عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فؤاد ميرز: قراءة في رواية «عند باب الأزج» لنيران العبيدي

وأنا أقرأ رواية «عند باب الأزج» لنيران العبيدي، لم أستطع أن أتعامل مع بغداد باعتبارها مكاناً تجري فيه الحوادث فحسب. فالمدينة كانت تتقدم كلما تقدمت الصفحات، وتتزاحم الشخصيات، وتفرض رائحتها وصوتها وطبقاتها القديمة على الحكاية: الجامعة، المقهى، باب الشيخ، باب الأزج، التكية، الأزقة، المقابر، والشوارع التي تبدل وجوهها حين يتبدل وجه الزمن. لم تعد المدينة وعاءً للحكاية، بل غدت جزءاً من نسيجها ومن المصائر التي تتحرك داخلها.

هذه، في رأيي، واحدة من أهم فضائل الرواية. نيران العبيدي لا تذهب إلى التاريخ من بابه الرسمي. لا تبدأ من القصور والخطب والبيانات لكي تهبط بعد ذلك إلى الناس، بل تدخل إليه من نافذة بيت، ومن خوف أم، ومن نقاش بين الطلبة، ومن فتاة جاءت إلى بغداد للدراسة فاكتشفت أن المدينة ستعلمها أشياء لا علاقة لها بالمناهج والجامعة.

ضحى هي العين التي نرى بها هذا العالم وهو يتسع ويضيق في الوقت نفسه. جاءت إلى بغداد وفي داخلها دهشة القادم إلى مدينة أكبر من معارفه السابقة. أرادت أن تتعلم، وأن ترى، وأن تختبر الحياة بوعيها هي. وتختصر علاقتها الأولى بالعاصمة بعبارة صغيرة وحادة:

«جئت للدراسة، بغداد جذابة وغدارة.» (ص 26)

لكن المدينة التي فتحت لها باب المعرفة فتحت أمامها أبواباً أخرى أقل طمأنينة. الحب، والدين، والعائلة، والطبقة، والسياسة، والخوف. ومن هنا تخرج ضحى تدريجياً من حدود بطلة قصة حب لتصبح الشخصية التي تتجمع عندها أسئلة الرواية.

أهم ما فيها أنها لا تعرف كل شيء منذ البداية. تتردد، وتصدق، وتشك، وتخاف، وتغضب، وتتغير بعض أفكارها مع التجربة. وهذا أقرب إلى طبيعة الإنسان من تقديم امرأة تدخل الرواية مكتملة الوعي، حاملة أجوبتها الفكرية معها. الوعي لا يصل عادة إلى الإنسان دفعة واحدة. التجربة هي التي تفتح فيه مواضع السؤال.

وحين تواجه ضحى محاولة اختزالها في أصلها العائلي تقول:

«أنا ابنة مالك، وهذا لا ينقص من إيماني وتفكيري.» (ص 59)

لا تبدو هذه العبارة إعلاناً أيديولوجياً عن «تحرر المرأة»، بقدر ما هي دفاع عن حق الإنسان في ألا يحكم عليه من اسمه وأصله وميراثه العائلي. ومن هذه المواقف الصغيرة يتكون الجانب النسوي في الرواية بصورة أكثر إقناعاً من الشعارات المباشرة.

الدراسة، واختيار الحب، وتأجيل الزواج، والسؤال في الدين، والخروج إلى المجال العام، والاحتفاظ بحق التفكير خارج الإجابات الموروثة، لا تظهر في حياة ضحى قضايا منفصلة. إنها متشابكة، لأن المرأة لا تواجه سلطة واحدة. العائلة قد تحاصرها باسم الحماية، والمجتمع باسم السمعة، والسياسة باسم القضية، والدين حين يتحول من إيمان شخصي إلى تعريف يضعه الآخرون لها.

لكن الرواية لا تبسط العالم إلى رجال ظالمين ونساء مظلومات. بعض النساء أنفسهن يحملن شيئاً من النظام الذي يقيدهن، ويسهمن، بقصد أو من دونه، في حراسته. وهذا أكثر صدقاً من توزيع البراءة والذنب على أساس الجنس وحده.

ثم يأتي حسين البهرزي. كان من الممكن أن تبقى علاقته بضحى قصة حب مألوفة، لكن الرواية تمنح هذه العلاقة معناها الأعمق عندما يبدأ الغياب. فبعد أن يتراجع حضور حسين المباشر، يصبح وجوده في حياة ضحى مرتبطاً بالانتظار والخبر الناقص والرسالة والخوف والذاكرة. والغائب، أحياناً، لا يختفي من حياة من أحبوه، بل تتولى الذاكرة إعادة حضوره كلما ابتعد الزمن.

ومن هنا تدخل السياسة في العلاقة بين الاثنين، لا بوصفها نقاشاً يجري خارج حياتهما، وإنما قوة تغير مصائر البشر نفسها. تقول ضحى:

«لو كان للحب معنى لما وجدت كل هذه الصراعات... كرهت كلمة السياسة لأنها فرقت ما بيني وأبناء عمومتي.» (ص 50)

تبدأ السياسة في الجامعة والمقاهي نقاشاً بين الطلبة وأفكاراً متعارضة، ثم لا تلبث أن تغادر الكلام إلى الملاحقة والاعتقال والرصاص والموت والاختفاء. عند ذلك يصبح من الصعب الفصل بين الحياة الخاصة والحياة السياسية.

في العراق الذي تستعيده الرواية كان الخلاف السياسي قادراً على اقتحام الوظيفة والبيت والعائلة والصداقة والحب، ثم الوصول إلى حياة الإنسان نفسها. وتكشف شخصية عبد العزيز هذا التحول بقسوة. ما يبدأ موقفاً أو رأياً يتحول إلى مطاردة، ثم ينتهي إلى موت. وعندها تفقد النقاشات الأولى شيئاً من براءتها، لأن السلاح حين يدخل المشهد لا يترك للأفكار المساحة نفسها التي كانت تملكها.

لكن الرواية، وهي تنجح في إظهار أثر التاريخ في حياة الشخصيات، تدخل إلى باب آخر أحياناً عندما تتولى شرح التاريخ بدلاً من تركه يعمل داخل السرد.

تمتلك نيران العبيدي مادة واسعة من الأنساب والعائلات والقبور والأحداث السياسية والشخصيات التاريخية والمرويات الشعبية، وصولاً إلى ابن العلقمي وسقوط بغداد والتحولات الاجتماعية والدينية. ليست المشكلة في وجود هذه المادة، فبعضها ضروري لفهم العالم الذي تستعيده الرواية. المشكلة تظهر عندما تنفصل المعلومة عن حركة الشخصية وتصبح قائمة بذاتها، فنغادر السرد للحظات إلى مادة أقرب إلى البحث التاريخي.

ومن الأمثلة الواضحة افتتاح أحد المقاطع بهذه الصيغة:

«كان بيدي كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي، يقول ابن العلقمي وزير المستعصم بالله خائن...» (ص 95)

السؤال التاريخي هنا مهم، لكن الأهم روائياً هو الطريقة التي يدخل بها إلى حياة الشخصية. فهناك فرق بين أن نعرف التاريخ لأن ضحى اصطدمت بأثره في حياتها، وبين أن تتوقف حركتها كي يفسح السرد المجال لمعلومة تاريخية مطولة.

الرواية تكون أقوى كلما وثقت بالمشهد. جنازة تمر في الزقاق، امرأة تنتظر خبراً، مقهى تتغير وجوه رواده ونبرات أصواتهم، كلها تستطيع أن تحمل من السياسة والتاريخ أكثر مما تحمله أحياناً صفحات التفسير. المشهد الروائي لا يحتاج دائماً إلى أن يقول كل شيء، لأن جزءاً من قوته يأتي مما يتركه للقارئ.

ولهذا كنت أميل أكثر إلى المقاطع التي تخف فيها رغبة الراوية في الشرح، وتبدأ التفاصيل الصغيرة بأداء دورها. بغداد في هذه المقاطع حاضرة بقوة. رائحة ماء الورد، حلقات الذكر، أصوات الباعة، التكايا، المقاهي، المتسولون، الجسور، الشوارع، الجنازات، المقابر، الشتاء، ومياه الأزقة.

حتى عبارة عابرة مثل:

«رائحة ماء الورد تكثر على القادمين من كربلاء.» (ص 31)

تمنح المكان جسداً وحاسة وذاكرة. تستطيع الوثيقة أن تحدد الحكام والانقلابات والسنوات، لكنها لا تستطيع دائماً أن تستعيد رائحة الشارع ولا صوت الناس ولا ملمس حياتهم اليومية. هنا تتقدم الرواية إلى المنطقة التي تعجز عنها الوثيقة.

والمكان عند نيران العبيدي ليس مجرد أسماء تحفظها ذاكرة بغداد. لكل مكان طبقته الاجتماعية ونبرته وطريقته في تشكيل حياة من يسكنه. وحين تنتقل ضحى بين الأمكنة، فإنها لا تقطع مسافة جغرافية فحسب، بل تنتقل بين مستويات اجتماعية وتصورات مختلفة عن الحياة.

حتى الشارع نفسه يتغير مع الزمن. الطريق الذي كان ممراً إلى الجامعة والمقهى وموعد الحب يمكن أن يصبح بعد ذلك طريقاً للخوف أو الجنازة أو المطاردة. ولا تحتاج المدينة إلى أن تعلن إصابتها لكي نشعر بما حدث لها. يكفي أن تتغير علاقة الناس بشوارعها.

وثمة طبقة أخرى في الرواية تتصل بالعلاقة بين الذاكرة والحقيقة. فالراوية تنقب في القبور والأنساب والحكايات وما يقوله الناس، وتحاول أن تعرف أين ينتهي الخبر وأين تبدأ الأسطورة العائلية. وهذه منطقة خصبة في السرد العراقي، لأن تاريخ البلاد لم يكن محفوظاً في الكتب وحدها. هناك تاريخ يعيش في اسم الجد، وفي البيت الذي هدم، وفي قبر تختلف الروايات حول صاحبه، وفي حكاية تتناقلها العائلة حتى تختلط فيها الحقيقة بما أضافته السنوات.

وأظن أن الرواية كانت تستطيع أن تذهب أبعد في هذا الاتجاه لو تركت بعض هذه الحكايات في منطقة الالتباس، من دون محاولة الوصول دائماً إلى تفسير نهائي لها. فالشك نفسه قد يكون أحياناً جزءاً من حقيقة الذاكرة.

أما اللغة، فإنها تكون أكثر حياة حين تقترب من ألسنة الناس ولا تحاول تهذيبهم أدبياً أكثر مما ينبغي. الحوار العراقي يمنح الشخصيات حرارة وانتماءً، واللهجة ليست زينة محلية تضاف إلى الرواية، بل تساعد في تحديد الشخصية ومكانها وعمرها وطبقتها الاجتماعية.

لكن اللغة تصبح أثقل عندما تكلف بعض الشخصيات بشرح خلفيات تاريخية للقارئ. عندها لا نعود دائماً نسمع الشخصية نفسها، بل نسمع المعلومة التي يريد السرد إيصالها من خلالها. وكان من الممكن أن تستفيد هذه المقاطع من شيء من الاختصار والتحرير.

الرواية لا تحتاج إلى المزيد من المادة. لديها منها ما يكفي وأكثر. ما تحتاجه أحياناً هو الانتقاء، لأن كثرة المادة لا تتحول وحدها إلى قوة روائية.

في «عند باب الأزج» أكثر من مسار: سيرة امرأة، وذاكرة مدينة، وقصة حب، وتحولات سياسية، وأنساب عائلية، وتأمل في الدين والتصوف والتاريخ. تكون الرواية في أفضل حالاتها عندما تمر هذه المسارات جميعاً من خلال تجربة ضحى، وتضعف حين يستقل أحدها عنها زمناً أطول مما يحتمل السرد.

ولهذا لا أظن أن قيمة الرواية الأساسية تكمن في إحكام الحبكة بالمعنى التقليدي. فهي ليست رواية تتحرك وفق بناء شديد الاقتصاد، ولا يخدم كل جزء فيها وظيفة محسوبة بدقة. قوتها في مكان آخر، في قدرتها على استعادة عالم كامل بتناقضاته وطبقاته وذاكرته.

نشعر أن وراء الصفحة حياة كانت موجودة فعلاً، وأن الشخصيات لا تتحرك في فراغ تاريخي. وهذه من الأشياء التي يحتاجها السرد العراقي حين يعود إلى ماضيه، لا لكي يعيد سرد الأحداث الكبرى مرة أخرى، وإنما ليستعيد الإنسان الذي كان يعيش تحت ثقلها.

من السهل أن نعرف أن انقلاباً حدث، أو أن نظاماً سقط، أو أن حزباً صعد وآخر اختفى. لكن الرواية تذهب إلى نتائج أخرى لهذه الأحداث: ماذا جرى لفتاة كانت تحب؟ ماذا حدث لأم تنتظر ابنها؟ ماذا بقي من صداقة قديمة؟ وكيف يتحول طريق كانت تسلكه امرأة بلا خوف إلى مكان تتلفت فيه وراءها؟

لهذا بقيت ضحى في ذهني أكثر من كثير من الأحداث السياسية، وبقي حسين مرتبطاً في الذاكرة بغيابه، وبقيت بغداد حاضرة وراء الجميع.

بغداد البيوت والمقاهي والأزقة والطلبة والأمهات والعشاق. ليست بغداد الصورة التي تحفظها الكتب السياحية، ولا بغداد التي تتنازعها الخطب السياسية، وإنما المدينة التي يحملها من عاشوها حتى بعد أن تتغير بعض ملامحها أو تختفي.

وقرب النهاية تأتي عبارة تلتقي فيها ذاكرة الحبيب بذاكرة المدينة:

«تذكرتك مرة أخرى، وكيف لا وأنت لا زلت هنا في القلب، في هذه الأزقة المثقلة بالتراب والخيبات.» (ص 150)

ومن هنا يكتسب عنوان «عند باب الأزج» معنى يتجاوز الإشارة إلى حي قديم. الباب يصبح موضعاً تتجاور عنده الأزمنة والحكايات، وما عاشته الشخصيات، وما بقي منها بعد أن تغيرت المدينة وتغير العراق.

قيمة الرواية، في رأيي، ليست في أنها تخبرنا بما حدث للعراق، فالوثائق وكتب التاريخ أكثر قدرة على تسجيل الوقائع وتواريخها. الرواية تفعل شيئاً آخر. إنها تنظر إلى أثر تلك الوقائع في البشر، وإلى ما يبقى في حياتهم وذاكرتهم بعد مرور الأحداث الكبرى.

والسؤال الذي يبقى بعد القراءة ليس فقط: ماذا حدث للعراق؟

بل ماذا حدث بأولئك الناس العاديين الذين حاولوا أن يعيشوا حياتهم بينما كان العراق يتغير من حولهم؟

***

فؤاد ميرزا

في المثقف اليوم