"منزل اﻷموات".. يبعث بين اﻷحياء
"منزل اﻷموات" لدستويفسكي رواية تنتمي إلى سرديات القرن التاسع عشر، وحين خرجت من تجربة شخصية للكاتب عن عالم يعيش فيه المحكومين تحت سلطة العقوبة والعمل القسري في سيبيريا. لامست موضوعا عاما جعل من الرواية قابلة للقراءة على أكثر من سياق وخارج نطاقها الروسي والتاريخي، حتى أنها مازالت إلى اليوم تقرأ بوصفها نصا مبكرا في نقد المؤسسة العقابية، والحدود الفاصلة بين العقوبة واﻹصلاح. السؤال الذي اتجهت إليه الدراسات اﻷخيرة حول الرواية: ماذا تكشف الرواية عن المجتمع الذي قد يساهم في صناعة المجرم من خلال مؤسساته العقابية ؟، عودة الاهتمام بالرواية دفعها إلى مناطق أخرى، بعد أن كانت تقرأ طويلا بوصفها شهادة أدبية على تجربة كتبها ديستويفسكي السجين داخل السجن. وإذا كان دستويفسكي لا يلغي مسؤولية الجريمة، فأنه يرفض أن تستغرق الجريمة حياة اﻹنسان بالكامل.. الفرق هنا بين من أرتكب الجريمة، ومن وصم باﻹجرام ولا شيء يمكن معرفته عنه سواه. في "منزل اﻷموات" يقاوم دستويفسكي هذا الاختزال. فالسجين القاتل يمكن أيضا أن يضحك، ويحب، ويغضب، ويتصرف بشرف، ويمارس لعبة، أو يبحث عن مساحة ولو صغيرة من الحرية. اﻹنسان فيه لا يختفي تماما بعد الحكم عليه. وهذا ما جعل دستويفسكي لا يرى السجناء مخلوقات شريرة يجب أن يوضعوا في دائرة واحدة، ويأمنهم المجتمع بهذا العقاب الصارم المفروض عليهم، وينسى أنهم بشر لهم ذكرياتهم، ورغباتهم، ويعيشون التناقضات نفسها. من هنا يكون السجن موضوعا له صلة بالمجتمع كمؤسسة إصلاحية لا أن يصبح مؤسسة أقوى من الفرد تحدد صورته عن نفسه، عبر نظام كامل من اﻷوامر، والعقوبات، والعمل، والمراقبة، واﻷذلال، لذلك فأن الحرية ليست التحرر من الجدران بقدر ما هي احتفاظ اﻹنسان بجزء من ذاته داخل السجن. والتفاصيل التي قد تبدو هامشية في الرواية، المزاح، الشراب، العلاقات بين السجناء، ومناوشات التمرد البسيطة، كلها محاولات ﻹستعادة شيء من الذات.، ليس كل ما يفعله السجين هروبا من الواقع أحيانا يكون محاولة ﻷثبات أنه مازال إنسانا. في الدراسات الحديثة عن الرواية تظهر واحدة من أهم النقاط إثارة. كان من السهل أن نقرأ الرواية بوصفها تحول روحي. رجل يدخل بيت اﻷموات، ويعيش الجحيم ثم يخرج منه إنسانا جديدا، لكن دراسة لرودريغو بيدرسو تقترح قراءة أكثر تعقيدا لشخصية الكسندر بتروفتش، ومعاناته ليس وجوده داخل السجن، إنما المشكلة في الذاكرة نفسها التي لا تسعفه إلى الطريق الطبيعي للخلاص، حين نتحدث عن الجمود الزمني، والجمود العاطفي، وانفصال الراوي عن التجربة الجسدية، وهنا يتغير شيء جوهري في فهم الرواية. وتنفى فكرة التطهير ربما كان دستويفسكي أكثر تشاؤما في السجن يعرف اﻷثر الذي يمكن أن يتركه لهذا لا ينسى بعد الخروج منه، واﻷكثر من ذلك أن دستويفسكي لم يكتف بتسجيل تجربته كسيرة ذاتية بل أعاد تشكيل حياته بصنع شخصية، وسيطة هي الكسندر بيتروفتش تمر عبر راو بأكثر من مستوى للسرد، وأكثر من وظيفة للراوي. يقترح "زاخاروف" قراءة شديدة اﻷهمية للرواية من خلال "الكوميديا اﻹلهية" لدانتي السجن يصبح نوع من الجحيم الشخصي، بينما يتحول الخروج منه إلى بداية حياة أخرى، لكن ما يلاحظ هنا أن بتروفتش لا يمر بسهولة من الجحيم إلى الفردوس، ويظل ما سيحدث بابا مفتوحا على المستقبل. بيت اﻷموات ليس مكانا يعيش فيه الموتى إنما مكان يعامل فيه اﻷحياء، كما لو أنهم خرجوا من عالم اﻹنسان. تظهر دراسة "زاخاروف" أن مشاهد المرض والعلاج تؤدي وظيفة بنائية وفكرية، فالجسد المريض، والجسد المعاقب،كلاهما في حالة تقاطع، يتحول السجين فيهما إلى مساحة تمارس عليها السلطة، العنف، العمل، المرض، المستشفى، التعب، الطعام، النوم، النظافة، من خلالها يفقد اﻹنسان السيطرة على أبسط شروط وجوده. من جهة أخرى تشير دراسة "ياشا كلوتس" إلى أن "بيت اﻷموات" نقطة مرجعية أساسية لكثير من كتاب "الغولاغ" وتأثيرها الهائل في أدب السجون. الكثير من الروايات التي كتبت لاحقا عادت إليها باعتبارها النموذج. وهنا ينبغي الحذر من تجربة دستويفسكي بتجربة الغولاغ، الفارق التاريخي واﻷخلاقي، وقد أشار " زاخاروف" إلى "كوليما" بيت اﻷموات كانت تجربة إبادة مختلفة في طبيعتها، ورغم ذلك بقيت "بيت اﻷموات" على وجودها بوصفها أصلا أدبيا لسرديات السجن. الجديد اﻷهم أن النقد المعاصر يعيد وضع الرواية داخل أسئلة مؤسساتية بالنسبة لتحديد الجريمة، ووظيفة العقوبة، هل السجن يصلح اﻹنسان،أم يعيد إنتاج العنف، وهل يمكن للنظام العقابي أن يفصل بين فعل اﻹنسان وهويته ؟ بمعنى أن يعاقبه دون أن ينزع عنه إنسانيته؟. و المفارقة الكبرى أن الرواية تبحث عن بقاء شيء حي تحت الموت. السجين الذي يضحك، والممثل الذي يؤدي دورا على مسرح السجن، والسجين الذي يحتفظ بلزمة صغيرة تعود عليها، حتى يتذكر حياته السابقة، ومن يتطلع ليوم الخروج، كل هؤلاء يؤكدون أن السلطة قد تحاصر الجسد، ولكنها لا تستطيع وضع حدا للحياة الداخلية. في قراءة الجديدة يصبح دستويفسكي قريبا من أسئلة علم اﻹجرام النقدي، والكسندر بتروفتش شخصية أكثر ألتباسا من كونه شخصية في رواية، وهو سبب جديد لعودتها لدائرة النقد المعاصر.. ربما خلاصة ما نصل إليه بعد كل ذلك من هذ اﻷثر العظيم. ماذا يفعل اﻹنسان في السجن، وكيف تنحت اﻷربعة جدران في جسده من العلامات ما تظل تلاحقه طوال عمره، عند هذه النقطة تستعيد "منزل اﻷموات" قوتها بعد أكثر من نصف قرن تقريبا، رواية يمكن أن ندخلها من أبواب، علم النفس، ونقد العقوبة، ودراسة السلطة، ربما هذا سرها العلني، أن نرى ذلك اﻹنسان خلف الاسم والحكم والجريمة، اﻹنسان الذي لم يمت بعد. وهى رحلة تبدو عكسية من الأجرام إلى اﻹنسانية.
"بيت اﻷموات"
يعامل فيه اﻷحياء
كما لو أنهم خرجوا
عن عالم اﻹنسان.
***
عبد الحكيم كشاد








