرفة

إذا كانت الحدبة هي العلامة، فإن المرآة هي جهاز الكشف عنها.

ومن هنا يأتي فصل "صاحب المرايا" بوصفه نقطة تحول في البنية الدلالية للرواية. يقول صاحب المرايا لعبد الرحمن: "ليست كلها جميلة... بعضها صادق"، ثم يضيف: "الناس... هم الذين يجعلونها تكذب" .بهذا تنتقل المرآة من وظيفتها الفيزيائية في عكس الصورة إلى وظيفة معرفية تكشف ما يستتر خلف المظهر. وهي لا تمنح الحقيقة جاهزة، بل تفتح مجالاً لرؤية مختلفة. ويزداد غموضها حين يقول صاحب المرايا: "لأن الوجوه تتشابه... أما الأرواح فلا" . فهذه العبارة تمنح الشخصية وظيفة تتجاوز الحضور الواقعي، إذ يغدو صاحب المرايا وسيطاً بين الرؤية الحسية والرؤية الباطنية، وبين ما يظهر للعين وما يستتر في النفس.ومن هنا يصبح "الانعكاس الأول" أكثر من صورة ثانية لعبد الرحمن؛ إنه بداية انقسام في الوعي بين عالم تراه الجماعة، وعالم آخر تكشفه المرآة. وتتعمق المفارقة حين يقف عبد الرحمن أمام مرآته فلا يرى سوى " انحناءه القديم" بينما يرى حدبات الآخرين في المرايا والزجاج والشاشات. وهنا تنتقل الرواية من سؤال القدرة الخارقة إلى سؤال أخلاقي ومعرفي: هل يستطيع الإنسان أن يرى اعوجاجه الداخلي بالوضوح نفسه الذي يرى به اعوجاج الآخرين؟ هذا السؤال سيظل ممتداً عبر الرواية حتى نهايتها.

عبد الرحمن وتحول الرؤية إلى عبء نفسي

لا تقدم الرواية قدرة عبد الرحمن الجديدة باعتبارها امتيازاً خالصاً، وإنما تجعلها عبئاً معرفياً يتنامى مع اتساع الرؤية.

في البداية يشعر بالدهشة، ثم بالريبة، ثم يبدأ في تجنب النظر إلى ظهور الناس. ومع انتقال التجربة إلى المجال العائلي، يتحول ما كان موجهاً إلى الآخر إلى امتحان للذات.ويكتب عبد الرحمن في دفتره:

"أخشى أن تؤذيهم الحدبات التي لا يرونها".

تكشف العبارة عن تحول جوهري في مركز الصراع. لم يعد السؤال: من الفاسد؟ بل أصبح: هل يمكن أن أفسد أنا أيضاً؟

وهنا تكتسب الشخصية بعداً نفسياً لأنها لا تبقى في موقع "الرجل الصالح الذي يكتشف فساد الآخرين"، بل تدخل في دائرة الشك ومراقبة الذات. فالوعي بالانحراف لا يعود معرفة بالآخر فقط، بل يصبح احتمالاً داخلياً يهدد صاحب الرؤية نفسه.ويتبلور هذا المعنى لاحقا في العبارة:

"المصيبة ليست أن ترى الحدبات... المصيبة أن تخاف يوما أن تتوقف عن رؤية الإنسان" .

إن أهمية هذه العبارة أنها تعيد تعريف الرؤية ذاتها. فمعرفة خطأ الآخر لا تكتمل قيمتها الأخلاقية إلا إذا ظلت الذات قادرة على رؤية الإنسان خلف خطئه. وبذلك تنتقل الرواية من سؤال فساد الآخر إلى سؤال الوعي الذي يراقبه ويحكم عليه.

 بغداد بوصفها علامة ثقافية وفضاء للاختبار

لا تظهر بغداد في الرواية بوصفها ديكوراً محايداً، فالكرخ، ودجلة، وشارع الرشيد، وشارع المتنبي، والدائرة الحكومية، والسوق الشعبي، والمقهى، وشجرة النارنج، كلها فضاءات تدخل في تشكيل التجربة الدلالية. ومن هنا يكتسب عنوان " أحدب بغداد" دلالته المتنامية. فعبد الرحمن ليس أحدب بغداد لأنه يعيش فيها فحسب، وإنما لأن جسده يتحول إلى مرآة لمفارقتها: مدينة ذات تاريخ وذاكرة، يعيش فيها الإنسان بين صور متعددة من النقاء والانحراف، والضمير والمصلحة، والحقيقة والتبرير. وتكتسب التفاصيل المكانية أهميتها لأنها تمنح الرمز جذوره الواقعية: شجرة النارنج التي زرعتها الأم، دجلة، الكتب القديمة، شارع المتنبي، عربات الشاي، والدائرة الحكومية. وبهذا لا تنفصل العلامة الرمزية عن المكان، بل تنشأ منه وتعود إليه. وهنا يمكن فهم بغداد باعتبارها أكثر من مكان روائي، إنها فضاء ثقافي تختبر فيه الرواية علاقتها بالإنسان والقيم والذاكرة.

سالم والمرآة الثانية

تؤدي شخصية سالم وظيفة موازية لعبد الرحمن. فالأول يرى انحرافات المجتمع من خلال الكتابة، والثاني يراها من خلال المرآة. كلاهما يبحث عن الحقيقة، لكن بأداتين مختلفتين.

تتضح هذه الوظيفة في قوله:

"التعب من أجل الحقيقة أخف من الراحة مع الكذب".

ثم تأتي عبارته:

"هذه ليست مشكلة العين يا صديقي... هذه مشكلة الضمير".

فتصبح العين والمرآة والضمير حلقات في سلسلة واحدة: العين ترى، والمرآة تكشف، والضمير يؤول ما يرى.

ومن هنا لا يعود سالم شخصية مساندة فحسب، بل يتحول إلى قرين تأويلي لعبد الرحمن، فإذا كان عبد الرحمن يكتشف الحدبات بصرياً، فإن سالم يحولها إلى خطاب مكتوب. الأول يحمل المرآة، والثاني يحمل الكتاب. وبذلك تتسع ثنائية الرواية من " الأحدب/المستقيم" إلى ثنائيات أعمق: المثقف/السلطة، الضمير/المصلحة، الحقيقة/التبرير، الرؤية/الصمت.

من الرمز الفردي إلى البنية الاجتماعية

في الجزء اللاحق من الرواية يتسع معنى الحدبة حين تظهر "مجلس الأحداب" وهنا ينتقل الرمز من التجربة الفردية إلى المجال الاجتماعي. فالحدبة لم تعد اثراً لانحراف شخص واحد، وإنما أصبحت علامة على منظومة تتشكل من الأفكار والتبريرات وعلاقات القوة. وبذلك يتحول الاعوجاج من اختيار فردي إلى بنية تستطيع أن تنتج خطابها الخاص وتمنح انحرافها مشروعية داخلية. وهذا التحول مهم في البناء الرمزي، لأن الرواية لا تكتفي بتصوير الخلل الأخلاقي بوصفه حالة شخصية، وإنما تدفع العلامة نحو مستوى اجتماعي، حيث يصبح الانحراف قابلاً للتنظيم والدفاع عنه وتطبيع حضوره.

وعند هذه النقطة يتغير موقع عبد الرحمن وسالم، فهما لم يعودا أمام أفراد يحملون " حدبات" خفية، وإنما أمام منظومة تحاول تحويل الاعوجاج إلى قاعدة، والاستقامة إلى حالة استثنائية.

 من كشف الحدبات إلى أزمة الوعي

يتخذ المسار النفسي في الرواية شكلاً تصاعدياً: دهشة، ثم خوف، ثم عزلة، ثم مراجعة للذات، ثم محاولة لاستعادة التوازن. وتصبح "حدبة العزلة والهروب" امتداداً منطقياً لهذه الرحلة. فحين يقول صاحب المرايا لسالم:

" هذه حدبة العزلة والهروب... عد إلى عملك ومارس حياتك واكتب شعرك وأنا أوعدك أنك لن ترى الحدبات بعد اليوم بأم عينيك رغم وجودها، ليكتمل شفاؤك وتبدأ رحلة البناء الباطني".

تنتقل الرواية من رؤية الحدبة بوصفها علامة على الآخرين إلى فهمها بوصفها احتمالاً نفسياً داخل الذات. وبذلك تصبح الرؤية نفسها موضوعاً للسؤال: ماذا يحدث للإنسان حين يرى أكثر مما يحتمل؟ وهل يمكن للوعي أن يتحول من أداة للتحرر إلى عبء إذا انفصل عن التوازن الداخلي؟

وهنا تكتسب رحلة سالم أهمية خاصة، لأنه لا يتعلم فقط كيف يرى، بل كيف يعيش مع ما يراه.

كتاب الجد والذاكرة الأخلاقية

يؤدي " كتاب الجد" وظيفة رمزية تتجاوز كونه أثراً عائلياً، فهو يربط الحاضر بالماضي، والتجربة الفردية بالذاكرة الأخلاقية، ويمنح السؤال الذي تعيشه الشخصية امتداداً يتجاوز زمنها الخاص. فالكتاب يصبح حاملاً للذاكرة، ثم يتحول لاحقاً إلى وسيط لاستمرار التجربة بعد غياب صاحبها.

ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين المرآة والكتاب بوصفها علاقة تكاملية: المرآة تكشف. الكتاب يحفظ. الذاكرة تستمر.

وعندما يصل عبد الرحمن إلى لحظة الرحيل، لا يعود الكتاب مجرد وثيقة عن تجربة شخصية، بل يصبح أمانة تتجاوز صاحبها.

 الرحيل والنجف والانتقال من الخارج إلى الداخل

يأتي الرحيل إلى النجف في سياق التحول من الصراع الخارجي إلى البحث عن السكينة الداخلية. فالطريق إلى النجف، ووادي السلام، والقبور، والزيارة، والدعاء، لا تعمل بوصفها محطات جغرافية فحسب، وإنما تدخل في تشكيل الحركة الباطنية للشخصية. إن زيارة القبور تستحضر سؤال الزمن والمصير، وتعيد ترتيب العلاقة بين الحياة والعمل والأثر. ومن هنا تصبح الرحلة الجغرافية معادلا ً لحركة داخلية: من اضطراب الرؤية إلى محاولة استعادة التوازن.وفي هذا السياق تتخذ عبارة عبد الرحمن:

" الحمد لله... لقد وصلت الأمانة إلى صاحبها"

دلالة تتجاوز لحظة الاعتراف الشخصي؛ فالأمانة هنا هي التجربة نفسها، وما حملته من سؤال عن الإنسان والضمير والاستقامة.

 الوصية بوصفها انتقالاً للأمانة

مع اقتراب الموت، تتغير وظيفة الكتاب. لم يعد عبد الرحمن في حاجة إلى الدفاع عن رؤيته، فالوصية تنتقل إلى سالم.

يقول له: " إذا انتهيت من دفني... فاقرأها وحدك، لا قبل ذلك".

وتكشف هذه اللحظة عن تحول مهم: انتقال الصوت من صاحبه إلى قارئه. فالرواية هنا تعيد تعريف الكتاب بوصفه رسالة مؤجلة لا تكتمل إلا بعد غياب صاحبها. وبذلك يصبح الموت ليس نهاية للخطاب، وإنما لحظة لتحريره من سلطة صاحبه.

وتؤكد الرسالة هذا المعنى حين يقول عبد الرحمن إن قيمة الإنسان لا تقاس بطول حياته، وإنما بما يتركه في القلوب، ثم يمنح سالم حرية التعامل مع الكتاب: إن لم يكن جديراً فليحرقه، وإن كان نافعاً فلا يغير حرفاً منه، وليدع الناس يختلفون حوله. هذه الحرية مهمة تأويلياً، لأنها تنقل النص من رغبة المؤلف في امتلاك المعنى إلى حق القارئ في إنتاجه ومساءلته.

 الموت بوصفه بداية أخرى

حين يدخل سالم غرفة عبد الرحمن ويجده قد مات بهدوء، لا تتعامل الرواية مع الموت بوصفه إغلاقاً لمسار الشخصية، وإنما بوصفه نقطة انتقال. فالكتاب يبقى على الطاولة، والرسالة تنتظر قارئها، والأثر ينتقل من الفرد إلى الجماعة.

ويقول صاحب المرايا:

" انتهت رحلتك... وبدأت رحلتهم".

وهذه العبارة تختصر البنية الدائرية للرواية، فرحلة عبد الرحمن تنتهي جسدياً، لكنها تبدأ رمزياً في الآخرين.

ومن هنا يغدو الموت انتقالاً من حضور الشخصية إلى حضور الفكرة.

الكتاب من الذاكرة الفردية إلى الوعي الجمعي

حين يقرر سالم نشر الكتاب، ينتقل النص من فضاء التجربة الخاصة إلى المجال العام. ويختار مطبعة أبي ياسين القديمة، فيأتي قوله:

" هذا ليس مجرد كتاب يا بني... هذا وجع مرسوم على ورق" .

وهنا يتخذ الكتاب بعداً جديداً، إنه ليس مجرد تسجيل لما حدث، بل تحويل للألم الفردي إلى خطاب قابل للتداول.

وتنتشر النسخ في أماكن مختلفة: مكتبة قديمة في المتنبي، أرشيف الدائرة التي عمل فيها عبد الرحمن، مقهى الحي،و دكان صاحب المرايا. وتوزيع الكتاب بهذه الصورة ليس تفصيلاً مكانياً عابراً، إذ يعيد الرمز إلى الأمكنة التي شهدت بدايته.

فالكتاب ينتقل من المكتب إلى الشارع، ومن الذاكرة إلى التداول، ومن الفرد إلى المدينة.

وتصبح العبارة:

" لم أكتب هذا الكتاب لأدين الناس... بل لأحذر نفسي"

مفتاحاً أخلاقياً متأخراً يعيد تفسير التجربة كلها. فالكتاب الذي قد يبدو في بدايته أداة لكشف الآخرين ينتهي إلى الاعتراف بأن الرؤية الحقيقية تبدأ من الذات.

مجلس الأحداب وانقلاب الصراع

بعد موت عبد الرحمن، لا يعود الصراع موجهاً إلى شخصه. وهنا يتغير موقع مجلس الأحداب. فالخصم لم يعد الرجل الذي يحمل المرآة، بل المرآة نفسها. وحين يدرك المجلس أن الكلمات الصادرة من قلب صادق لا يمكن حبسها، ينتقل الصراع من مواجهة الفرد إلى مواجهة الأثر. وهنا تتسع الدلالة الاجتماعية للكتاب: السلطة تستطيع ملاحقة الجسد، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها ملاحقة المعنى حين ينتقل بين القراء.

وبذلك تعيد الرواية صياغة مركز الصراع: الجسد يمكن أن يغيب، أما العلامة فتستمر ما دام هناك من يقرأها.

المرآة من أداة للكشف إلى أداة لمراجعة الذات

يعود صاحب المرايا في نهاية الرواية، لكن المرآة لم تعد هي المرآة الأولى.في البداية كانت تكشف حدبات الآخرين، ثم أصبحت وسيلة لمواجهة الذات، وفي النهاية تغدو فضاءً عاماً لمراجعة الإنسان نفسه. ولهذا يقول صاحب المرايا:

" وهل يعيش الإنسان أمناً إذا هرب من ضميره؟"

ثم ينظر إلى المرآة الكبرى ويقول:

" اللهم... لا تجعلني أعتاد رؤية حدبات الناس حتى أنسى أن أراقب ظهري" .

بهذا تكتمل الوظيفة الرمزية للمرآة. إنها لا تمنح الإنسان حق إدانة الآخر، بل تعيده إلى نفسه. ومن هنا يصبح صاحب المرايا نفسه جزءًا من نظام الرؤية الذي أنشأه، فهو لا يقف خارج التجربة، وإنما يخضع لها أيضاً. وهذه النقلة تمنح الرمز بعداً دائرياً: من يرى الآخرين مطالب بأن يرى نفسه.

البيت بوصفه فضاء لاستمرار الأثر

 البيت، لكن البيت لم يعد المكان نفسه لأن غياب الأب أعاد توزيع حضوره داخل الأشياء والذاكرة. أم أحمد تستعيده بسلام، وأحمد يحمل مسبحته، ومريم تحتفظ برسمته. وعندما يقرأ أحمد عبارة أبيه:

" ليس كل من حمل حدبة هلك... وإنما الهالك من أحياها، ودافع عنها، ومات وهي زينته"

يتحول المعنى من تجربة الأب إلى موقف الابن.

ثم يضع الكتاب فوق صندوق الجد، ويقول:

" اطمئن.... لن ننحني ".

هنا تتضح وظيفة الكتاب بوصفه حلقة وصل بين الأجيال. فالأثر لا يستمر لأنه محفوظ في الورق فقط، وإنما لأنه يتحول إلى سلوك.

الزقاق القديم وإعادة إنتاج الرمز

في المشهد الأخير يستمر دكان المرايا، لكن وظيفة المكان تتغير. لم يعد الناس يدخلونه بحثاً عن زينة أو صورة خارجية، وإنما بحثاً عن مواجهة داخلية. يقول رجل لصاحب المرايا إنه يشعر بثقل على كتفه، فيجيبه بأن المرآة تظهر ما تشعر به الروح، وأن رؤية الثقل تعني أن القلب ما زال حياً وقادراً على التخلص منه.وهكذا ينتقل الرمز من التجربة الفردية إلى قابلية التكرار، فكل إنسان يمكن أن يدخل الدكان، وكل إنسان يمكن أن يصبح موضوعاً للمرآة. وحين يلتقي سالم بصاحب المرايا، يقال له إن الكتاب كان الشرارة، أما الفتيل فكان الأرواح التي تنتظر الحقيقة.بهذا يصبح عبد الرحمن غائباً جسدياً، لكنه حاضر بوصفه أثراً ثقافياً وأخلاقيا ً. أما الشمس الذهبية فوق بغداد ودجلة، فتمنح الخاتمة صورة ضوئية تقابل العتمة التي رافقت مراحل الصراع، وكأن المكان نفسه دخل في دورة التحول.

 البنية السيميائية الكلية للرواية

إذا قرئت الرواية في مسارها الكامل، تتضح شبكة من العلامات المتساندة:

الحدبة: اعوجاج الداخل، أو العلامة المرئية للخلل المستتر.

المرآة: الرؤية والكشف ومساءلة الذات.

الظهر: موضع ما لا يراه الإنسان في نفسه.

العين: أداة الإدراك وحدوده.

صاحب المرايا: وسيط المعرفة والكشف.

مجلس الأحداب: انتقال الانحراف من الفرد إلى البنية الاجتماعية.

سالم: الكتابة بوصفها مرآة ثانية للواقع.

كتاب الجد: الذاكرة الأخلاقية واستمرار السؤال عبر الأجيال.

الرحيل: الانتقال من الصراع الخارجي إلى البحث عن السكينة.

القبور: استحضار الموت وإعادة ترتيب معنى الحياة.

الوصية: انتقال الأمانة من صاحب التجربة إلى قارئها.

الكتاب المنشور: انتقال التجربة من الذاكرة الفردية إلى الوعي الجمعي.

البيت: استمرار الأثر داخل الأسرة.

دكان المرايا: إعادة إنتاج السؤال في كل إنسان.

وبذلك لا تعمل العلامات منفردة، وانما تتآزر لتكوين بنية سيميائية واحدة مركزها: الرؤية، والاعوجاج، والوعي، ومساءلة الذات، واستمرار الأثر.

من الحدبة إلى الكتاب، الحركة العميقة للرواية

يمكن اختزال الحركة الدلالية الكبرى للرواية في انتقالات متتابعة:

الجسد ← العلامة ← المرآة ← الرؤية ← الوعي ← الشك في الذات ← الكتاب ← الموت ← الأثر.

فالحدبة تبدأ بوصفها انحناءة جسدية، ثم تتحول إلى علامة أخلاقية، ثم تصبح المرآة وسيلة لكشفها، ثم يتحول الكشف إلى أزمة وعي، وتنتقل الأزمة من عبد الرحمن إلى سالم، ومن سالم إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ.وهنا تكمن وحدة المشروع الرمزي للرواية إذ لا ينتهي الرمز عند اكتشاف "الحدبات"، بل يصل إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يفعل الإنسان بما اكتشفه؟ومن ثم فإن الاستقامة في الرواية لا تبدو حالة مكتملة، وإنما ممارسة يومية مرتبطة بالاختيار والمراجعة والقدرة على الاعتراف….

وعليه، تكشف " أحدب بغداد" في بنيتها الكلية عن مشروع روائي يجعل من الحدبة مركزاً لشبكة رمزية تتجاوز الجسد إلى الأخلاق والوعي والذاكرة. فالحدبة ليست موضوع الرواية النهائي، وإنما أداة لإعادة صياغة السؤال القديم حول الإنسان: من المستقيم؟ ومن المنحني؟ وهل تستطيع العين أن تكشف حقيقة الروح؟

وتتضافر المرآة مع الحدبة في بناء هذا السؤال؛ فالمرآة تكشف ما يستتر خلف المظهر، والحدبة تمنح المستتر شكلاً مرئياً، بينما يتحول عبد الرحمن من شخص ينظر إلى العالم إلى ذات تكتشف أن الرؤية نفسها مسؤولية أخلاقية. ثم تتسع الدائرة: من عبد الرحمن إلى سالم، ومن المرآة إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ، ومن القارئ إلى الذات. ولذلك لا تكون نهاية الرواية مجرد نهاية لحياة الشخصية، وإنما اكتمالاً لدورة الرمز فالكتاب يبقى، والمرآة تستمر، والبيت يحتفظ بالأثر، والمدينة تواصل اختبارها.

ومن هذه الزاوية يمكن الإفادة من تصور جورج لوكاش للرواية الحديثة بوصفها شكلاً يتولد حين لا تكون كلية المعنى في العالم معطاة بصورة مكتملة، بل تصبح موضع بحث وتجربة. وقد وصف لوكاش الرواية بأنها " ملحمة عالم هجره الله" في سياق تصوره للعالم الروائي الحديث بوصفه عالماً أصبحت فيه دلالة الحياة مشكلة تحتاج إلى البحث عنها. ولا يعني استحضار هذا التصور مطابقة عالم "أحدب بغداد" لعالم لوكاش التاريخي والفلسفي، وإنما يضيء جانباً من بنيتها: فالقيم في الرواية معلنة، لكن تحققها في السلوك يظل موضع اختبار، ولذلك تبحث الشخصية عن علامة تكشف المسافة بين ما يقوله الإنسان وما يكونه فعلاً. وتؤدي المرآة وظيفة الكشف، فيما تمنح الحدبة ذلك الانفصال صورة حسية قابلة للرؤية.

وفي ضوء تصور ريكور، يمكن القول إن الحدبة في الرواية لا تستنفد معناها في الإحالة إلى الانحراف الأخلاقي فهي "تفضي إلى الفكر" وتفتح أسئلة تتجاوز دلالتها الأولى نحو الوعي والضمير وعلاقة الإنسان بالآخر وبذاته.وعليه، فإن الحركة العميقة في الرواية ليست من الاستقامة إلى الانحناء، بل من رؤية الآخر إلى رؤية الذات ومن الاعتقاد بأن الحدبة تخص الآخرين إلى إدراك أن الإنسان مطالب دائما بأن يراقب ظهره هو أيضاً. ولهذا تصبح العبارة الختامية التي تختزل مشروع الرواية:

" هل تستطيع أن ترى حدباتنا قبل أن نعتادها؟"

سؤالاً لا يخص عبد الرحمن وحده، ولا شخصيات الرواية وحدها، بل يظل موجهاً إلى فعل القراءة نفسه. فالقارئ الذي يرى حدبة الآخر ولا يعود إلى نفسه لم يكتمل تأويله بعد.

وهكذا تنتهي رحلة عبد الرحمن، لكن السؤال لا ينتهي لأن الحدبة انتقلت من الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ، ومن القارئ إلى ذاته.

وهنا تبلغ الرواية ذروة دائرتها الرمزية: يموت الأحدب، لكن المرآة تبقى، يغيب صاحبها، لكن السؤال يستمر…..

***

د. فاطمة عبد الله

 

في المثقف اليوم