في مئوية رواد الحداثة الشعرية العربية، لا يبدو استحضار عبد الوهاب البياتي مجرد احتفاء بذكرى شاعر كبير، بل هو عودة إلى لحظة تأسيسية أعادت ترتيب العلاقة بين القصيدة والوجود، وبين الذات والآخر، وبين التاريخ والأسطورة، وبين المنفى والمكان. فالبياتي لم يكن شاعراً يكتفي بتحديث شكل القصيدة، وإنما كان يغامر بتغيير موقع الذات الشعرية داخل العالم، بحيث تغدو القصيدة فضاءً بينياً لا تستقر فيه الأشياء على حدودها، ولا تبقى الذات سجناً مغلقاً على أحزانها، بل تتشكل في تماسها الدائم مع الآخر، ومع التاريخ، ومع الأسطورة، ومع الموت.
ومن هنا يمكن قراءة شعر البياتي بوصفه انتقالًا من الحداثة إلى أفق يتجاوزها؛ أفق لا يعود فيه المجاز مجرد أداة بلاغية لتجميل المعنى، وإنما يتحول إلى طريقة في رؤية الوجود نفسه. فالمجاز عنده لا يكتفي بأن ينقل الشيء من دلالته المباشرة إلى دلالة أخرى، بل يفتح بين الدلالتين منطقة ثالثة، منطقة معلقة بين الواقع والحلم، بين الحضور والغياب، بين الموت والولادة. إنها المنطقة التي يمكن تسميتها الصورة البينية؛ حيث لا يعود الشاعر أمام عالم مكتمل، بل أمام عالم يتخلق باستمرار.
البياتي، بهذا المعنى، شاعر يرى الحياة في حركتها لا في سكونها، ويرى الذات في علاقتها بالآخر لا في عزلتها. فالـ«أنا» الشعرية عنده ليست جزيرة مكتفية بذاتها، وإنما كائن يعبر إلى الآخرين ويستعير أصواتهم وأقنعتهم ومصائرهم، ثم يعود منها أكثر اتساعاً وأشد التباسًاً. ولذلك لم يكن استدعاء الشخصيات التاريخية والصوفية والأسطورية في شعره ضرباً من الزينة الثقافية، بل كان جزءاً من مشروع شعري يعيد من خلاله اختراع الذات.
ولعل الحلاج واحد من أكثر النماذج دلالة على هذه الآلية. فحين يعبر البياتي من الحلاج إلى بغداد، فإنه لا يستحضر شخصية صوفية من الماضي لكي يروي سيرتها، وإنما يستنطق مأساة الحلاج داخل زمن آخر، ويجعل من الصوفي القديم مرآةً لأسئلة الشاعر الحديث: الاغتراب، والاضطهاد، والحرية، والموت، والمنفى، والرغبة في تجاوز الواقع. هنا تتحول شخصية الحلاج من تاريخ شخصي إلى وجود عابر، ومن قناع إلى إنابة؛ أي إن الشاعر لا يختبئ خلف الشخصية بقدر ما يدخل فيها، ويجعلها شريكًا في إنتاج صوته الشعري.
وهذه النقطة تحديداً تفتح باباً مهماً لفهم تجربة البياتي: قصائده ليست سيرة ذاتية مباشرة، وإن كانت مشبعة بسيرة الذات. إنه لا يقول «أنا» لكي يحكي نفسه، بل يصنع «أنا» شعرية تتعدد داخلها الأصوات والمصائر. الحلاج، وبغداد، والمنفى، والأسطورة، والموت، والحب، والأصدقاء، والأمكنة ليست موضوعات منفصلة، وإنما مرايا متقابلة تتشكل الذات في انعكاساتها.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الإنابة في شعره. فالبياتي ينتقل من القناع إلى ما هو أعمق من القناع. القناع يخفي وجهاً خلف وجه، أما الإنابة فتسمح للوجهين بأن يتداخلا. يصبح الشاعر والحلاج، أو الشاعر والأسطورة، أو الشاعر والمنفي، كائناً شعرياً واحداً متعدد الأصوات. وبذلك تتحول الشخصية المستعادة من «آخر» إلى «أنا محتملة»، ومن موضوع شعري إلى شريك في صناعة الذات.
وليس غريباً أن تتجاور في شعر البياتي بغداد الواقعية وبغداد الأخرى؛ بغداد المدينة والتاريخ والذاكرة، وبغداد التي تتشكل في المخيلة بوصفها فضاءً صوفياً بديلاً. فالمكان عنده لا يظل جغرافيا محايدة، بل يتحول إلى كائن دلالي. وقد تتحول المدينة الواقعية إلى ديستوبيا، وإلى فضاء يختزل مدن الطاغوت والقمع والمنفى، في مقابل جغرافيا أخرى تنفتح على الروح والحلم والخلاص.
إنها ثنائية المكان الظاهر والمكان الباطن؛ مدينة تُرى بالعين، ومدينة لا تُرى إلا بالشعر.
وهنا يكتسب التصوف في تجربة البياتي وظيفة تتجاوز الاستعادة التراثية. فالتصوف ليس ماضياً يعود إليه الشاعر هرباً من الحاضر، وإنما هو طاقة تأويلية تسمح له بإعادة بناء الحاضر. ولذلك فإن تجربة الحلاج، مثلًا، لا تنتمي إلى زمنها وحده؛ إنها تعبر الأزمنة، لأنها تحمل سؤال الإنسان أمام السلطة، وسؤال الحرية أمام القمع، وسؤال الروح أمام الجسد، وسؤال الوجود أمام العدم.
ومن العدم نفسه يولد الوجود في شعر البياتي. فالموت عنده ليس نهاية مغلقة، وإنما عتبة تحول. إن الذات التي تعبر الموت لا تختفي بالضرورة، بل قد تولد من جديد في اللغة، وفي الأسطورة، وفي الذاكرة. لذلك يمكن القول إن البياتي يكتب الموت بوصفه طريقاً إلى ولادة أخرى، ويجعل القصيدة مختبراً لهذا التحول. إن ما يموت في الواقع قد يستعيد حياته في الشعر، وما ينتهي تاريخياً يمكن أن يبدأ رمزياً.
وهنا تتجلى واحدة من أكثر خصائص تجربته رسوخاً: استدامة التكوين الشعري. فالبياتي لم يكن مجرد مرحلة في تاريخ الشعر العربي الحديث، وإنما كان مشروعاً شعرياً مفتوحاً على التحول. ولذلك فإن الحديث عن ريادته لا ينبغي أن يُختزل في أسبقيته الزمنية. فالولادة في سنة واحدة لا تصنع جيلاً؛ الذي يصنع الجيل هو تضافر الشعر والمؤثرات والتحولات والرؤى والمنهج الجمالي الذي يجد فيه شعراء لاحقون إمكانًا لمواصلة الطريق.
ومن هذه الزاوية، تصبح مئوية الرواد مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم «الجيل» نفسه. فـالسياب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة لا يجتمعون فقط لأنهم ينتمون إلى حقبة زمنية متقاربة، بل لأنهم كانوا جزءاً من حركة تاريخية وجمالية كبرى أخذت القصيدة العربية من نظامها القديم إلى فضاء أكثر انفتاحاً على التجربة الحديثة.
غير أن البياتي، في خصوصية تجربته، دفع هذا التحول باتجاه آخر؛ باتجاه اللغة التي لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد إنتاجه، وباتجاه الصورة التي لا تكتفي بتجميل الواقع، وإنما تعيد تركيب علاقاته. ولهذا تبدو قصيدته، في كثير من لحظاتها، وكأنها تتجاوز سؤال كيف نكتب القصيدة الحديثة؟ إلى سؤال أكثر جذرية: كيف يمكن للشعر أن يعيد اختراع الوجود؟
وهذا ما يجعل أثره ممتداً إلى أجيال لاحقة. فحداثته ليست مجرد كسر للوزن أو تحديث للصورة، وإنما تغيير في موقع الشاعر من العالم. لقد انتقلت القصيدة معه من كونها خطابًا عن الأشياء إلى كونها فضاءً تتغير فيه الأشياء والذات معاً.
إن النسغ الحقيقي لتجربة البياتي لا يكمن في شعارات الحداثة، بل في قدرتها على التحول من الداخل. اللغة نفسها تتبدل، والصورة تتشظى، والزمن يتداخل، والأسطورة تستيقظ من نومها، والمكان يفقد ثباته، والشاعر لا يعود سيد النص الوحيد، بل يدخل في حوار مع أصوات أخرى، بعضها تاريخي وبعضها أسطوري وبعضها صوفي وبعضها متخيل.
لهذا تبدو تجربة البياتي أقرب إلى جغرافيا شعرية متعددة الطبقات: بغداد في مقابل المنفى، الحلاج في مقابل الشاعر، الموت في مقابل الولادة، التاريخ في مقابل الأسطورة، والذات في مقابل الآخر. وكل ثنائية منها لا تنتهي إلى طرف، بل تخلق منطقة ثالثة هي منطقة الشعر.
وهنا تكمن قيمة «البينية» في شعره: إنها ليست حالة وسطية أو تردداً بين موقفين، وإنما طاقة خلق. فالبياتي لا يقف بين الواقع والحلم لأنه عاجز عن اختيار أحدهما، بل لأنه يرى أن الحقيقة الشعرية لا تولد إلا من تفاعلهما. ولا يقف بين الذات والآخر لأنه فقد صوته، بل لأنه اكتشف أن الذات نفسها لا تكتمل إلا عندما تعبر حدودها.
لذلك يمكن النظر إلى البياتي بوصفه شاعر العبور: يعبر من الحداثة إلى ما بعدها، ومن القناع إلى الإنابة، ومن التاريخ إلى الأسطورة، ومن بغداد الواقعية إلى بغداد المتخيلة، ومن الموت إلى الولادة، ومن الذات المفردة إلى الذات المتعددة.
وإذا كانت مئوية الرواد تستعيد أسماءهم بوصفهم آباءً للحداثة العربية، فإن القيمة الأعمق لهذه العودة ليست الاحتفاء بالماضي، بل اكتشاف ما بقي حيًا من أسئلتهم في حاضرنا. فالشاعر الكبير لا يعيش في التقويم وحده؛ يعيش في الأسئلة التي لم تنتهِ قصيدته من طرحها.
والبياتي، في هذا المعنى، لم يترك لنا قصيدة مكتملة بقدر ما ترك ممراً مفتوحاً؛ ممراً تعبره الأجيال، وكلما ظننا أننا بلغنا نهايته اكتشفنا أن القصيدة ما تزال هناك، في الجهة الأخرى من المجاز، حيث تتحول الذات إلى آخر، والموت إلى بداية، والمدينة إلى حلم، واللغة إلى وطن مؤقت للكائن الذي لا يكف عن البحث عن وجوده.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








