عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاطمة التميمي: الدلالات الفلسفية والنفسية لشخصية "المجنون"

في رواية البتران للأديب حيدر الأسدي

تمثل رواية (البتران) الصادرة مؤخرًا عن دار الخنساء للطباعة والنشر الشكل السردي ما بعد الحداثوي من حيث البناء والدلالات النفسية والفلسفية وتشكلات الشخصية الروائية بحيث صاغ مؤلفها المبدع الكاتب والاكاديمي (د. حيدر علي الاسدي) شخصياته بما يتسق ونسقية المضمرات البيئية والايدلوجية لحمولات الشخصية السردية وواقع موضوعية الروائية الحدث والثيمة والابعاد الدلالية فحضرت شخصية المجنون من خلال الحوارات الفلسفية والتداعيات والحكم والمقولات البلاغية التي تمتاز بالاقتصاد اللغوي والتعليق على الاحداث بصورة رمزية وبلاغية دالة مما حفز الابعاد الدلالية في مشهديات الرواية منذ البداية وحتى النهاية. فالمجنون في هذا المبني السرد يقول ما لا تقوله الشخصيات الأخرى ويمكن ان يعلق بالمضمرات الايدلوجية والمشاعر المخبوءة فهو يجيء بحوارات تكسر حدة النمطية والتقليدية سواء بالفكرة او حتى سياق الحوار السردي ما بعد الحداثي للتعليق على واقعية الشخصيات وعلاقاتها مع بعضها البعض.

فشخصية المجنون هنا تغاير من مستوى الطرح وخطية السرد الرتابوي عبر خطابات مغايرة تعظم من الرمزية وتعمق من الدلالات النفسية للالم والمعاناة لان التعقل في عالم فوضوي ولا معقول هو تيه من نوع خاص والجنون هو الواقع لان هذا الواقع البيئي المفروض في رواية البتران كان واقعًا اليمًا على كل الشخصيات وتشعر احيانا ان الشخصيات المجنونة هي من كانت تقول الحقيقة وحدها بجملها الحوارية فما كان مخبوء مخفي كانت الشخصيات المعتوهة او المجنونة هي التي تكشف عنه (عنا ذات الحقيقة وارهاصاتها) فالمجنون والمجانين هنا يحملون مجازات لغوية ودلالية وصور وتشبيهات بليغة دالة تحاول ان تقدم رؤية رمزية لهذا العالم (عالم البتران وما يحيط بهما) ان المجانين وان كانت محكياتهم قصيرة مقتصدة الا انها كانت معبرة عن تفكيك الانساق المرجعية التي تحيل لما يجري خارج البنية السردية لنسقية مجتمعية ابعد من حيث المعاني فانك تشعر ان هؤلاء المجانين يرتدون اقنعة الفلسفة والمفارقة لتفسير منظومة العلاقات المشتبكة والتناقض الحياتي والمجتمعي والسلطوي في هذه الرواية. فان الجنون لم يكن عوقًا ذهنيا في رواية البتران بل قناعًا فاعلا للحقيقة وناقلًا كاشفا عن تمزق الذات والهوية والعقل، فالمجنون هنا هو الناطق (بالمضمرات) والمسكوت عنه ونقد وتحريض على بنى واقعية متناقضة في متن الحكاية، فهو يسعى لتقويض ما هو منطقي في الخطاب السرد لربط ما يجري من فوضى وتناقض بهذا الجنون كمنطلق خطي وفكري ليتحول الى افق وجودي واجابة على تساؤلات محيرة تكشف عن ذاتية التمرد على هذا الواقع المضمخ بالتناقضات واللا منطقية، والمجنون في هذه الرواية يكسر حدة الزمانية في حواراته وتنقلاته وابعاده الدلالية الفكرية اذ يتمثل خطاب الجنون واشتغالاته على استنطاق الذات ورؤيتها للواقع وبخاصة ما يتعلق بالذاكرة المتعبة من الحرب والالم فالمجنون يقدم الافكار المكثفة في رواية البتران ورمزية دالة للذات وتحطمها ومواجهتها للواقع المتناقض فضلا عن الاقتصاد اللغوي المقتضب للافعال المكثفة والتعليقات الموحية والمفضية الى معان تخدم البنية السردية، وكما يقول ميشيل فوكو بان المجنون ليس مريضا نفسيا بل هو رجل حكيم وفيلسوف يكشف بلسانه عيوب السلطة واختلالات المجتمع وازمة القيم وهذا ما فعله مجانين رواية البتران لحيدر الاسدي فتحول الجنون قناعا لقول الحقيقية في رواية البتران. ان شخصيات المجانين وبخاصة اجسادهم وجملهم الثقافية كانت تمثل انساقًا ثقافية تحمل دلالات بلاغية في جميع الجوانب السيمولوجية فالجنون يمثل العقل الحر بالاستناد الى فكرة ميشيل فوكو وهو ما تمثل في المجانين في هذه الرواية، فالجنون في رواية البتران هو (جنون نقدي) بتعبير فوكو يؤسس لمعرفة تتجاوز الراهنية بحمولاتها الواقعية. فقد جاء في رواية البتران (ذلك المجنون الذي يبدو انه ليس مجنونًا بالمعنى الدقيق لان الروايات كانت تحوم حوله هو الاخر قيل انه فعل ذلك للتهرب من الخدمة العسكرية والجبهة وقيل ان حبيبتهُ هجرتهُ فاصبح مجنونًا وهناك رواية ثالثة قالت عنه انه تلقى ضربة موجعة على رأسه من أحد الرفاق في مدينته بعد ان رفض الاشتراك في مسيرة جماهيرية مؤيدة لقائدهم الأوحد!. أجو… اجو، اجوكم، راح يجونكم. كانت عبارة المعتوه هذه كفيلةً بإدخال الرعب في قلوب جميع سكان البتران ولم يتجرأ أحدٌ يومًا على أن يسأله عمّن هم الذين سيأتون!) فهذا المجنون تحول الى بؤرة تحذير الى أهالي القرية وفي الوقت ذاته كان موضعًا للتفسيرات والتأويلات وعلى لسانه الإدانة للدكتاتورية، وعن المجنون الثاني تذكر رواية البتران: (ما زلت أتذكر ان المجنون صديقي أضيف له اخر من مدينتي عماد! قلت لأحدى أخواتي ما قصته؟  - ماتت أمه بيده وبين أحضانه! فقد عقله بالحال لم ينبس ببنت شفة الا بعد شهرين.. في سني الحرب الأولى كان هذا يهوى اقتناء ساعات الموتى. تجمد عقله يوم رحلت أمه، انفرطت الحكمة فيه كما تنفرط حبات المسبحة، كان يجلس يوميا على عتبة داره القديمة ويرتدي معطفًا شتائيًا في قيظ الصيف، وفي عينيه ثمة حكاية مفجعة عن رحيل امه، وكأن كلما سألهُ صبية القرية عن جدوى انتظاره الذي لا طائل منه كان يقول بعينين دامعتين وكلمات متعثرة: راح تجي أمي من السوك وتجيبلي حاجة، حاجة، هي كالت انتظرني. توقف الزمن لديه تمامًا وسجل الحساب هو الاخر أغلق على اخر صفحات سيرته يقول بعض الرجال في المدينة انه ادعى الجنون هربا من الحرب) ما بين الامل المعقود في ذات هذا المجنون وهو يمثل الامل بالفرج وانتظار الخلاص من النظام الدكتاتوري المتمثل (بسخرية الأطفال والواقع) من ذات المجنون هذا وهيئته، وما بين عدم تحمله للواقع (الواقع المميت) والحزين والسوداوي بحيث انفصل عنه ما ان اصطدم بموت امه رغم ان الحرب قد انهت العديد من أبناء قريته وأبناء شعبه الا ان السلطة العسكرتارية مازالت تستنزف البقية دون تعقل وبصورة مجنونة! وهي مفارقة ناقدة وناقمة في الوقت ذاته. وكذلك ذلك المجنون الذي بكى على حيوانه بحسرة (ذات يوم ربيعي توغل خروفه بالحقل البري وكان يهرول وراءه بهستيريا أتذكر فقط كيف جاء بذلك الخروف في طست مملوء من لحمه المتشظي... أتذكر انه بكى عليه اسبوعًا كاملًا فقد كان يعتقد ان هذا الخروف جزءُ من عائلته وحينما كنا نضحك لغرابة الموقف أمطرنا بسيل من الكلمات القاسية والفشار بعدها ضاع صوته في فمه وأبتلع صرخته، الدموع تلمع في عينيه، مع دوي كل انفجار تدوي افكار مضطربة في البتران،الناس في البتران يصرخون حينما يحدث الانفجار لكن ذلك المجنون كان يضحك بهستيريا وتختلط الهستيريا بكلماته المتطايرة من فمه: مات مات مات مات واحدُ جديدُ) الضحك الهستيري هنا محاولة الانفصال عن الواقع الكئيب والمظلم وبكاءه على الحيوان الذي تعايش معه هو الفة من نوع خاص وعاطفة إنسانية بدت مفقودة في سنوات الحرب آنذاك في لحظة تشكل الحدث السردي وجريان الاحداث وتناميها وفقدان الكثير من الجوانب العاطفية والشعور الإنساني برز هذا البكاء لادانة هذا الجمود الإنساني بطريقة عاطفية ناقدة وناقمة على تكلس الشعور الإنساني وصلابة البشر إزاء الموت المجاني الذي يحصل في بلدهم ومدينتهم. ويجي بحوار اخر (يقول هذا المجنون وحده النهر لم يخف من الحرب او الانفجارات كان دوما ما يطرح سؤالًا ساخرًا: ان كنتم تحمون الأوطان فمن سيحميكم أنتم الجنود؟) في هذا المشهد الحواري يحيل المجنون الى ديمومة الحياة من خلال رمزية النهر النابض بالحياة والاستمرارية والعطاء وفي الوقت ذاته يطرح تساؤلا يمثل فكرة ترك الجنود دون غطاء ودون حماية وهو سؤال تحريضي للجنود الذين يقاتلون من اجل السلطة ولن يجدوا إزاء هذه التضحية أي مقابل يستحق الموت من اجله! ويكمل الاسدي فلسفته عبر شخصياته المعتوهة وهذه المرة عبر المسطور الاتي: (اخذت احدث نفسي بما قاله ذلك المجنون حينما سالته لماذا أنت بهذا العمر ودون أولاد: أخاف أن أنجب المزيد من الموتى والحطب للحروب المقبلة!

وهذا المجنون الذي كنا نسميه بالفيلسوف الذي اجنه الحب كان كلما مات احدهم في انفجار لغم: - هم أبناء الارض منها واليها يعودون. كان يقول لي بسخرية مفرطة والحروف تتطاير من فمه بصورة بطيئة وناقمة: ان ثمة سؤالًا واحدًا يتردد في رأسي كيف يعانق المبتورون أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم؟) انه يخشى ان ينجب الأولاد لئلا يساقون الى الجبهة ويموتون انه عقم من اجل الحياة فلسفة ودلالة حكيمة وبليغة بان ولادة المزيد من الأموات ما هو الا انتحار بمعنى اخر وادامة لوقود الحرب بمعنى اخر ليتم المعنى بصورة دلالية بليغة تتمثل بعودة الانسان الى الأرض التي هو منها واليها عبر جملته هم أبناء الأرض! وهي تنطوي على دلالة وجودية تتمثل بكون الانسان خلق من تراب، والأخرى تتمثل بفلسفة واقعية توحي الى الانتماء الى الأرض (ارض الوطن) ولا يمكن اغفال شخصية ذلك المعتوه صديق (عبد الله الصحفي) في بداية الرواية (الفصل الأول) وهي ظهر بموضع الجرأة والادانة والتحريض ضد الحرب (كل مسببات الحرب تحت نعلي الممزق هذا) هكذا بقي يردد المعتوه في الأزقة والأحياء منذ فقده لصديقه الوحيد ..وكان بين لحظة وأخرى يصرخ -الحرب وحش طنطل شبح جوعان  ابتلع عبد الله (ومصمص أعظامه) هي ادانة بطريقة ساخرة للحرب وصناعها وكذلك رغبته بالذهاب الى الجبهة هو ادانة كبرى لان من يذهب للجبهة هناك هو المصاب بالجنون وليس العكس، تمثلت شخصية الأخير بصورة ساخرة من سلطة الحرب وصناعها والدافعية النفسية للمجابهة والمواجهة للحرب وصناعها بعد محاولة الخروج من مكانية الخرابة الى فضاء الحرب المرعب المتمثل بتخوم الجبهة. ان الدكتور حيدر علي الاسدي في رواية البتران ينتصر لعقل المجنون ويدين جنون العقلاء بطريقة فلسفية دالة ومعبرة لإدانة الواقع المتناقض والحرب والموت المجاني وكل المظاهر السلبية التي رافقت حكايته المميزة عن قرية البتران والتي لم تكن تحكي عن قرية وحسب بل عن معاناة بلد عاش مرارة الحروب ونتائجها لسنوات ومازال. 

***

د. فاطمة هادي التميمي

 

في المثقف اليوم