عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: القصيدة العربية بين العمود والتفعيلة والنثر

لم يكن الشعر العربي، في مسيرته الطويلة، شكلاً واحداً جامداً، ولا قالباً مغلقاً استنفد إمكاناته ثم انصرف إلى غيره؛ بل كان، في كل مرحلة من مراحله، يعيد اكتشاف العلاقة بين اللغة والإيقاع، وبين التجربة والصورة، وبين ما تقوله القصيدة وما تتركه في أذن المتلقي وروحه. ومن هنا فإن الانتقال من القصيدة العمودية إلى قصيدة التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه سلّماً تتعاقب عليه الأشكال من القديم إلى الحديث، ولا بوصفه صراعاً بين شعر «قديم» وشعر «جديد»، وإنما بوصفه تحولات متعاقبة في مفهوم الشعر ذاته، وفي الطريقة التي تبحث بها اللغة عن موسيقاها الداخلية.

كانت القصيدة العمودية، منذ تشكل النظام العروضي العربي، تقوم على هندسة دقيقة للبيت الشعري؛ فالبحر يمنح القصيدة إيقاعها، والقافية تمنحها انتظامها السمعي، والبيت يشكل وحدتها الأساسية. وقد استطاعت هذه البنية، عبر قرون طويلة، أن تحمل أغراض الشعر العربي الكبرى: المدح والرثاء والغزل والحكمة والوصف والفخر والهجاء، ثم أن تتسع لاحقاً للتعبير عن التحولات الفكرية والوجدانية والسياسية.

وليس من الإنصاف النظر إلى العمود بوصفه مجرد إرث تقليدي؛ فالوزن ليس قيداً بالضرورة، بل قد يكون أداة من أدوات الخلق. وقد استطاع شعراء كبار أن يجعلوا من الصرامة العروضية مجالاً واسعاً للمناورة الفنية، حتى بدا البيت الشعري أحياناً كأنه فضاء تتصارع داخله الدلالة والصوت والصورة ثم تستقر في توازن بالغ الحساسية.

غير أن التحولات التاريخية والاجتماعية والفكرية التي عرفها العالم العربي في العصر الحديث دفعت الشعراء إلى إعادة النظر في العلاقة بين التجربة والشكل. فالحياة الجديدة لم تعد دائماً قابلة للانتظام في وحدات البيت التقليدي، والتجربة الحديثة أخذت تتشظى، وتتداخل فيها الأزمنة والأصوات والذاكرة والمدينة والحرب والمنفى والاغتراب. ومن هنا جاءت قصيدة التفعيلة بوصفها تحولاً عميقاً في البنية الإيقاعية، لا قطيعة كاملة مع العروض.

فالتفعيلة لم تهدم الوزن، وإنما أعادت توزيع سلطته. انتقلت القصيدة من انتظام البيت إلى مرونة السطر، ولم يعد الشاعر ملزماً بعدد ثابت من التفعيلات في كل بيت، بل صار قادراً على مد السطر أو تقصيره وفق حركة المعنى والنبرة والانفعال. وبذلك أصبح الإيقاع أكثر قابلية للتنفس، من دون أن يفقد صلته بالجذر العروضي.

وهنا تكمن أهمية قصيدة التفعيلة: إنها تقع في منطقة وسطى من حيث البنية، لا بمعنى أنها «مرحلة ناقصة» بين العمود والنثر، وإنما لأنها احتفظت بجوهر الموسيقى العروضية، وفي الوقت نفسه حررت القصيدة من صرامة البيت التقليدي. لقد أصبح السطر الشعري وحدة إيقاعية ودلالية أكثر مرونة، وأصبح للصمت، والبياض، والتقطيع، والتكرار، وتفاوت طول الأسطر، وظيفة في بناء القصيدة.

ثم جاءت قصيدة النثر لتطرح السؤال الأكثر إرباكاً: هل يمكن للشعر أن يوجد من دون الوزن الخليلي؟

وهذا السؤال لا يُجاب عنه بمجرد القول إن قصيدة النثر خالية من الوزن؛ لأن غياب الوزن الخارجي لا يعني بالضرورة غياب الموسيقى. فقصيدة النثر، في تجاربها الجادة، لا تستبدل الوزن بالفراغ، وإنما تبحث عن نظام إيقاعي آخر يتولد من داخل اللغة: من التكرار، والتوازي، والتجاور الصوتي، وتواتر الجمل، وتكثيف الصورة، وحركة الضمائر، وتوتر الدلالة، وتجاوب الكلمات داخل السياق.

وهنا ينتقل مركز الثقل من الإيقاع الخارجي إلى الإيقاع الداخلي. فإذا كان العمود يقول للقصيدة: «لكِ بحرٌ وقافية»، وإذا كانت التفعيلة تقول: «لكِ تفعيلة تتنفس بحرية»، فإن قصيدة النثر تقول: «ابحثي عن موسيقاكِ في اللغة نفسها».

لكن هذه الحرية ليست تصريحاً مفتوحاً للنثر العادي كي يرتدي ثوب الشعر. فليس كل كلام جميل شعراً، وليس كل فقرة مكثفة قصيدة نثر. إن قصيدة النثر الحقيقية تحتاج إلى بنية داخلية تجعل اللغة أكثر من مجرد ناقل للمعنى؛ تحتاج إلى كثافة، وانزياح، وصورة، وإيقاع، وتوتر، واقتصاد لغوي، وعلاقات خفية بين المفردات، بحيث يصبح حذف كلمة واحدة أحياناً قادراً على تغيير البنية كلها.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الأشكال الثلاثة بعيداً عن ثنائية القديم والجديد. فالقصيدة العمودية لا تمثل «الماضي» فحسب، والتفعيلة لا تمثل «الحاضر» بالضرورة، وقصيدة النثر ليست حكماً نهائياً على مستقبل الشعر. إن هذه الأشكال تعيش جنباً إلى جنب، لأن الشعر في جوهره ليس قالباً واحداً، وإنما طاقة قادرة على إعادة تشكيل أدواتها كلما تغيرت التجربة الإنسانية.

العمود يمنح الشاعر نظاماً موسيقياً شديد الانضباط، والتفعيلة تمنحه حرية داخل النظام العروضي، أما قصيدة النثر فتدفعه إلى اكتشاف نظامها الموسيقي من داخل اللغة. ولذلك فإن الفارق الحقيقي بينها ليس في مقدار الحرية وحده، وإنما في مصدر الإيقاع ومفهوم الوحدة الشعرية.

في القصيدة العمودية تكون وحدة البناء الأساسية هي البيت؛ وفي التفعيلة تصبح السطر أو المقطع الشعري أكثر أهمية؛ أما في قصيدة النثر فتتسع الوحدة لتصبح بنية عضوية تتشابك فيها الجملة والصورة والإيقاع والدلالة والبياض.

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الأجدى ليس: أي الأشكال أكثر شعريّة؟ بل: هل استطاع الشاعر أن يجعل الشكل ضرورة فنية لتجربته؟

فقد يكتب شاعر قصيدة عمودية شديدة الحداثة في رؤيتها وصورها، وقد يكتب آخر قصيدة تفعيلة تكرر المألوف دون إضافة، وقد يكتب ثالث نصاً نثرياً مكتظاً بالكلمات لكنه فقير بالشعر. الشكل وحده لا يمنح النص قيمته؛ إنما القيمة تنشأ من قدرة الشاعر على تحويل الشكل إلى طاقة جمالية تتناسب مع تجربته.

ومن هنا ينبغي ألا يتحول الخلاف بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر إلى معركة أجيال أو معركة شرعية شعرية. فالشعر لا يحتاج إلى محكمة تمنح صكوك الاعتراف، بل يحتاج إلى نصوص قادرة على البقاء بعد سقوط الضجيج المحيط بها. وما يبقى في النهاية ليس اسم المدرسة ولا زمن ظهورها، وإنما قوة القصيدة وقدرتها على أن تجعل اللغة ترى العالم بطريقة لم تكن تراه بها من قبل.

إن القصيدة العربية، وهي تنتقل من البيت إلى السطر، ومن السطر إلى فضاء اللغة، لم تفقد موسيقاها؛ لقد غيّرت مكان الموسيقى. وفي كل انتقال كان الشعر يعيد طرح السؤال القديم نفسه بصيغة جديدة: أين تسكن الشعرية؟

ربما كانت الإجابة الأعمق أن الشعرية لا تسكن الوزن وحده، ولا النثر وحده، ولا القافية وحدها؛ إنها تسكن العلاقة الخفية بين اللغة والتجربة. وحين تنجح القصيدة في إقامة هذه العلاقة، يصبح الشكل جسداً حياً للمعنى، لا قيداً عليه ولا زينة خارجية له.

وهكذا تظل القصيدة العمودية والتفعيلة وقصيدة النثر ثلاثة وجوه لمسار شعري واحد: من انتظام الموسيقى في البيت، إلى حرية الموسيقى في السطر، إلى اكتشاف الموسيقى في أعماق اللغة. وليس انتصار شكل على آخر هو ما يصنع مستقبل الشعر، بل قدرة الشاعر على أن يمنح الشكل الذي يختاره روحاً، وأن يجعل قصيدته، أياً كان نظامها، جديرة بأن تُقرأ لا لأنها تنتمي إلى مدرسة، بل لأنها استطاعت أن تصبح شعراً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم