عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

علاء حمد: التصوير النصّي في قصيدة "هذيان في ردهة الـ.. لا أعرف"

للشاعرة الفلسطينية بيلسان حمدان

لكي نتواصل مع التفكير الإنساني، فإنّ هناك مساراً لإنتاجه، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل عناصره عن العوامل المتحكّمة بهذه العناصر، والاشتغالات التقنيّة، ووحدة الرؤية الشعريّة، والالتقاطات المنمذجة وكذلك العابرة. وهو تفكيرٌ في الاستراتيجيّات الفاعلة في التصوير النصّي؛ إذ ينطلق النصّ الشعري من ظروفٍ إنسانيّة قبل كلّ شيء، ويعتني بالترجمة القائمة بين الهمّ الذاتي والحدث المشاكس.

إنّ المدرسة الرمزيّة غير جامدة؛ فهي تتمتّع بآليّاتٍ تقنيّة، وغايتها التواصل الحسّي والإدراكي ضمن الممكن الرؤيوي عند التفكير في الحالات الحسّيّة والحسّ المشترك، أو الذهاب إلى خيالٍ رمزي، أو الدخول إلى شعبة الأحلام المنظّمة القابلة للكتابة والترجمة. فهناك العديد من الأحلام المشهديّة العجائبيّة والشفويّة غير المنظّمة، والإمساك بها كأنّ المرء يحاول أن يمسك بقطرةٍ من الزئبق؛ فهي قابلة للنسيان والتفتيت والابتعاد عن حالة المرء اليوميّة والحياتيّة، لذلك تكمن صعوبة نقلها في عدم استذكارها. وكذلك فإنّ الذهنيّة، وإن كانت خارج الوعي، تنتظم لا واعياً، فتنقل المفاجآت والعناصر والجمل الصادمة التي تعني الذهاب إلى عنصر التصوير النصّي، وذلك لنقل الأشياء وتحويلها إلى آليّةٍ من الممكنات الكتابيّة.

(تجمع هذه الأدوات بمختلف معانيها في قسم واحد هو قسم "الأدوات المنطقية particules logiques""، لأنّها علامات على أنواع العلاقات القائمة بين الجمل، وبها تتماسك الجمل، وتبين مفاصل النظام الذي يقوم عليه النصّ؛ ويرتبط استعمالها بطبيعة النصّ من حيث موضوعه وأشكاله. – الأزهر الزنّاد-  نسيج النص، بحث فيما يكون به الملفوظ نصّاً – المركز الثقافي العربي –  ص 37.).

نبحر مع قصيدة (هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف) للشاعرة الفلسطينيّة بيلسان حمدان؛ فالمعرفة التي تطرحها الشاعرة ليست من عدم المعرفة، بل هي المعرفة بذاتها، غير أنّ الشاعرة تشاكس اللغة وتقودنا إلى اختلافاتٍ في المعمار الكتابي.

في هذه اللحظة،

قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً،

لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح.

قلبي كافرٌ..

يتوضأ بالحق،

كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ...

كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة،

و أنفاس القوادين ...

وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة.

أنا في الـ "لا أعرف"،

أمشطُ شعرَ الفراغ،

وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

ننظر إلى النصّ من الجانب التركيبي، فنراه يخرج عن التقليد وينتمي إلى اللغة الشعريّة أكثر. ومن هنا تكون اللغة هي القيمة العليا التي تنتج المعاني القصديّة، فتكوّن منطقةً تارةً من ضمنيّة المعنى، وتارةً من توضيح المبدأ المرصود. وهذا ما يساوي الإشارة وكيفيّة تجانس اللغة بصورٍ حاليّة مطابقة. فاللغة الشعريّة الحديثة لغةٌ إيحائيّة؛ لذلك نلاحظ تركيباتها الرمزيّة التي تعمل على توسيع المساحة الدلاليّة.

في هذه اللحظة، + قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً، + لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح. + قلبي كافرٌ.. يتوضأ بالحق، + كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ... + كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة، + وأنفاس القوادين ... + وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة. + أنا في الـ "لا أعرف"، + أمشطُ شعرَ الفراغ، + وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

تقودنا الشاعرة الفلسطينيّة بيلسان حمدان إلى لغة الذات، ولكنّها، في الوقت نفسه، تطرح تصويرها الرمزيّ النصّي عبر تواصلاتها اللغويّة، وذلك لكي تقبض على المعنى من جهة، وتتوسّع في الدلالتين: دلالة اللغة، ودلالة المعنى، من جهةٍ ثانية.

تمرّ الشاعرة بلحظةٍ من اللحظات، وهي لحظة الاصطياد النصّي، أو المدركات التي تنتمي إليها. ومن هنا يكون عامل الخيال متجانساً مع تلك اللحظات التي تندرج ضمن قصديّة العقل.

(ينقسم الخيال في تصوّر كانط، - من جهة طرق تفاعله مع المعطيات الإدراكيّة – إلى نوعين: خيال منتج Productive، وهو ملكة الحدس بالموضوع وقوّة تمثيله على نحو خالص ودقيق حتى في غيابه. خيال معيد للإنتاج Reproductive: وهو القدرة على استحضار حدس حسّي سبق إدراكه وإعادة تمثيله. – د. يوسف الإدريسي – كتاب: الخيال والمتخيل في الفلسفة والنقد الحديثين– ط1 لسنة 2005م، مطبعة النجاح الجديدة، المغرب – ص 11).

إنّ القوّة التفاعليّة بين الكتابة لدى الشاعرة وطرائق الوعي بالموضوع تكمن في مدى إيمانها بالطرح أوّلاً، ومدى ما يعانيه جيلها من متغيّرات ومواضيع ومواقف كاذبة ثانياً. لذلك نلاحظ أنّ النصّ وتكوينه اللغوي يطرحان حقائق الفكر الذي تنتمي إليه، وهي حقيقة المصداقيّة في سياق أنشطتها الذهنيّة والجماليّة، ولدى المرء والآخر. فهي تطرح المعارف والمشاهد عبر النصّ، بينما تنسحب ثانيةً إلى السخرية، وكأنّها في منطقة: (أنا في الـ "لا أعرف"). وتُعدّ هذه المشاهد لقطاتٍ يوميّة تعيشها؛ لذلك فقد اصطادت، عبر تجربتها النصّية، بعض المعاني، واستطاعت تسخيرها في المنظور الشعري. وتجعل الآخر يعيش في لقطاتٍ بعضها فلاشيّة، وبعضها قريبٌ من الذهنيّة، وكأنّنا أمام لقطاتٍ

مشهديّة في معجم الفنّ السينمائي.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"،

وأقول:

روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟

هنا.. العقلُ ليس إماماً،

بل ناسكٌ متمرّد...

أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع ..

لا تسألوني عن القبلة،

فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا،

و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب...

ولم يبقَ إلا جهة الوجع

وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

تقف اللغة، بوصفها الوسيط الأوّل، بين الذات القارئة والذات الكاتبة؛ لذلك يُعدّ الاعتناء باللغة، بوصفها حالةً جدليّة، من المهامّ الأولى في تقنيّة النصّ الشعري، وفي امتداد البنية الصغيرة نحو بنيةٍ صغيرة أخرى لتشكيل البنية الكبرى. ومن خلال هذا المبدأ تتشكّل لدينا أيضاً التقطيعات داخل النصّ العام، وهي عبارةٌ عن نصوصٍ صغيرة خاصّة، قد تكون مرقّمة أو غير مرقّمة؛ فالأولى تفصل بينها المعاني وتنتقل من معنى إلى آخر، أمّا الثانية فتمتدّ مع المعاني عبر فواصل توقّفيّة، وتعتني بالفراغات بوصفها وضعاً بصريّاً يهتمّ بهندسة النصّ.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"، + وأقول: + روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟ + هنا.. العقلُ ليس إماماً، + بل ناسكٌ متمرّد... + أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع .. + لا تسألوني عن القبلة، + فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا، + و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب... + ولم يبقَ إلا جهة الوجع + وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

اعتمدت الشاعرة بيلسان حمدان، في التراكيب النصّية، البنية الفعليّة للنصّ؛ فهي ترى أنّ الحركة الفعليّة للأفعال الحركيّة ذات نتائج في ديمومة الحدث والانفتاح النصّي. لذلك، فإنّ جلّ ما نلاحظه هو أنّ هناك أنواعاً من الأفعال؛ فبعضها تموضعيّة، وبعضها انتقاليّة، مع الحفاظ على المعنى المرصود.

لذلك، فقد استطاعت تحويل الانفلات (الخيالي) إلى نشاطٍ علائقي، لكي تمنح الحقائق ميزتها في اللغة الشعريّة. وهي تدخل وتُدخلنا في معركةٍ ساخنة بينها وبين طرفٍ آخر، وكأنّ الطرف الآخر يتمتّع بالقوّة؛ لذلك عملت على المجابهة الكتابيّة، وذلك لمواجهة الألم والهياج النفسي، ليس لديها فقط، بل يمتدّ ذلك إلى نواحٍ أخرى، ومنها اتّخاذ المواقف بسلوكٍ كتابيّ شعريّ، وهو أقرب السبل إلى تفريغ شحنات الغضب والاعتناء بالمعنى وظهور القوّة غير المباشرة.

أنا لا أعرف..

وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة.

كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة،

وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح

فليرموني في قاعِ جهنّم،

فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني،

يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم،

وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

يُعدّ النصّ الشعري حاملاً خواصَّ الجمل التي لا تتوقّف عند منطقةٍ معيّنة؛ لذلك، ومن منظورٍ كلّي، فهو يتجاوز المعنى ويقودنا إلى ما وراء المعنى. ومن هنا يكون لكلّ نصّ خواصّه الذاتيّة، وهي تلك الخواص المتعلّقة بالذات الحقيقيّة. ولا نستغرب عندما يدفعنا إلى براهين معيّنة، تتكوّن من خلالها الوحدات النصّية العابرة لكلّ ما هو مألوف ومتداول في الحياة العامّة.

(يُعد تتابع الجمل أهمّ صفة من بين هذه السمات النصّية، وينتج عن ذلك، أنّه سوف ننظر إلى مشكلة ربط الجمل، على أنّها أساس وشرط لإيضاح عمليّة إنتاج النصّ. – فولفجانج هاينه مان ديترفيهفجر – مدخل إلى علم لغة النصّ – ترجمة: د. سعيد حسن بحيري – ط1 لسنة 2004م، مكتبة زهراء الشرق، مصر – ص 21.).

أنا لا أعرف.. + وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة. + كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة، + وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح + فليرموني في قاعِ جهنّم، + فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني، + يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم، + وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

من خلال النفي والإثبات، نلاحظ أنّ الشاعرة تقودنا إلى ديناميّة العلاقات بين منطقة الحدود التي يتمّ تجاوزها ومنطقة الانحراف المنظور، ممّا يشكّل علاقاتٍ بين الأطراف. فالشاعرة تطرح معرفتها بوسيلتي المعرفة والاختلاف والمشابهة، وتوجّه انتقادها بواسطة التشبيهات الضمنيّة، حيث نجد النصّ ينمو بمعانيه أفقيّاً وعموديّاً.

لا ترتدّ الشاعرة عن دينها، ولكنّها تطرح ما هو موجود في الوجود، المُضمر منه والعلني أيضاً؛ لذلك تعلن وتفضح حالات الذبح والغشاوة والابتعاد عن القول العقلي المتستّرة بالدين. ومن هنا فهي تنقلنا من حال الدنيا إلى حساب الآخرة، ولكنّها تبقى مصرّةً على إظهار درجات الجمل الشعريّة ومعانيها التي تنتمي إلى المواطن من جهة، وإلى البلد الذي يحيط بها من جهةٍ ثانية.

***

كتابة: علاء حمد

....................

هذيان في ردهة الـ ...

لا أعرف

 

في هذه اللحظة،

قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً،

لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح.

قلبي كافرٌ..

يتوضأ بالحق،

كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ...

كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة،

و أنفاس القوادين ...

وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة.

أنا في الـ "لا أعرف"،

أمشطُ شعرَ الفراغ،

وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"،

وأقول:

روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟

هنا.. العقلُ ليس إماماً،

بل ناسكٌ متمرّد...

أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع ..

لا تسألوني عن القبلة،

فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا،

و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب...

ولم يبقَ إلا جهة الوجع

وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

أنا لا أعرف..

وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة.

كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة،

وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح

فليرموني في قاعِ جهنّم،

فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني،

يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم،

وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

***

بيلسان حمدان

 

في المثقف اليوم