لهيب عبد الخالق بين جدية الفقد واللامبالاة
- جسدت فضاءً شعرياً لا متناهي مغمس بالوجع الذي يعانيه الواقع المازوم
- أَطَرَت صورتها الشعرية بتبدل الحال من الاستقرار الحتمي إلى ما تخلفه الحروب من دمار
***
في قصيدتها "شجرٌ يهاجر قبل الطيور" تفتح لهيب عبد الخالق أفقًا شعريًا مشبعًا بالفقد والتحوّل، إذ جعلت لهيب من الشجرة رمزًا للمكان والجذور والذاكرة، لكنها هنا تفارق موطنها على نحوٍ غير مألوف، قبل الطيور ذاتها. وتوحي هذه الصورة بانهيار عميق في علاقة الإنسان بمكانه، حين تصبح الهجرة قدراً للأشياء الثابتة، وتتحول الذاكرة إلى ركامٍ يبحث عن مأوى. إنها قصيدة تستنطق وجع الاقتلاع، وتؤرخ شعرياً للحظة ينهار فيها المكان فتضطرب معه خرائط الروح والحنين.
تستهل لهيب عبد الخالق قصيدتها " شجرٌ يهاجر قبل الطيور" على مفارقة مركزية ومقاربة نصية وسياقية متوازنة لا تفصل البنية الفنية عن التجربة الإنسانية، ولا تختزل القصيدة في صورة الحدث. ذلك أن الدراسات النقدية "تنظر إلى الصورة باعتبارها وسيطًا لاكتشاف التجربة، وإلى الإيحاء والخيال بوصفهما من آليات بناء المعنى في الشعر الحديث" (1).
في ذلك ذهبت لهيب في نصها هذا لتشكيل بنية درامية مبنية على ثلاث مقاطع، اعتمدت فيها تقنيات التكثيف الرمزي والتصوير والتشخيص. في الأولى أرادت منه أن تخلق حالة من أرباك المشهد الشعري، لتلبس على القارئ رؤاه التي اعتادها في الأشياء، فجعلت (الشوارع تُحدث) بمشهد تقني مكثف، ثم أوردت صورة قد توصف بأنها خارجة عن المألوف حين قالت (النوافذ تسرق الأجفان)، وفي الثالثة تشخيص لحالة اعتبرتها (لهيب) واقعة فوصفت حبكتها بأن (المدن تتبرأ من ناسها)، أرادت لهيب أن تنفتح بنصها على فضاء شعري لا متناهي مغمس بالوجع الذي يعانيه الواقع المازوم الذي نعيشه، بتشابك معاناة الذات مع المأساة الجمعية.
حَدَّثتنا الشوارعُ.. قالتْ: سيمشي غريبٌ بغيرِ طريقٍ..بلا قدمينِ،
وتلكَ ُالنوافذُ تسرقُ أجفانَ مَن رَحَلوا، وتلوذُ المصابيحُ بالعتمةِ المستبدةِ..
أبحثُ عنِّي..
اشتغلت لهيب بآليات البناء الدلالي والتصوير الفني، وبنت نصها على ثنائية الغياب والحضوركما لا حظنا، ببراعة تتقنها، فالشاعرة لم تكن لترصد الأحداث عن بعد، بل انخرطت في ثنايا الحدث عبر ما أوردته بضمير المتكلم، باحثة من خلاله عن الهوية التي تمثل ذلك الحدث. "أبحث عنِّي.. فألقى دمي يتسلّى به العابرون". جسدت من خلاله المأساة التي صورتها في نصها بما كرسته من حبكة ضمنتها القصيدة.
فألقى دمي يَتَسَلّى بهِ العابرونَ، ولستُ أطيقُ السكوتَ،
ولكنّ صَوتَ البنادقِ أعلى من الأغنياتْ...
المفارقة أن لهيب عبد الخالق جاءت بصورة غرائبية تحمل الدهشة قبل الفجيعة التي ضمنتها عنوان قصيدتها، غيرت فيها طبيعة الأشياء بين مستقرطبيعي (الشجر) أضفت عليه صفة الحركة، وجعلته يهاجر تاركاً جذوره، وهذا توصيف غرائبي لايذهب إليه الشعراء إلا ما ندر، فيما الكائنات الأخرى التي يفترض أنها تتحرك وتذهب وتهاجر، جسدتها بصورة فاقدة للاستقرار الوجودي كنتيجة حتمية للخوف الذي سيطرعلى المشهد.
هنا تؤطر لهيب عبد الخالق صورتها الشعرية بتبدل الحال من الاستقرار الحتمي إلى ما تخلفه الحروب من دمار وخراب، يحول الأمان المنشود إلى أمنية مستحيلة في ظل المقايضة التي تمارسها السلطة باستبدال السلام بالتهجير والقتل. استطاعت لهيب أن تستنطق النص وتمنحه القدرة على التعبير عن الوجدان الجمعي من خلال توظيف لغة شعرية تتماثل والتشظي الذي يعيشه المجتمع. كما سعت لالتحام النص مع الذات الشاعرة والحبكة، وتحويل المعاناة اليومية إلى رموز دالة تعبر عن كل مقهور ومهمش.
فارَقَ الناسُ أحلامَهمْ..
والشيوخُ يبيعونَ فجرَ الصغارِ لشيطانِ هذا الزمانِ،
وليسَ من العدلِ.. أنْ نشتري الموتَ بالذكرياتْ...
بنيت قصيدة (شجرٌ يهاجر قبل الطيور) على تجربة شعرية مشبعة بإحساس الفقد والاقتلاع والخوف وانهيار منظومة الأمان الإنساني. وهي، وإن كانت تستمد مادتها الأولى من واقع مضطرب تحضر فيه (الحرب والبنادق والمدن الخائفة والجوع والموت والهجرة)، فهي لا تقع في أسر التسجيل المباشر للحدث السياسي؛ إذ تنقل الواقع من مستواه الإخباري إلى مستوى شعري رمزي تتداخل فيه (المدينة بالإنسان، والذاكرة بالمكان، والدم بالياسمين، والخبز بالموت، والصمت بالكلام).
لهيب لم تقدم صورة الحرب بمشهد وصفي خارجي، بل سعت لتورد الحديث على لسان "الحرب" وهي صورة غير معتادة او غير مالوفة كما ذكرنا، سمعنا القصص تتحدث بلسان الحيوانات، وحتى الجماد والمدن، لكن أن نقدم حديثاً لآثار الحرب أو الحرب كحدث يتكلم ويصف الأشياء والأحداث والكائنات، وهذه ميزة مهمة في دراما القصيدة وحبكتها، (الشوارع تتحدث، والنوافذ تسرق أجفان الراحلين، والمصابيح تلوذ بالعتمة، والشجر يهاجر، والمدن تتبرأ من ناسها، والخوف كهاجس يتحول إلى قوة مسيطرة تحكم العقول).
مدنٌ تتبرأُ من ناسِها..
تَرتدي ذُعرَها في الصباحِ،
وتُخفي الكوانينُ خبزَ الجياعِ
الصورة عند لهيب عبد الخالق في نصها هذا توحي بأنها قد فقدت توازنها (هذا ما أرادت لهيب) قوله، ان عالم الشعر فقد توازنه في عصر الغرائبية الذي نعيش، لذلك تأتي الصور التي بنت عليها الشاعرة حبكتها على نمط من الغرائبية اللفظية والتصويرية، ربما هي خارجة عن المألوف الحسي والسمعي وحتى المنظور الحسي أيضا، ما يفرض على الأشياء المحيطة أن تتصرف بطريقة مغايرة وغير طبيعية، (فالشجر يهاجر قبل الطيور، والمدينة تتبرأ من سكانها، والإنسان يبحث عن نفسه فلا يجد إلا دمه في أيدي العابرين).
وهذا يتفق مع المنظور الذي يجعل الشعر الحديث أكثر اتصالًا بالعمق النفسي والفكري للتجربة، وهو ما يؤكده إحسان عباس في دراسته للشعر العربي المعاصر، إذ اختار النظر إلى الشعر الحديث من خلال مواقفه الفكرية والنفسية، ومن علاقته بالزمن والمدينة والتراث والمجتمع، لا من خلال التصنيف السياسي أو الموضوعي المجرد وحده.
أرى امرأةً من طحينٍ ودمْ..
تَقِفُ الآنَ بين الروايةِ والمقصلةْ..
وهنا نرى أكثر صور القصيدة كثافة؛ فالطحين يرمز للحياة اليومية، بينما يحيل الدم إلى الجرح والقتل. والمرأة تمثل جسد الوطن، فحين يختلط فيه الجوع بالعنف. ولا تقف هذه المرأة في مكان مستقر، بل «بين الرواية والمقصلة». الرواية تمثل الذاكرة والحكاية ومكان الشهادة، في حين تمثل المقصلة النهاية القسرية وإلغاء الصوت. وبوقوفها بينهما، تصبح المرأة حارسة لتاريخ وسيرة وطن مهدد بالإبادة.
في تناولنا لقصيدة لهيب عبد الخالق (شجرٌ يهاجر قبل الطيور)، أردنا أن يكون العرض المفاهيمي بشكل عام ينطلق من فرضية "تبسيط النص النقدي" التي عمل عليها "الدغمان" كمنهج لتبسيط النص وتخليصه من التعقيد الاصطلاحي الذي يحجب المعنى عن القارئ، مع الإبقاء على الأسس الإجرائية للتحليل (2).
أبحث عنِّي.. فألقى دمي يتسلّى به العابرون
ومن خلال الصورة المرفقة التي احتواها البيت السابق، تنتقل لهيب بصيغة (المتكلم) في نصها من الحديث عن المكان إلى انكشاف الذات. إلا أن لهيب تضعنا في هذا الكشف أمام صورة غير نمطية، بل بالغة التعقيد، تكشف لنا تحول ملكية "دم" المتكلم لغير صاحبه، والأكثر أنه قد وجد دمه "مادةً لفرجة العابرين"، وهي بذلك الاستبدال تكون قد وظفت "الدم" كرمز للدلالة على الهوية والقرابة والتاريخ، لكن تلك الدلالة يتعامل معها العابرون ( الطارئون) ببرود العابث، لذلك جاءت لهيب ب"أبحث" قرب "يتسلى" متجاوران، لتنشئ صورة للتناقض الذي أرادته بين جدية الفقد واللامبالاة التي يتعامل بها المجتمع.
ولست أطيق السكوت، ولكن صوت البنادق أعلى من الأغنيات
وهذا تعبير أخر عن اللامبالاة، حين يعلوا صوت البنادق على ما سواه، فيغيب العقل، وتطغى الفوضى لتصبح سيدة المشهد، فتخفي رموزعدة، أبرزها القانون، والعرف والتقليد. فيغدو مصير الأجيال سلعة توحي بأنهيار الأفق وليس تجسيد الحزن فقط.
الناس فارقوا أحلامهم
يبيعون فجر الصغار لشيطان هذا الزمان
قدمت لهيب عبد الخالق أبياتها تلك من باب (إن نفعت الذكرى)، أن تضع المسؤولية الأخلاقية على جيل يفترض أن يحمي المستقبل، عبرت عنها ب(الفجر)، وهي استعارة لما هو قادم وللبراءة ايضاً، و(بيعه) يعني تحويل حق الأطفال في الحياة إلى تجارة وصفقات مشبوهة. ولم تكتفي لهيب بأن يكون الموت حاضراً في نصها وبكثافة، بل سعت لأن تصوره سلعة متداولة يباع و يشترى، وله أثمان باهضة يعاد من خلالها برمجة الواقع المخزي، وتُستغل فروضه لتبرير العنف وتغييب الهوية.
وليس من العدل أن نشتري الموت بالذكريات
أبدعت لهيب حين وظفت التعميم الرمزي في خطابها الشعري، فهي لم تذهب للتخصيص، ولا كرست الخطاب المباشر في نصها، ولم توظف التحديد أو المناطقية، او حتى التوصيف في صياغة الخطاب الشعري، بل بنت نصها على عناصر التعميم التوصيفي للحالة العامة بتكريس الدلالة، (شيطان هذا الزمان، صوت البنادق، جيش من الخوف)، ذلك الخطاب المباشر منح نصها قابلية مطلقة للتأويل، بالمقابل هي لم تلغي المرجعية الدلالية في الخطاب، بل سعت وبدقة لتثبيت قراءة النص بوصفه ماساة وطن، وفي دراسة الدكتور خليل إبراهيم "(استقبال النظرية: مثل من نحو النص) إشارة واضحة إلى ذلك المفهوم جاء فيها "يُبين البحث أن استيعاب الخطاب الإبداعي يتطلب الربط بين معايير النص اللسانية والأبعاد الرمزية والتراثية الكامنة في الخطاب. وتتجلى هذه الفكرة في عبارة البحث التي تؤكد أن خير طرق استقبال النظريات النقدية هي التي تعتدل في التنظير وتلتفت إلى التراث" (3).
نتحاور صمتًا، فنحن اثنتان نشف غبار الحكايات
وبقيمة تواصلية جعلت لهيب الصمت لغة للحوار في هذا البيت عن لسان المتكلم، رغم استحالة أن تعبر اللغة المنطوقة عن مغزى الكلام تحت أساليب القمع، لذلك استعاضت بالصمت (نتحاور صمتاً)، لتضفي صفة الزوال على بقايا الحديث (نشف غبار الحكايات) "حديث عابر يتطاير مثل تطاير الغبار"، استبدال رائع ودلالة ضمنية معبرة عن الحدث، ما ينم عن رغبة مستحيلة ومعلقة بين النجاة واستحالة الاستقرار.
شجر في بلادي يهاجر قبل الطيور
قد ينظر البعض إلى هذا البيت على أنه تكرار، لكن في الوافع هو إعادة منتجة وظفتها لهيب لتثبيت الرمزية في النص، فالشجر الذي كان عنواناً يصبح شاهداً، وتتسع دلالته من صورة غرائبية إلى حكم على الوطن. إذا كانت الطيور تهاجر عادةً بحثًا عن الدفء، فإن هجرة الشجر تعني أن المكان فقد شروط الحياة حتى بالنسبة إلى أكثر الكائنات ارتباطاً به "يقوم شعر التفعيلة على أساس تكراري يتمثل في تكرار التفعيلة أو الوحدة الإيقاعية. وتظهر في هذه القصائد أنماط متعددة من التكرار كشفت عنها الدراسات النقدية الحديثة لتمنح النص أبعاداً صوتية وإيقاعية متنوعة" (4).
جيش من الخوف يحكم هذي العقول
لم تقدم لهيب عبد الخالق الخوف كشعور فردي، بل جاءت به كوحدة منظمة تملك السلطة والحضور وقد تكرس في العقول قبل الأجساد، لذلك صورته لهيب في نصها بأنه بات طريقة تفكير أي (منهج)، وأوردت السؤال الأكثر إلحاحاً في نصها، حين قالت:
فأينَ الأمانُ إذا كانَ مَن يَمنحُ السلمَ.. يتركُ للعنقِ ظلَّ الحبالْ؟
لتكرس صورة التناقض المشروع في القصيدة، والذي تمثل ما بين من يسعى للسلم، ومن يتخذ من الحبال أثراً للتسلط. ما يمثل جواباً ضمنياً لتعسف السلطة، وكشف الفجوة بين خطاب الأمان ومن يمارس التهديد والوعيد.
كانَ يبحثُ عن كاذبٍ صادقٍ..
يَستدلُّ بهِ في الزحامْ..
غابرٌ يسرقُ النبضَ من جثّةِ الياسمينِ،
ويعرِضُ للبيعِ ألوانَنا،
مثل آلهةِ الحربِ تجلسُ في ظلِّ مقهى،
وتشربُ شايَ المساءِ،
وتضحكُ من خيبةِ الأنبياءْ..
ونتيجة لاختلاط الحقيقة مع التزييف والخداع، جمعت لهيب عبد الخالق بين النقيضين، فاليوم لانلمس الحقيقة كاملة، وليس هناك شفافية فيما ينقل، لذلك نرى أن الصورة تشي بان الكاذب موثوق، والقاتل مكفول، ما يخلق أزمة معرفة تحتاج إلى تمحيص جاد لتكريس الحقيقة، وذلك لا يحصل إلا ما ندر. أحالت لهيب (الياسمين) إلى جثة جمعتها والزمن، وقالت (غابر)، لتوظف الإسقاط على سرقة الجَمال من تفاصيل الحياة، فهي لم تكتف بالماضي الذي أوردته، بل أعادته ليسرق ذلك الجَمال الذي يمثله الياسمين. فيما عملت على أنسنة الشر الذي مثلته ب(آلهة الحرب) التي وظفت وجودها بتهكم واضح حين أجلستها في المقهى تضحك من خيبة الأنبياء، صورة ساخرة تقدم سيطرة الشر، فتحيل الحرب من خلالها لقوة تتلذذ بانعدام الأخلاق وعجزها وانكسار الثابت من القيم ، "إن المفارقة تقوم في جوهرها على بنية التعارض والتضاد؛ حيث يعمد الشاعر إلى جمع النقيضين في سياق تصويري واحد، ليس بهدف إحداث خلل منطقي، بل لتفجير طاقات النص الإيحائية وصدمة المتلقي، مما يحول التناقض الظاهري إلى تلاحم فني يعبرعن عمق التجربة الوجودية والنفسية التي يمر بها المبدع" (5).
سقطتْ خُطْوتي في الرمادِ،
ولمْ يبقَ في جيبِ ذاكرتي، غيرُ حرفٍ عنيدٍ،
يُفتّشُ عن غائبٍ لنْ يعودَ،
لكي يتعلم كيفَ سنبكي بغيرِ دموعٍ،
ولا كبرياءْ...
السقوط المدوي الذي جاءت به لهيب عبد الخالق في نصها، لم يكن سقوطاً عادياً،بل كان أنهياراً تمثل بسقوط الحركة برمتها ، وليس الذي يمثل تلك الحركة ( أي الأشخاص)، وفي إشارة رائعة أبقت على بعض من القيم التي يعاند البعض بالتمسك بها، ما يوحي بأمل وسط تلك الفاجعة، حين قالت (ولمْ يبقَ في جيبِ ذاكرتي، غيرُ حرفٍ عنيدٍ)، (يفتش عن غائب لن يعود)، لكنها لم تجزم بعدم عودته حين كَرست لبصيص من الأمل، وهو ما يتمثل في مقاومة الواقع المزري الذي يمثله الشر، والذي يتربص عودة ذاك الغائب الذي يرفض الاستسلام على الرغم من عدم امتلاكه أي شيء.
الحرف العنيد المتبقي لا يستعيد الغائب، بل يريد أن يتعلم «كيف سنبكي بغير دموع، ولا كبرياء». هنا تبلغ القصيدة ذروة التجريد: (البكاء بلا دموع يعني أن الحزن صار داخلياً ومستنزفاً، وانعدام الكبرياء يعني أن المأساة نَزعت من الإنسان حتى حقه في التعبير النبيل عن ألمه).
كتبت لهيب نصها ببنية غير مقيدة، لا ينتظم النص عندها في قافية واحدة أو وزن ظاهر، بل يتولد إيقاعه من التكرار، والتوازي، وتجاور الجمل الفعلية، وعلامات الحذف، وتقطيع الأسطر. كررت أصوات ذات صلة بالحرب والفقد: (الدال والراء والقاف والباء)، إلى جانب نهايات مثل (الطريق، الأغنيات، الذكريات، الارتحال، الحبال، الأنبياء، كبرياء). وهذه النهايات لا تؤدي وظيفة القافية التقليدية، لكنها تمنح المقاطع صدى صوتياً متقارباً، يجعل القصيدة تتحرك بين الاستمرارية والانقطاع.
نجحت لهيب عبد الخالق في بناء عالم شعري متماسك تتلاحم فيه المفارقة والتشخيص والرمز والإيقاع الداخلي. وجاءت قوة القصيدة الأساسية في أنها لم تكتفي بتسمية الحرب، بل جعلت آثارها تتحول إلى اختلال في وظائف الأشياء: (الشوارع تتكلم، النوافذ تسرق، المصابيح تخاف، المدن تتبرأ، والشجر يهاجر). وبذلك يصبح الخراب بنية شاملة تمس المكان واللغة والذاكرة والضمير(6).
وقد يلاحظ القارئ أن بعض العبارات تقترب من التقرير، خصوصاً حين تتصل مباشرة بالخوف والبنادق والذكريات، لكن هذه المباشرة لا تفسد التجربة؛ لأنها تأتي محاطة بصور مركبة تمنحها عمقاً إيحائياً. وفي منظور (الفرضية المفرغة)، "والتي انتهج فيها الدغمان "أسلوباً مغايراً لأساليب النقد الأدبي التقليدية التي اتسمت بالغموض وخلق إشكاليات لفظية لدى القارئ"(7). لا ينبغي أن نعدّ وضوح هذه العبارات نقصاً فنياً لمجرد أنها مفهومة؛ فوظيفة النقد ليست تعمية النص لإثبات سلطة الناقد، بل بيان كيف تعمل العبارة داخل التجربة. لذلك يمكن القول ببساطة "إن القصيدة تستخدم لغة واضحة حين تريد إعلان موقفها من الحرب، وتستخدم لغة تصويرية حين تريد جعل آثار الحرب محسوسة في الأشياء والأجساد والذاكرة". كما أن غياب التحديد الزمني والمكاني الصريح يحفظ للنص طاقته الرمزية، وإن كان يقلل من إمكان قراءته بوصفه شهادة وثائقية. في المحصلة، تقدم القصيدة خطاباً شعرياً عن وطن يتآكل من داخله، وعن إنسان يحاول أن يحفظ ما تبقى من صوته (8). وإذا كان القوانين قد وعدت بحماية الإنسان، فإن القصيدة ترد على الوعد بسؤال مرير مفاده: ما قيمة القانون حين يهاجر الشجر، ويعلو صوت البنادق على الحلم والأمل؟.
***
سعد الدغمان
......................
المصادر:
1-أحمد حسين جودة عناي الشريفي، «الصورة الشعرية في الأدب الإنكليزي والعربي»، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، 2-10- 2021.
2- سعد الدغمان، الفرضية المُفَرَغة، آراء في تبسيط النص النقدي، المثقف، 24 تشرين الثاني-نوفمبر- 2023.
3- إبراهيم خليل، «استقبال النظرية: مثل من نحو النص»، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، مج 27، ع 105، 2009، ص 111–145.
4- إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الأولى، 1978.
5-د. ناصر شبانة، المفارقة في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،2002 ،الأردن.
6- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة كتاب "علم المعرفة" (العدد 164)، دولة الكويت، أغسطس 1992.
7- ضياء باني، ذهب لتبسيط المفاهيم النقدية، مقال في صحيفة كتابات، 14 أغسطس 2021.
8- سعد الدغمان، الحداثة في شعر ساجدة الموسوي للناقد،صحيفة المثقف، 6 أيار 2024.








