عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد الحكيم كشاد: مركيز.. قراءة جديدة

حين تتزعزع الثقة في السرديات الكبرى فإن استعادة " غبرييل غارسيا مركيز " يصبح ضرورة في لحظة عالمية مأزومة، يتقدم فيها سؤال الذاكرة بوصفه سؤالا سياسيا بامتياز. والجديد الجميل في الطرح النقدي المعاصر ليس الاحتفاء بالعجائبي فحسب، بل النظر إليه بوصفه أداة لتفكيك معرفي ونقدي، يكتشف من خلالها مدى هشاشة الواقع. انشغلت دراسات السنوات اﻷخيرة بقراءة الواقعية السحرية عند ماركيز بصفته أحد روادها ومؤسسيها، وباعتبارها كتابة مقاومة للتاريخ السياسي في المنطقة. وبنظرة سريعة ﻷهم أعماله تبرز كتابة الذاكرة الجماعية، التي شكلت جوهر مشروعه اﻷدبي. ففي" مائة عام من العزلة " تتحول " ماكوندو " إلى مختبر سردي يعيد إنتاج العنف الاستعماري والاقتصادي. وترى القراءة الجديدة لمركيز أن تكرار اﻷسماء والمصائر ليست شكلية فنية إنما يمثل بنية اجتماعية عاجزة عن كسر حلقة الهيمنة فتعيد تدوير صياغة مجتمعات كاملة دون أن تتحرر من ماضيها.

في "خريف البطريرك" تحول الاهتمام النقدي مؤخرا إلى لغة الطاغية وخطابه السلطوي، فجمله الطويله الممطوطة التي تكاد تختنق بلا فواصل نفسها تمثل انعكاسا لانسداد الرأي العام، حيث تتعرى السلطة من خلال تضخيمها السردي حتى تغدو عبثية. وهو نص لا يهاجم الطغيان من خارجه إنما يكشف منطقه الداخلي. وبعيدا عن تصنيفها الرومانسي نقرأ " الحب في زمن الكوليرا " في بعدها الوجودي، مقاومة لفكرة الفناء الاجتماعي في عالم يشهد أوبئة معاصرة، وأزمات صحية، بدا النص، وكأنه يستبق كل ذلك، ومن هنا يبرز السؤال كيف جعل ماركيز من الخيال أداة ﻹنتاج معرفة؟ ما يمنح الكتابة عن ماركيز اليوم طابعا مختلفا هو قدرته المستمرة على إضاءة الحاضر، وهي القدرة المستمرة على إضاءة الحاضر، كأنها دعوة للشك الخلاق، وإلى اﻹيمان بأن الحكاية ليست نقيض الحقيقة، وأن ما بدا خيالا مفرطا لم يكن إلا توصيفا مبكرا لعالم صار اليوم أكثر غرابة مما تخيله اﻷدب نفسه، ومع انشغال اﻷبحاث الحديثة بتتبع أثر اﻷدب العالمي في تكوين حساسية ماركيز - من النزعة الكافكاوية في اﻷحساس بالعبث إلى تقاليد السرد الشفاهي في الكاريبي - تتجلى قدرته على تذويب هذه المؤثرات داخل نسيج محلي، حتى غدت الواقعية السحرية على يديه معرفة بديلة تنافس التاريخ الرسمي وتعيد الاعتبار للهامش.

***

عبد الحكيم كشاد

 

في المثقف اليوم