عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

جبَّار ماجد البهادليّ: تَجلِّياتُ ثُريَا العُنوانِ السَّرديَّةُ "أثرُ المِلكِ السُّومريّ" أنمُوذجَاً

قِراءةٌ تَأمُّليَّةٌ في سَرديَّاتِ أدبِ المَنطقَةِ الرَّماديَّةِ (سَردُ الحَافَّةِ)

مَفهومُ أدبِ المَنطقةِ الرَّماديَّةِ (سَردُ الحَافَّةِ):

تَقديمُ: يُعدُّ سردُ أدب المنطقة الرمادية أو (الوسطى)، أو ما يُعرَفُ حديثاً في الأوساط النقديَّة بـ (سَردُ الحَافَّةِ)، أو (سَردُ الهامشِ) العائم من أخطر ألوان السَّرد إشكاليَّةً وعَصرَنَةً وَجِدَّةً، بل وأكثرها حداثةً اليومَ، وأجملها شكلاً ومضموناً من جهةٍ؛ ومنْ جهةٍ أخرى؛ كونه لا يخضع مُطلقاً لفرضيَّة أو خانة التجنيس الأدبي الشعري أو النثري المُقنَنِ بآليات معروفةٍ، بل يقع بينيَّاً في منطقةٍ حذرةٍ وسطيَّةٍ مُحايدةٍ بين (هذا وذاكَ، وأنا وأنتَ) .على الرغم أنَّ المناطق الوسطيَّة مناطق إشكاليَّة خطرة.

فهو بالمعنى التوصيفي الدقيق ليس قصَّةً أو روايةً مَحكيَّةً بمعناها الحقيقي الفاعل المَعروف، وليس شعراً أو نثراً خاصَّاً، إنَّما هو سردُّ نصِّي يُكتَبُ وسطيَّاً من تأثيرات حافَّة النصِّ، وليس من داخله أو خارجه. ولا يعتمد في تأثيثه النصَّي على ما تقدِّمهُ البدايات أو المُستهلَّات المحمودة، ولا على وقع النهايات الختامية المحسومة المذمومة دراميَّاً وحدثيَّاً. إنَّما يقف عند النهايات المبتورة غير المُكتملة التي تحتمل الكثير من التأويل والتحليل الذي يَلفت نظر القارئ للوقوف عند أثرهِ.

وعلى وفق ذلك التنظير الوصفي الدقيق فإنَّ أدب سَرد الحافَّةِ لا يخضع فنيَّاً لاشتراطات قصيدة النثر وفلسفة تقعيداتها البنائيَّة والجماليَّة، ولا يَستجيبُ كُليَّاً وإجرائيَّاً لأُسس وعناصر السَّرد الأساسيَّة المعروفة كاملةً. فهو يقفُ مُتأرجحاً بين منطقتين جنَّة الشعر ونار السَّرد (تَسريدُ الشِّعرِ)، أو (القصَّةُ الشِّعريَّةُ)، فيأخذ من خاصيَّة الشعر المنثور نظام إيقاعه الأُسلوبي التَّدفُقي المُتراتب، ونظام تسطيره الكتابي المعروف في استنطاقه النصِّي وبُوحه الدِّلالي. ويشتركُ مع السَّردِ القَصصي التعبيري في استحضاره لبعض شخصيَّاته الفواعلية، وفي استدعائه لوحداته الزمانية؛ لذلك كان أدباً رماديَّاً.

ولا يشتغل تسريده النصَّي في توظيف العناصر البنائية الأخرى مثل (الأحداث والوحدات المكانيَّة والحِبْكَة والعُقَد والنَّهايات الإدهاشيَّة الصادمة)، وتقانات السرد الأخرى، بل يعتمد كليَّاً على النهايات النصيَّة التأمليَّة المفتوحة التي تُشرِكُ المتلقِّي في التفكيربشأنها وإيجاد مخارج نصيَّة مناسبة لِحلِّها.

لقد اتَّضحَ لنا جليَّاً مفهوم أو مصطلح أدب سَرد الحافَّة (الهامشي العائم)، ولكنَّ المعنى الدلالي الدقيق لكلمة (الحافَّة) بحاجةٍ لتقريبٍ وتوضيحٍ، والحَافَّةُ هنا لها ثلاثة معانٍ دلاليةٌ متتاليةٌ، أول هذه المعاني الدلاية (حافَّةُ المعنى)، وثانيها (حافَّةُ الذاتِ)، وثالثها تسمَّى (حافَّةُ النَّوعِ الأدبي)، ولكلِّ حافَّةٍ منها لها خاصيتها الفعليَّة ومعناها الدلالي الفاعل في تأثيث وبناء النصَّ السردي التجريبي الجديد.

فأمَّا المقصود بحافَّة المعنى فإنَّ الفضاء النصِّي في سرديَّات أدب الحافَّة لا يُخبِرُ عن كلِّ شيءٍ فيها، ولا يسكت في الوقت ذاته عن كلِّ شيءٍ فيه أيضاً، وإنَّما يضعُ القارئ أو المتلقِّي على حرف الهاوية، أي أنَّ بناءه القصِّي أُسسَ (عَلى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ) أي على حافَّةِ طرفِ الهَاوية القصصيَّة.

فَقد يُخبرُ مُتلقِّيه بثلاثة أرباعه، ويَتركُ الربعَ الأخيرَ منه لألمعية القارئ النابه ووعيه الفكري في المشاركة النصيَّة لِيقعَ فيها أو يَطيحَ بِأُتونها التأمليَّة. وهذا المعنى ما نجده إجرائيَّاً في المجموعة القصصيَّة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) السرديَّة، لمؤيَّد الشَّاوي كاتبها المُؤلِّف وساردها الألمعي النابه. حيث تطالعك النهايات الختامية المفتوحة أو (المَبتورة)، والجُمل النثرية القصيرة المُكثَّفة، والصمت المُركَّز المقصود في فهم بنائها السَّردي واللُّغوي الذي يحتاج إلى تأمُّلٍ أدبيٍّ وفكريٍّ فلسفيٍ عميقٍ.

أمَّا حافَّة الذات فَتَشِي بأنَّ السَّارد فيها يقف قلقاً ونابهاً حَذراً بين جدليَّة (الأنا) أو الذَّات، وبين الذات الآخر (هوَ)، وبين الواقع المَعيش واللَّا واقع (الهَذيانِ) التَّخيُّلي، وبين العاقل المُفكِّر والجاهل الشَّقي غيرِ المُدبِّر، وكأنَّه يمشي على سلكٍ أو حبلٍ أو على جدارٍ أو سُورٍ، وأيُ خَللٍ أوتحرُّكٍ غيرِ مَحسوبٍ بدقهٍ يؤدِّي إلى السقوط في حبائل هاويةِ الجُنون، أو في منطقة الصَّواب، منطقة العقل.

في حين أنَّ حافَّة النوع الأدبي، (التصنيفُ أو التَّجنيسُ)، فيعني الإشكاليَّة في كونها ليست قصَّةً قصيرةً، ولا هي قصيدةُ نثرٍ شعِريَّةٍ، ولا حتَّى في كونها أدبَ ذكرياتٍ أو يوميَّاتٍ سيريَّةً أدبيَّةً، سواء أكانت تقريريَّة أمْ تَوثيقيَّةً. وفي ضوء ذلك يُوصف أدب سرد الحافَّة بأنَّه أدبُ مُتفلِّتٌ في تجنيسه النوعي، وأدبٌ إشكاليٌّ في لونه الأدبي الفضفاض.

وباختصارٍ شديدٍ فَإنَّ (سَردَ الحَافَّةِ) أو ما يُعرفُ بِسردِ الهامش، هوَ نزهةٌ إبداعيَّةٌ جميلةٌ على جدار بين عالمينِ سرديينِ مُختلفينِ في الطريق ومُتوحدنينِ في البناء السردي لواقعة الحدث الموضوعيَّة الشعرية أو القصصيَّة القارّة نصيَّاً. ومثل هكذا نُزهة سرديَّة لها موجباتها وسلبياتها.

ولهذه الأسباب وتلكَ مجتمعةً يُعتبرُ أدب المنطقة الرماديَّة (اللَّا سوداء واللَّا بيضاء) أدباً إشكاليَّاً في تجنيسهِ الأدبي المُستقل، وهذا هو سرُّ مشكلته ومتعة جماله. فمدرسة السَّرد التقليديَّة تصفه بأنَّه ليس قصةً ولا روايةً كما أسلفنا، في حينَ يُقرُّ سَردُ الحافة بنسفه، ويُؤكَّد أنَّه ليس أيَّاً منهما، وإنَّما هو ما (بَينَ بَينَ) . وأنَّ المُسوغَ الفنِّي الذي يجعل منه أدباً إشكالياً؛ كونه أدباً يرفضُ الأنساق التالفة ولا يسعى إلى القوالب التنميطيَّة الجاهزة أو العاطلة؛ لذلكَ لا عُقدةَ فيه تَحكمهُ ولا بدايةَ له أو نِهايةَ إيجابيةً أو سلبيةً تُحسمه، وإنَّما فيه شظايا من بعض تلكَ العناصر الأساسيَّة المُهمَّة في سرد القصِّ.

فَهوَ يَميلُ إلى الخلطٍ بين الأجناس الأدبية الأخرى من شعرٍ وسردٍ وفلسفةٍ ويوميَّاتٍ واقعيةٍ تداوليةٍ ومخياليَّةٍ في بوتقة نصٍّ أدبيٍ سرديٍ واحدٍ اسمه (أدبُ الحَافَّة)، كما هو حاصل إجرائياً في سرديَّات الكاتب مُؤيَّد الشاوي في مدونته (أثرُ المَلك السٌّومريّ) . كما أنَّه يُشَوشُ فكر القارئ ويُربِكُهُ ذهنياً؛ لأنَّ القارئ يُريدُ منهُ مَعنىً سرديَّاً كاملاً وجاهزاً، في حينَ أنَّ سرد الحافَّة يَأمرُ القارئ ذاته بأنْ يقوم بصنعه بنفسه. ولأجل ذلك التخليق الأدبي المصنَّع سماه النقَّاد (أدبُ المنطقةِ الرَّماديَّة) العائمُ.

ولا أدُلُّ على ذلك الأدب العائم على سبيل التمثيل ما قاله عربياً الشَّاعر محمود درويش في بعض نصوصه النثريَّة، وما كتبه الكاتبُ أحمد خالد توفيق في بعض نصوصه عن (مَا وراءُ الطَّبيعةِ) الَّتي فيها لمحاتٌ من سرد الحافَّة. أمَّا ما قاله عالمياً فنجده ماثلاً عند الكاتب التشيكي (فرانز كافكا) في روايته (التحوُّلُ) أو (المِسخُ) الذي يقف فيه عند حافَّة الإنسان والحشرة. وكذلك نقرأهُ عندَ الكاتبة الناقدة والروائية الأمريكية (سُوزان سونتاج) في مجموعاتها المقاليَّة ضد المرض والتأويل كاستعارةِ التَّصورات السائدة، وتأكيد المُباشرة الحسيَّة للفنِّ والأدب السردي الذي يَسيرُعلى الحافَّة. وقد أفاد الشَّاوي في قصته الشِّعريَّة الجميلة (النَّملةُ والذبابةُ) من تجربة كافكا ومن تحوُّلاته الحافيَّة.

وخلاصة القول، إنَّ أدب الحافَّة يَعِدُّ نفسه من الناحية السرديَّة أدبَ مُقاومةٍ، مناهضاً ضد رتائبيَّة التصنيف والتجنيس. فهوَ أدبٌ ألمعيٌّ تجريبي ومغاير جديد على الذوق العام ومُغْرٍ بشكله ونوعه للذوق الأدبي الخاصِّ؛ لذلك يرى نفسه ليس (هُنا)، وليس (هُناكَ)، وإنَّما هو مُعلَّقٌ على الجدار أو واقف عل السور يَرى الآخرينَ من عَلٍ أو من فوق. وتطبيقات تقاناته السرديَّة كثيرةٌ تَحفلُ بها نصوص السرد القصصيَّة والشعريَّة لمجموعة الرَّائي القاصِّ مُؤيَّد الشَّاوي (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) .3248 mouayid

تَقنياتُ سَردِ الحَافةِ الفنيَّةُ:

وحين نُجيلُ النظرَ مَليَّاً، متأملينَ نُصوصَ أدبِ سردِ الحّافَّة في اشتغالات القاصِّ مُؤيَّد الشَّاوي الإجرائيَّة السرديَّة في تجربته القصصيَّة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ)، نجد أنَّ الكاتب السارد قد وظَّف العديد من تقانات سرد الحافة توظيفاً إجرائيَّاً مَركزيَّاً مُحكَمَاً. وجاءت توظيفاته التطبيقية طبيعية موافقة لوقائع الحدث السرديَّة وثيمها التعدُّديَّة التي يحفل بها كلُّ نصٍّ من نصوصها التقصيصيَّة.

وعلى الرُّغمِ من أنَّ هذه التقنيات الفنيَّة التي تشكِّل عناصر مهمَّة في كتابة سردِ الحَافَّة، والَّتي لا بُدَّ من توافرها في النصِّ كضرورةٍ حتميَّةٍ لإتمام بنية هذا السرد الحَافَّي بأيِّ تقنيةٍ لغرض معرفة وتمييز هذا اللَّون الإشكالي؛ فإنَّ القاصَّ الشَّاوي قد أدخلها في صفحات نصوصه التسريديَّة بشكلٍ إبداعيٍ وإمتاعيٍ تلقائيٍ وغيرِ مُتكلِّفٍ، وكانَ عفويَّاً من السهل الأسلوبي التعبيري المُمتنع، بعيداً عن كل أشكال التصنُّع التكلُّف والتعسُّف التعبيري الجبري. مما أضفى عليها لوناً جديداً ماتعاً من ألوان التلقِّي القرائي السردي والمعرفي اللَّذيذ. وسنقف في دراستنا التأمليَّة عند بعض هذه التقانات الفنيَّة.

1- تَقنيةُ الجُملِ المَبتورةِ:

ونعني بها توقُّف النصِّ السَّردي القِصصِي قبلَ اكتمال المعنى المطلوب، وتُوضعُ نقاطُ تركٍ فراغيةٍ (...) قبل نهاية السطر من أجل استكمالها نصيَّاً وإبداعيَّاً. وأنَّ مُهمَّة إيلائها وإتمامها معنويَّاً وفكريَّاً ودلاليَّاً تُتركُ لمشاركة القارئ الواعي؛ كي يستكملَ تَتمَّةَ الفُراغِ البياضي المُنقَّط المُتروكِ وفقَ ما يَراهُ مناسباً لتركيب الجملة السرديَّة الملغومة قصديَّاً بالأنساق الثقافيَّة السرديَّة المُضمرة. فلو قرأنا نصَّ الكاتب الشَّاويّ السَّردي الموسومَ (طِفلُ الشَّاي) ذا التشعير القَصَصِي، لوجدنا أنَّه قد وظّف هذه التقنية الفنيَّة ثلاث مَرَّاٍتٍ بطريقةٍ وأُسلوبٍ لافتٍ للنظر يدعو القارئ لمشاركته النصّ:

وكانتْ أُمُّهُ ...

تَعدُّ الوَقتَ لَا السَّاعاتِ

فِي البَيتِ كَانتْ الأمُّ تُناجِي الغِيَاَبَ:

 (يَا رَبِّ... أعُدهُ لِي سَالِمَاً) . (أثرُ المَلكِ السّومريّ، ص 27)

وَهَمَسَتْ: (تَعِبثُ يَا وَلَدَي ...

سَأحمِلُ عَنكَ مَا تَبَقَّى) (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 28)

ويُلحَظُ في النماذج النصيَّة الثلاثة إنَّ الكاتب السار حذفَ النهايات السَّطريَّة المُتمِّمة لها لغرض أُسلوبي فنِّي وبلاغي تعبيري من أجل حثِّ القارئ الواعي وحضِّه على مشاركته النصيَّة في إتمام ما تضمره شخصياته من ألمٍ وتوجع إنساني حيالَ تلك الطفولة البريئة المكتنزة بالهُموم والآلام.

2- تَقنيةُ السَّردِ العَائِمِ:

وفي هذه التقنية العائمة يأتي التعبير الجُمَلِي السَّردي مَرةً بلغةِ ضمير التكلُّم (أنا)، ومرَّةً أخرى بلغة ضمير الخطاب (أنتَ)، وقد يتعدَّى التعبير البنائي للجُملة السَّرديَّة بلغة ضمير الغائب (هوَ) أو (هِيَ) . وفي هذه الحال يُبدِّل السارد الضمير كلَّما اشتدت الدفقة الشعورية العاطفية وهمَّ بِتغير سياق بنية الحوار الداخلي للنصِّ القصصِي. ولَعلَّ نُموذجَ (لَيلةُ الطَّلقةِ الأخيرةِ) خَيرُ مثالٍ على فاعلية تقنية السَّرد العائم الذي يعتمد على تشخيص الضمير في بنية قصِّ سرد الحافَّة والقصَّة الشِّعريَّة:

"أنَا هُنَا، عَلَى حَقِّي، وَعَلَى كُلِّ مَا أملكُ. وَأنتَ ... هَلْ تَساءَلتَ عَنْ دَوافعكَ قَبلَ أنْ تَتَهِمَنِي؟"، (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص47) . وّهكذّا يّمضي السَّردُ القَصصي العَائم بهذه الاشتغالات الفنيَّة المُتقنة بِالضمائر.

رُبَّمَا يُمكننِي أنّْ أغرقَ أنَا، أوْ أنْتِ،

لَيسَ فِي المَاءِ، بَلْ في التَّرَدُّدِ، (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 11)

3- تَقنيةُ الوَثيقةِ المُزَيَّفَةِ:

وتعتمد هذه التقنية على إرصادٍ أو إدخالِ تقريرٍ أو رسالةٍ ما، أو ورقةِ رسميَّةٍ أو وصفةٍ طبيَّةٍ مُعينةٍ أو محضرِ تحقيقٍ إجرائيٍّ من دائرة الشرطة أو الأمن العام داخل النصِّ القصصي، وخلال هذا التطبيق الإجرائي يقوم السارد أو الكاتب الرائي بكسر لُغةِ السَّردِ بنصٍّ رسميٍّ باردِ الأثر يَقلِبُ فيه الحقيقة أو يُغيِّرُ وجهَها بالتزييف والمُماطلة والتسويف الذي يَطوي الحقائق. وحينَ نَبحثُ عن تطبيقات هذه التقنية نجدها ماثلةً في صفحات قصَّة الكاتب السرديَّة (في هَيئةِ ضَوءٍ) التي يقول فيها:

"ألمَحُ وَرَقةً قَديمَةً، مَطويَّةً تَحتَ حَجَرٍ صَغيرٍ، فَتَحهَا فَوَجدَهَا مَمهورَةً بِاسمِ (نَدَى)، وَفِيهَا كُتِبَ (إنْ مُتُّ قَبلَكَ، فَانتظرنِي عِندَ العَمُودِ الَّذِي كُنّا نَمُرُّ بِهِ كُلَّ صَبَاحٍ... سَأكونُ هُنَاكَ، لَا بِجسدِي، بَلْ بِمَا عَلَّمَنَا. سَأجِيءُ عَلَى هَيئةِ ضَوءٍ، أوْ ظِلٍّ، أوْ تَذكُّرٍ. فًإنْ لًمْ تَرَنِي.. اِجلِسْ، وَتَذكَّرْ. فَفِي التَّذكُرِ تَعودُ الأرواحُ إلَى المَقاعِدِ الأُولَى.". (أثرُ المَلك ِالسُّومريَ، ص 80) .

4- تَقنيةُ الزَّمنِ المَكسورِ:

إنَّ جملة تقنية الزمن المكسور أو المُتشظِّي لا تُوظَّفُ وحدَها باستخدام الزمن الماضي أو الحاضر الأني (اليومي) في التطبيق الإجرائي السَّردي، بل يوظَّف فيها مَا يَدلَّ على بنية الزمن المُستقبلي باستخدام الأداة أو الظرف الزماني (غداً)، أو مشفوعاً بالأداة الزمانية (أمسِ) مع بعضها في سياق الجملة الواحدة. والشَّاويّ كثيراً ما يَعتمد في تسريداته على الزمن الحالي أو الحاضر أو المُستقبلي:

وَحِينَ أنظرُ إلَى المَرآةَ،

أرَى وَطَنَاً صَغيرَاً يَتنفسُ فِي عَينَي،

يَترَدَّدُ بَينَ الضَّوءِ وَالعُتمَةِ،

وَيَقولُ لِي بِصوتٍ هَادِئٍ:

"لَيسَ البَيتُ مَا تَأوِي إليهِ،

بَلْ مَا يَخرج ُمِنكَ حِينَ تَرحَلُ". (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 93)

والفعلانِ المُضارعان (أنظرُ، وَأَرَى) من أفعال الرؤية المُستقبلية، في حين أنَّ أفعال المشاركة الأخرى، (يَتنفسُ، ويَتردَّدُ، ويَقولُ، وتَأوي) دلالاتها الحدثية الفاعليَّة تُشيرُ إلى الزمن الحالي الآني. وقد أسهمت هذه الأفعال التَّشاركية في تحريك زمن بنية النصِّ والانتقال به من حالٍ إلى حالٍ أخر.

6- تَقنيةُ الاِعترافِ الكَاذِبِ (المَعنَى المُعلَّقُ) :

وفي هذه التقنية، تقنيةِ المَعنى المُّعلَّق يَعترفُ سارد النَّصِّ في قول الحقيقة والبوح بها، ويؤكِّدها، لكنَّ صنوَهُ الآخر يَشكُّ في اعترافه فيظنُّ أنَّه يكذبُ ولا يَصْدِقَ القَولِ كما هو الحال في قول الساردة (هَديل) التي اِتَّهمها زوجها عماد بالخيانة مع زميلها في العمل المدعو سعد، وهي بريئةٌ:

"أتَتَّهمُنِي بِالخيانةِ... وَأنتَ مَنْ لَمْ يَعُدْ يَعرفُ طَريقَ الصِّدقِ! كُلُّ مَا فَعلتهُ كَانَ بَرِيئَاً، كُلُّ كَلمةٍ، وًكُلُ نَظرةٍ... لَمْ تَكُنْ خِيانةً! لَمْ أجرحكَ، وَلَمْ أستعملُ أحدَاً وَسيلةً لَأجلَ نَفسِي. كُنتُ هُنَا، أمامَكَ، بِكُلِّ وَضُوحٍ... وَكُلُّ الحَقائقِ مَوجودةٌ، لَيسَ كَمَا تَرَاهَا أنتَ، بِل كَمَا هِيَ". (أثرُ المَلك السُّومريّ، ص 46) .

وبهذه التقنيات الخمس تكتمل مُتعة سَرد الحَافَّة الهامشي التي يُكتبُ منها بحدود90%، ويُتركُ الباقي10% لتقدير ذائقة القارئ الواعي. فتكون الجُمل المبتورة، والسرد العائم المُعلَّق، والوثيقة المزيَّفة والزمن المكسور والاعتراف الكاذب كُلُّها عَلى حافَّة السَّرد، وليس على أطرافهِ أو بداياتهِ.

تَأثيثُ المُدوَّنةِ السَرديَّةِ أُسلوبيَّاً وَفنيَّاً:

 (أثرُ المَلكِ السُّومريّ)، هي لافتةُ العُنوانِ الرئيس ومرفأُ لوحته الضوئيَّة اللَّافتة، و (ثُريَّا النصِّ الموازي) في هذه المدوَّنة، وهي بوابة دخول القارئ النابه الأولى إلى أروقة عالم مدينة التسريد الشعري والقصصِي الفاضلة العادلة. والَّتي من خلالها يُدرِكُ المتلقِّي جيِّداً دهاليز وإشارات هذا العالم الداخلي القريبة والبعيدة، ويستوعبُ تُخومَ موحياتهِ الفنيَّة وأنساقه الثقافية الخارجيَّة المُنتَجة.

إنَّ مزيَّة هذا العمل الأدبي الإبداعي المُنضوي تحت مسمَّى (نصوصٌ سرديَّةٌ) أنتجه قلم الكاتب البَصرِيّ النابه القدير مُؤيَّد الشَّاويّ، والذي صدر بطبعته الأولى عام 2026م عن دار (إيتانا) للنشر في بغداد وبأُسلوبٍ كتابيٍّ نوعيٍّ فائقٍ مُكثفٍ ومُحتشدٍ، وحجمٍ كميٍّ ورقيٍّ وسطي بلغ (97) صفحةً.

وقد ضمَّتْ مُحتويات هذه المجموعة السرديَّة (19) نصَّاً سرديَّاً، ستةُ نُصوصٍ منها تقترب في بنية نظامها التركيبي والفنِّي من أُسلوبية تشعير السرد (السرد الشعري)، وثلاثة عشرَ نصَّاً منها جاءت على هيأة أو شاكلة نصوصٍ لقصصٍ سرديَّةٍ وتعبيريَّةٍ. وأنَّ اللَّافت في سمت نصوص هذه المُدوَّنة القصصيَّة، أنَّ ثلاثة من نصوص التشعير السردي (القصَّة الشعريَّة) قد تَصدَّرت فواتح الكتاب الأولى، وهي (الذبابةُ والنملةُ، وكُرسيّ عَلى الحَافَّة، وَطِفلُ الشَّايّ) . في حين أنَّ الثلاثة الأخرى من هذ النصوص جاءت في خواتيم الكتاب على التوالي، وهي (مَرثيةُ رَجلٌ لمْ يُدفنْ، ورَجلٌ نَزلَ وَحدهَ، وثُلاثيةُ الرَّمادِ والظِّلِّ والصَدَى)، ولم يكن ترتيبها الموضعي في طيَّات الكتاب عشوائيَّاً عَفوَ الخاطرِ، وإنَّما كان قصديَّاً من قبل الكاتب، ومراعاةً لآليَّات التلقّي القرائي المعرفي.

وإنَّ ما يميِّز فنية التعبير الأسلوبيَّة لهذه النصوص السرديَّة المُتجدِّدة أنها كُتُبَتْ بإمكاناتٍ سرديَّةٍ عاليةِ الجودةِ، وبأفكارٍ فلسفيَّةٍ تأمُّلية، وَثِيمٍ موضوعيَّةٍ عميقةٍ، هادفةِ الرَّصد بالتقطاتها العينيَّة. وتميَّزتْ بِلغةٍ تكثيفيَّةٍ شفافةٍ ونقيَّةٍ صافيةٍ من الشوائب، وخاليةٍ من زوائد اللَّمم والتَّرهُّلات اللُّغوية الفائضة. وعلى قَدرٍ كبيرٍ من خاصيَّة لُغة الاقتصاد والإيجاز البلاغي الذي يرتقي بسموِ النصِّ.

فضلاً عن ذلك كُلِّه ضبط إيقاع انزياحاته التعبيرية اللُّغوية، وجماليات أنسنته وتشيُّؤهُ الصوري وتركيزه المعنوي الدقيق، وإشراقه الدلالي التَّوهجي الذي يُغري ذائقة ومزاج القارئ ويَحضُّهُ على التواصل المعرفي (الابستمولوجي) معه. مَعَ تأكيده على شعريَّة قواعده الفنيَّة وآليَّات إنتاجها الفكري والإيقاعي الإبداعي المُثير. خاصَّةً وأن هذا اللَّون من الأدب الإشكالي الحديث يحتاج إلى وقفاتٍ تأمُّليَّةٍ واعيةٍ، وتأويليَّةٍ هرمنيوطيقية تكشفُ بدقةٍ عن تأصيل وجُوده الانطلوجي. والتعمُّق في سبر أغواره السرديَّة، وفهم تجلِّياته الكتابيَّة العصريَّة، واستقراء مرجعيّاته الثقافيَّة الحديثة بشكلٍ واعٍ.

تَجليَّاتُ ثُريَّا المُدوَّنةِ العُنوانيَّةِ:

مَنْ يَقرأْ نصوص مُدوَّنة (أثرُ المَلك السُّومريّ) السرديَّة بجديَّةٍ بالغةٍ، سَيُدهش –حقَّاً- لأوَّلِ وهلةٍ ببساطة العنوان الشكليَّة الظاهرة، وبلغة تواضعه الجُملي التركيبي النَّحوي، والاسمي الإخباري السهل؛ ولكنَّه حين يُجيل التفكيرَ وئِيداً بمغزى تشكُّلاته الفنيَّة السرديَّة، ويتقفَّى أثر حِفريَّاته القريبة، وينظرُ إلى أقانيم وتخوم تضاريسه الأرضيَّة البعيدة يحتاجُ إلى تنقيبٍ بسونارٍ ضوئيٍّ معرفيٍ دقيقٍ.

بَيدَ أنَّه من خلال هذا التَّراسل الزمني مع آثاره النصيَّة ولُقاهِ الفنيَّة سَيُصاب بضربةِ فأسٍ في جدار النسيان ماضياً وحاضراً. وعندما نتأمَّل بِتجلٍّ واضحٍ عتبةَ العنوان مرَّةً أخرى، ونعكفُ على تفكيكِ تراكيب شفراته اللُّغويَّة والمعرفيَّة الثلاث في الجملة كلمةً إثرَ كلمةٍ من حيثُ الدلالات المعنويَّة القريبة التي تضمَّنها التركيب العُنواني، نجدَ أنَّ كلمة أو دالة (أثرُ) التي تصدَّرت جملة عتبة العنوان الأولى تعني بقايا الشيء أو آثارهُ. وهذا الأثر المتبقِّي رُبُّما يكون حَجراً قديماً أو لوحاً طينياً أو رُقَيماً أو قِدَمَاً تاريخيَّاً أو لُقىً أثريَّةً ماديَّةً وعينيَّةً أُخرى لها قيمة تاريخيَّة لا تُقدرُ بِثمنٍ.

أمَّا عبارة (المًلكِ السُّومريّ)، فَبِكُلٍّ تأكيدٍ تعني هي الأُخرى، أوَّلَ ملكٍ عراقيٍّ تاريخيٍّ لِلأَوَلِ حِضارةٍ خُطَّت في لائحة التاريخ الإنساني، وأوَّل قانونٍ إنسانيٍ تشريعيٍ وضعه البشر في الأرض، وأوَّل وجعِ إنساني وُسِمَتْ بهِ الأُمَّةُ العراقيَّة القديمة في مجدها التُّراثي وتاريخهاالحضاري الطويل.

إنَّ مجموعة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) السرديَّة تُفيدُ دلالاتها القريبة نبشاً في بقايا وآثار الإنسان القديم الذي هو عمقنا الداخلي وأثرنا الإنساني السَّحيق الضارب في عروق التاريخ، والذي لا يمكن نسيانه مطلقاً. وإنَّ كلَّ نصٍّ من نصوصها السرديَّة، الشعريَّة أمْ القصصيَّة يُعدُّ بمثابة لوحٍ طينيٍّ مكسورٍ عثرنا عليه في مَسرودات أدب حافَّة الروحِ لِمُؤيَّد الشَّاوي صاحب السَّبق السَّردي الجديد المُبتكر.

أمَّا المعنى الدَّلالي البعيد لِثُريَّا النصِّ العُنواني وتجلِّياته المَقصديَّة التي تَكمنُ هنا فهيَ، (الجَرأةُ والشجاعةُ والإقْدَامُ) الحِفري من خلال هذه الدراسة التأمُّليَّة التي تجمع بينَ سَطوة النقد الأكاديمي وبحبوحة النقد الأدبي الشاعري، وبينَ النظري والإجرائي. وهذا يَشي بأنَّ العُنوانَ من حيثُ كونه يحمل صفات الجِدَّةِ والجرأة والإقدام في الفتح السردي، فإنَّه يشتغل في منطقة البُؤَر ومركزيَّة الدلالات البعيدة في أدب المنطقة الرماديَّة على ثلاثة مستويات من سَردِالحافَّة في مَتنِ هذه المُدوَّنة.

وأوَّل هذه المستويات هو، المستوى التاريخي الزمني، وثانيها، المستوى النفسي الذاتي الأَنوي، وثالثها هُوَ، المستوى السردي الموضوعي. وحينَ نستعرضُ الحديثَ عن كشف أثرِ هذه الفُتوحات الثلاثة، ونسلط الضوء إجرائيَّاً على هُدى معانيها الدلالية البعيدة، يَتَّضح لنا بجلاءٍ أنَّ المستوى التاريخي تَشِي دلالتهُ الرمزيَّةُ والسيميائيَّةُ إلى خاصيَّة المَلك السومريِّ العِراقي الَّذي مَات وهلكَ قبلَ أكثر من خمسة آلاف سنةٍ تقريباً. لكنَّ المستوى الزمني التاريخي ما زال أثره راسخاً فينا، وتجلِّيات أثره الوضعي القديم تحكُمنا. فَهوَ الماضي الغابرُ والمتجدِّدُ الَّذي يحكم حاضرنا الحالي.

أمَّا المستوى النفسي الشعوري، فيعني أنَّ كلَّ شخصٍّ منا في داخله النفسي قناعٌ لملكِ سومريّ قديمٍ نابض ِالأثرِ، وطاغٍ مُتلسلِّطٌ في أنَاهِ الداخليةِ. وهوَ الذي يأمر وينهي ويتحكَّم فينا، بل ويَصدرُ ويَقبِضُ علينا، وأنَّ قصص هذه المجموعة المتجدَّدة تفتِّش عن أثره السردي فينا كقُرَّاءٍ ومُتلقِّينَ لها.

في حين أنَّ المستوى السردي الثالث لهذه الدلالة العميقة، فتومئ موحياته وتُخبِرُ بأنَّ السومريينَ هُم أولُ من كتبوا (ملحمةَ جلجامش)، تلك المُدوَّنة السرديَّة التاريخيَّة التي تجمعُ مكنوناتها بين السَّرد والشِّعر . ويُمكنُ أنْ نعدَها أوَّلَ سردِ حافَّة في التاريخ القديم بين الآلهة والبشر، وبين خلود الحياة والموت. وإنَّنا نرجع إلى هذا الأصل التاريخي الأوَّل الضارب في مَدارج إعماق التاريخ القديم.

إذنْ إنَّ سردَ الحافّةِ هُوَ سردٌ تَأصيلي راسخٌ في تُراثنا، وكأنَّ لسان حال المؤلِّف الرائي الشَّاويّ في عنوانه الأثير هذا يقول مصرِّحاً لنا:أنا لا أكتُبُ لكم قِصصَاً سَرديَّةً جديدةً ومبتكرةً بهذا التشكيل العنواني الفارق والمُتَّصل بزمن التاريخ، وإنَّما أنا استخرجُ لَكُم في كشوفاتي جواهرَ الآثارِ السَّرديَّةِ الَّتي هي تُمثِّلُ حاَفَّةَ الأشياءِ في المناطق الرمادية اللَا بيضاء أو سوداء، وكذاك أصفُ لكم المواقف الإنسانيَّةَ التي تقع على حافة الهامش، وهذا التخليق العُنواني يُعدُّ أثراً سرديَّاً فنيَّاً وانزياحيًّاً قَارَّاً.

إنَّ العنوان الرئيس على الرُّغم من كونه عنواناً فرعيَّاً جُزئيَّاً لنصٍّ قصصي سردي داخلي صار لافتةً لعُنوانٍ كُلِّيٍّ رئيسٍ، ولوحةَ الغلاف الأولى البَارزة لِوجهِ الكتاب؛ وذلك من باب تقديم الجُزء المُثير على الكل الأصيل؛ لاعتباراتٍ بلاغيَّةٍ ومُسوّغاتٍ أُسلوبيَّةٍ وفنيَّةٍ وجماليَّةٍ تَفرضُها قواعد الضرورة العنوانيَّة، وتَستحضرها أولويات العُنوان العصريَّة في السرديَّات الحداثوية، فإنَّه في الوقت ذاتهِ يُعدُّ عنواناً جزئيَّاً جريئاً مناسباً لواقعة حال هذا اللَّون من سرد الحافَّة التجريبي الجديد.

والدليل النقلي والعقلي على جُرأة سَردِ الحَافَّةِ القويَّةِ، أنَّه جاء نهضويَّاً مُتمرَّداً كَاسراً لجدار الزمن وقيودهِ؛ كونه يجمع بين زمنينِ مُختلفينِ، هما، الزمن السُّومريّ القديم جدَّاً، وزمن سرد الحّافَّة وهوَ الزمن الحديث جداً، وهذا بحدِّ ذاته يُعتبرُ كسراً حِجاجيَّاً لهيبة الزمن وتحطيماً لأسواره الصُّلبة.

كما أنَّ العنوان على الرُّغم ِمن سُهولته يحمل غموضاً فنيَّاً ويَطرحُ تساؤلاً فكريَّاً وتاريخيَّاً، من هُوَ الملك السومري المقصود في ثُريا العَنونة؟ هل هوَ أنا المُؤلِّف الرَّائي أمْ أنتَ القارئ المُتلقِّي، أمْ الحاكم المُبجَّل، أو هو الإلهُ المُقدَّسُ، أم هُويَّة الآخر المَجهول؟ إذنْ على القارئ اللَّبيب أنْ يِتوخى مَقصديَّاته البعيدة والقريبة وأنْ يِنبشِ في فتوحاته الغيبية وتجلِّياته وأنساقه الثقافيَّة الظاهرة والخفيَّة.

ومن نوافل مُوحياته الأخرى تُوصف بأنَّها ثقيلة؛ لأنَّ كلمةَ (أثرُ) بِحدِّ ذاتها ثقيلةٌ كالحجر، وكلمةَ (المَلكِ) ثقيلةٌ كالتَّاج المَلكي على الرأس، وكلمةَ (السُّومريّ) ثقيلة الوزنِ كما التاريخ. وعند مقاربة العُنوان أو موازنته بنصوص سرد الحافَّة يظهر البُونُ الوزني بينهما شاسعاً الفرقَ؛ كونها نصوصاً خفيفةً فُضفاضةَ ذاتَ طابعٍ هَامشيٍ عائمٍ وليسَ ثقيلةَ الوزن كَتَراكِيبِ العَنونة الدلاليَّة المُمتلئة قُوَّةً.

وعلى وفقِ تِلك الموازنة البينية بين ثُريا العُنوان ونصوص الخطاب السَّري الموازي، تُصبحُ هذهِ المُدوَّنة رَصينةً وَمَكينةً؛ لكنَّها ذاتَ أُسلوبٍ تَمرُّدي على الواقع السردي. أمَّا المسوغ الرابع والأخير لهذه الجرأة الموازية للنصِّ فتكمنُ في إشكاليَّة التجنيس الأدبي كما أشرنا لها مُسبقاً في مُوضع من هذه الدراسة. فالسومريونَ هُمْ - - بالضبط- ليسوا شعراً ولا نثراً، بل همُ، (مَساميرٌ تاريخية على الطينِ) أو ألواحٌ طينية تُؤرخن لسرديَّات عالم حضاري كبير اسمه الحاضر العراق.

وأنَّ نصوص سرد الحافَّة في تشكُّلاتها العائميَّة والهامشيَّة لا تُعدُّ قصيدةً أو قصَّةً بذاتها، وإنَّما هي أثر إنتاجي إسقاطي ناتجٌ عن تجلِّيات أو تمظهُرات ذلك الأثر السومري التاريخي. ومن وقائع هذا الأثر التراثي الكبير تَمخَّضتْ ولادة العُنوان (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) كعملٍ أدبيٍّ سرديٍّ قائم بذاته. وبذلك يكون العنوان الموازي للنصِّ انزياحاً شِعريَّاً قارَّاً ومُدمَجَاً بفنِّ الاستعارة التصريحيَّة الَّتي كَشفت عن وجهه الصريح والمُتخيَّل، فضلاً عن الكلمتين اللَّتينِ أُضيفتْ إليهما من أدب سردالحافَّة.

وكأنَّ ثريا النص العنواني الموازي تُصدِرُ مُوحياتها الدلاليَّة للقارئ تنبيهاً وتحذيراً قويَّاً، وتؤكِّد بأنَّها تُعدُّ آثاراً وليس قصصَاً سرديَّةً وشعريَّة حِكائيةً تاَمَّةً. وكُلُّ أثرٍ منها له لعنتهُ التاريخيَّة المؤثِّرة. وكأنَّ العُنوان يُخبرُ بأنَّ الكاتب السارد فيه لا يكتبُ عن النَّص ذاته، إنَّما يَكتبُ من داخل أثر النصِّ، بل من وقع حافته النهائية؛لينتج لنا عملاً أدبيَّاً فارقاً في البناء واللُّغة والأسلوب السردي.

وخُلاصة القول في ثُريَّا العتبة العنوانيَّة إنَّ مدونة (أثرُ المَلكِ السومريّ)، هي نصوصٌ سرديَّةٌّ كُتبتْ على حافَّة الطِّين إذا جاز لنا التعبير المجازي البليغ، وأنَّ نصوص هذه المُدوَّنة العُنوانية تبلغُ تسعة عشرَ لوحاً سَرديَّاً من الهذيان النفسي الجاد والبوح الذاتي الإبداعي التخليقي المَكين. وأنَّ محتويات هذا العمل الأدبي الإثرائي السردي تعدُّ لقىًّ أثريةً ثمينةً وحفرياتٍ جمعيةً نفيسةً في نوازع الذات الإنسانية السرديَّة والشعريَّة التي أسقطتها وقائع التاريخ القديم على راهن الواقع الحياتي التداولي المعيش؛فتكسَّرتْ بذلك حواجز الزمن وتحطَّمتْ جُدران الموانع ومَصدَّات العقبات بين ظلالِ المَاضي التليد ورؤى الحاضر الآني والمستقبلي الوئيد الذي لا يعرف ثُقلَ المُستحيل.

ومن نافلة القول الأخير لِمقام وتجلِّيات الأثر العُنواني في سرديَّات أدب الحافَّة التَّخليقي الجديد، أنَّ التاريخ بكل مرجعياته أثرٌّ، وأنَّ التسريدَ العائم أثرٌّ، وأنَّ النقد القرائي التأمُّلي هو أثرٌ إبداعيٌّ على أثر إبداعي سردي إنتاجي مُبتكر على أثرٍ إبداعي تاريخيٍ حضاريٍّ شَاخصٍ ومُتجذرٍ عجيبٍ.

ولا عجبَ أنْ تجتمعَ سلسلة الإبداعات النصيَّة الثلاثة: (نَصُّ المدوَّنة السرديَّة، ونَصُّ التاريخ السُّومريّ، ونصُّ النقد) مُتعاضدةً ومُتوحدةً معاً في فنَارٍ سرديٍّ لهرمٍ ضوئيٍّ عُنوانيٍّ شاخصٍ كبٍير اسمه ثُريا النَّص الإبداعي، ولافتته الإخباريَّة المكتنزة بآثارٍ جميلةٍ من السرد القَصصي، والقَصصي المُشَّعر (أثرُ الملكِ السومريّ) العراقي القديم الذي أُسقطَ فيه الأثرُ التاريخي على الواقعي الحديث:

"لَمْ يَقولوا إنَّنِي مَلكٌ، بَلْ قَالُوا إنَّ شَيئَاً سُومريَّاً قًديمًاً بَدَأَ يَظهرُ فِيَّ. كَأنَّ الذَاكرةَ لَمْ تَمُتْ باِلكاملِ، بَلْ اِختارتٍ جَسَداً جَديدَاً لِتكمُلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكمُلْ. وَأنَا.. لَمْ أستطِعْ أنْ أنكرَ وَلَا أُؤكدَ؛ لِأنَّ مَا يَحدثُ لِي لَمْ يَكُنْ فِكرةً، بَلْ حَالةَ وُجودٍ. وفِي النّهايةِ، لَمْ أعُدْ أعرفُ إنْ كُنتُ أنَا مَنْ يَتَذَكَّرُ أمْ أنَّ شَيئَاً أقدمَ مِنِّي هُوَ الَّذِي بَدَأ يَتذكَّرُ العَالَمِ مِنْ خِلَالِي ". (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 72، 73) .

أهميَّةُ المُدوَّنةِ القَصصيَّةِ:

إنَّ من أهمَّ ما يُميِّز خصائص هذه المجموعة القصصيَّة (أثرُ الملكِ السُّومريّ)، هذا اللَّون الأدبي الرمادي المائز التَّمرُّد والمغايرة من التسريد النثري والتَّقصيص الشِّعري الذي يرفض الطاعة والانصياع الذاتي لقاعدة التجنيس الأدبي النوعي شعراً أو سرداً، هو فرادتُهُ التَّجدُّديَّة في إمساك عصا التَّبختر السَّردي من حافتها الوسطى القلبيَّة لا من بَدء أطرافها الأوليَّة أو أواخرها النهائيَّة.

تلكَ المزيَّة السرديَّة الشاخصة المُهمَّة التي تجعل منه جبلاً شامخاً متأرجحاً في وقوفه الباذخ أعلى منتصف السرد، وفي منطقة الهدف الوسطى التي تُسمَّى حافَّة السرد. ومن هذه الاستقلاليَّة التفرديَّة اكتسب صفة العائميَّة الفضفاضة في لُغة التعبيرالسردي الذي لا يستدعي كُلَّ عناصر السَّرد الجمَّة.

وبالتأكيد أنَّ امتناعه القوّي عن الانضواء تحت عباءة التصنيف الأدبي، ورفضه الشَّديد الصاد لشرائط التقعيد النوعي في التجنيس الأدبي المعروف هو من أهمِّ مزاياه التَّحرُّريَّة التي وسمته بأنْ يكون أدباً عصرياً إشكالياً مبتكراً من أكثر ألوان الأدب الجديدة الأخرى في الشِّعر والسَّرد. وتحت عنوان مَا يُسمَّى بالميتا سرد الحداثي، وما بعدها الحداثة التي تبحث عن مِساحاتٍ مفتوحةٍ للتغيير.

وليس كلُّ هذا ما يُميِّز لغة أدب سرد الحافَّةِ في هذه المدوَّنة وما لحقها من تقصيص سردي مَهيب، وإنَّما ما يُميِّز كاتبه المنتج النابه الشَّاويّ القدير على الابتكار والتجديد، وما امتلكه من قدرةٍ فنيَّةٍ مُذهلةٍ على التخليق في أبجديات هذا اللَّون السردي المُعصرن الجديد. وما يتمتع به من مُوهبةٍ فذةٍ، وقدرةٍ عاليةٍ من اليقظة والوعي المعرفي، والإدراك الحسَّي والفكري في صناعة سردٍ مُغايرٍ يحجز له مكاناً توثيقياً خاصَّاً بين صُفوف وأدراج مكتبة السَّرديَّات العربيَّة بوجهٍ عامٍ، والعراقية بشكلٍ خاصٍّ. وعلى الرُّغم مما يَشوبه في كونه أدباً إشكاليَّاً جريئاً على التمرُّد، عصيَّاً على نسق الأدب المُتعارف عليه، فإنَّه يبقى لوناً أدبيَّاًّ سرديَّاً ساحراً وحُرَّاً مستقلاً في رسم لوحات تجلِّياته التجريبية، وخطى فتوحات كشوفاته الإبداعية والثقافية المُتجدَّدة في الخطاب السردي الجمالي:

جَلسْتُ.

لَا لِأنَّ التَّعبَ سَبقنِي،

بَلْ لِأنَّ الوُقوفَ إعلانُ مُوقفٍ

وَأنَا اِكتفيْتُ بِالمُشاهدةِ

لَمْ يَكُنْ المَكانُ سَببَ جُلوسِي،

بَلْ المَسافةُ الَّتِي يَمنحُهَا. (أثرُ المَلكِ السُّومريَ، ص 19)

وختاماً تبقى تجربة الكاتب والقاصّ والرِّائيّ البَصري المُجدد المثابر مُؤيَّد الشَّاويّ السَّرديَّة في مُدوَّنته القصصيَّة هذه تجربةً إبداعية جاذبةً للرأي والرأي الآخر؛ كونها تفتح آفاقاً جديدةً رحبةً للحوار النقدي، وأنَّ أُكُلَها الإنتاجي التَّخليقي المُثير يأتي بثمار حمُولات فكريَّةٍ وفلسفيَّةٍ وفنيةٍ وجماليةٍ كثيرةٍ في نقد الخطاب النصِّي السردي المُبتكر الذي جاء بهذه التوليفة العجيبة من السَّرد والشِّعر الذي امتزجت فيه حكايات الواقع التَّداولي الحياتي اليومي بالمُتخيَّل الفكري والأُسطوري التَّأمُّلي الناضج.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

في المثقف اليوم