عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

جبَّار ماجد االبهادليّ: ثُنائيَّةُ الحُضُورِ والغِيابِ وَشِعريَّةُ التَّمرُّدِ

قِراءةُ تأمُّليَّةٌ فِي مُدوَّنةِ (صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، لِكرَّار حدَّاد

1- شِعريَّةُ العُنوانِ:

(صَفعةٌ عَلَى وجْهِ الغِيَابِ)، جُملةٌ شعريَّةٌ اسميَّة فارقة الأثر، وعتبةٌ عنوانيَّةٌ صارخةُ الضرب لديوانٍ شعريٍ قوِّيٍّ ناريٍّ وتمرُّدي، وهي في الأصل مجموعة قصائد شعر نثريَّة لمؤلِّفها الشَّاب الطموح المثابر الشاعر كرَّار حدَّاد، والصادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار منشورات الزمن بكركوك،

وقد مزجَ شاعرها المنتج الهُمام بهذه العَنونة الجريئة بين لُغة الانزياح الشِّعري الثوري التمرُّدي، وجماليات بلاغة الاستعارة التصريحية البيانية، أي أنَّه جمع بين لغة الاثنين معاً تآلفاً وتوائماً، وبذلك التَّشكيل المِعماري الهندسي يُعدُّ العنوان انزياحاً شعريَّاً قاراً مائةً بالمائةِ، وإن كان التوليف بينهما مُتوحدناً بلغة وأسلوب انزياحي تصريحي واحدٍ لا يمكن التفريق بينهما إبداعيَّاً،

فمن حيثُ أنَّهُ انزياحٌ شعريٌّ؛ كون الشاعر حدَّاد قد خرجَ باللُّغة من سياق المألوف العام التداولي المُعجمي إلى نسق اللَّا مألوف الخاصِّ التعبيري، فكسر بذلك أفقَ التَّوقُّع الحالي حينما قال مُنزاحاً: (صَفعةٌ عَلَى وجهِ الغِيابِ)؛ لأنَّ الطبيعي المُتعَارَف عليه أنْ يَقولَ مُقِرَّاً: (صَفعةٌ عَلَى الوِجْهِ)، وهُنا الشَّاعر اللبيب قد زَحزَحَ الوجهَ الإنساني المَادي المَعروف إلى (الغِيابِ) اللَّا مَادي غيرِ المَعروف،

وهو ما يُعرف نقديَّاً بالمَفهوم المعنويّ المُجرَّد وليس المفهومَ الماديَّ المَحسوس المُقرَّبَ، فَكسرَ الشَّاعرُ النَّابهُ الوَاعي بذلك التعبير الشعري الُعنواني المُتفرِّد قانون اللُّغة العادي، وهذا هو ما يُسمَّى ب (الانزياحِ الشِّعريّ) عَينِهِ لُغةً وتعبيراً وإبداعاً، إذنْ العُنوان الرئيس بأكمله يعدُّ انزياحاً؛ لأنَّه جعل للغياب وجهاً إنسانياً يُضربُ صفعةً، أمَّا كونه استعارةً تصريحيَّة؛ فإنَّه قدْ ذكرَ المُشبَّهَ بهِ المُصرَّحَ به وَهوَ (الوَجْهُ)، وحذف المُشبَّهَ وَهوَ (الغِيابُ)، وكذلك حذف من الجملة أداة التشبيه بلاغةً ونضوجاً،

وهذا يعني أنَّ كرَّاراً الشاعرَ قد شبَّهَ الغيابَ (عَدمَ الحُضورِ) بإنسانٍ قائمٍ حاضر بذاته له وجه يُصْفَعُ، وحذف الإنسان المصرَّح عنه بالوجه؛ ولهذا يكونَ تعبيرُهُ (وَجْهِ الغيابِ) استعارةً تصريحيَّةً، ويكون العنوان بأكمله (صَفعةٌ عَلَى وَجْهِ الغيابِ) انزياحاً شعرياً صادماً وعَنيفاً مُرَّاً غيرَ مُتوقَّعٍ أبداً،

وعلى وفقِ ذلك التَّصريحِ الجُمَلي الشعري المُبتَدَع أصبح العُنوانُ قَويَّاً جدَّاً ومُؤثِّراً وناجحاً؛ بوصفه عنواناً جمع بين دالتي (العنفِ والغِيابِ)، أي قَرَنَ المُزاوجةَ بين الصفة الماديَّة فعلِ (الصَّفعِ)، والصفة المَعنويَّة أثرِ (الغِيابِ)، وأكدَّ فاعليَّة المُواءمة بينَ ثنائيةِ (الحُضورِ والغِيابِ)، أو مَا يُسمَّى بجدليَّة الفَعلِ والفَعلِ المُضادِ بين فعل الصَّفعة التي تمثّل الحُضُورَ القَوِّيّ، والغِيابِ الذي يُمثِّل اللَّا حضور المعنوي، وأن هذا اللَّون من التَّشكيل العُنواني المَائز التَّعبير يَشِي بكونه تمرُّداً ثورياً عنيفاً على جدار الواقع النسقي التَّداولي الصُلب القارّ على الرُّغم من علامات التشظي الأمل والألم والوجع والتِّيهِ والضياع والرفض والتمرُّد التي نستشعرُ فعلها الحدثي المُلتَهِب في نصوص الشاعر،

إنَّ هذه المقدِّمَةَ المِهَاديَّةَ النقديَّةَ لِشعريَّةِ العُنوانِ تُؤكِّد كُلَّ التأكيد أنَّه ديوان شعر لقصائدَ نثريَّةٍ دالةٍ على لُغة التَّمرُّد وأسلوب الرَّفض والحِجاجيَّةِ الطامحة بالتَّجديد والتأثير والتغيير نحو الأفضل، وكأنَّ لِسانَ حَالِ الشَّاعر كرَّار يَلهجُ القولَ بالإيحاءً تارةً، وبالتلميح تارةً أُخرى، وبوسيلة التَّصريح تارة ثالثةً قَائلاً: أنَا أكتُبُ الشِّعرَ لِكي أضرِبَ وأصفَعَ، ولَا أكتُبَ الشِّعرَ كَي أبكيَ وأحزنَ وأتَوجَّعَ وأنكُصَ مَأسوراً ومَأزومَّاً في وَحَلِ الهَزيمةِ، وإنَما عنواني الكبير هو المقاومةُ لا الاستسلامُ الذَّليلُ،

أمَّا العُنواناتُ الفَرعيَّة الدَّاخليَّة الأُخرى للنصِّ الشِّعري المُوازي والبالغةُ أربعةً وثلاثينَ عُنوانَاً، والتي هي عددُ قَصائدِ الدِّيوان؛ فإنَّ أكثر من عِشرينَ عُنوانَاً مِنهَا قدْ جاءتْ صياغتُهُ التَّركيبيةُ والتعبيريَّةُ على شكل جُملٍ شِعريَّةٍ فنيَّةٍ وجماليَّةٍ لافتةٍ بإشراقاتِها الضوئيَّةِ نظرَ القَارئ لها وانجذابَ المُتلقِّي الواعي إليهَا تَفكُّرَاً بها وتأمُّلاً بنسغها، وكانت موضوعاتها الفكرية وثيمها الشِّعرية تَنبضُ بِحبِّ المَرأة والحياة والأمل والألم والفناء والذات والوجود الآخر، وعن الطبيعة المُتحرِّكة والمتاهة،

وَلَعلّ هذا التَّراتُب العُنواني المُذهلِ تَنظيمَاً وتركيباً يُحسبُ إبداعياً وفنيَّاً لأُسلوبيَّة الشاعر وقُدرتهِ الشِّعريَّة الفذَّةِ على مُمارسة الإنتاج والابتداع والتَّخليق الفنِّي في تأثيث عنواناتٍ شعريَّةٍ جاءتْ صادحةً ومُشرقةً ونابضةً بديوانه، (الأفقُ جَريمةٌ مُؤجَلةٌ، جُرذانُ المَقهَى تَنهشُ ظِلِّي، عَنادُكِ العَذبُ، جَناحٌ يِتآكلُ فِي فَم ِالرِّيحِ، تَرنيمةُ الفَناءِ، نَبضُ الوُجودِ الغِائبِ، الأمُّ مَدرسةٌ، نَيزكٌ يَسكُنُ قَلبِي، عِندَمَا تَغدو الحَياةُ حَفلةً تَنكُّريَّةً، لِأنَّكِ جِئتِ تُغيَّرَ الكَونُ، اللِّصُّ والدِفءُ الأخيرُ، نَكدٌ بِطعمكِ الجَميلِ، حِينَ تَخَلَّتِ الجُذورُ عَنْ أبنائِها، حِينَ غَابَ ظِلَّهُ، أنغامٌ مُعتَّقةٌ، نَبِيٌّ مَنسيٌّ، كُلُّ رُومًا تٌؤدِّي إليَّ، عُصفورٌ يًكتبُ وَصيتَهُ إلَى الرِّيحِ، الكَافورُ يُزهِرُ فِي فَمِ أُمِّي، حِينَ صَلَّى النَّدمُ وًحدًهُ، مَقصُّ الثَّأرِ)، وغيرها من العنوانات المباشرة التي تقترب كثيراً من الشِّعريَّة في ثيم صياغتها التعبيريَّة،

ونذهب في هذا الاتّجاه إلى عنوان قصيدته (جَناحٌ يَتآكلُ فِي فَمِ الرِّيحِ) الدالة على لوحة معانيها التجريبية البعيدة، ونقرأ من خلالها عمق أفكار كرَّار حدَّاد وصدق تجربته الشُّعوريَّة المحتشدة، ونستشرف في الوقت ذاته جماليَّات صوره الشعرية المُتحركة والثابتة والتقاطاته الزمكانية الهادفة:

أترُكُ رِسالَةً

لَكِ وَحدَكِ فِي مَسرحِ الصَّمتِ

حُروفُهَا تَئِنُّ تَحتَ وَطأَةِ الزَّمنِ

وَتَسقَطُ كَأوراقِ الخَرِيفِ

تَتَطايرُ فِي الهَوَاءِ

تَبحثُ عَنْ قَلبِ يِقرؤُهَا

أتركُ رِسالةً تَهمسُ فِي العَدَمِ،

(صَفعةٌ فِي وَجهِ الغِيابِ، ص 20)

إنَّ تكرار جُملة (أتركُ رِسالَةً..) خمس مرَّاتٍ في مقاطع القصيدة نفسها دليل نقليٌّ مباشرٌ على تأكيد فاعلية الترك لهُويَّة الآخر الذي وقع عليه فعل الترك المحبَّب؛ لتصل الرسالة إليه كاملةً دون واسطة أخرى، وأنَّ أفعال المضارعة الحالية أو المُستقبلية (أتركُ، وتَئنُّ، وتَسقطُ، وَتَتطايرُ) أسهمت إسهاماً كليَّاً فاعلاً في تجسيد وحدة الحدث الموضوعية المتعاضدة، وتفعيل مسار رقعة مشاركتها الزمكانية لواقعة الدفقة الشُّعوريَّة التي جرت فعليَّاتها الحدثية الواثبة في مسرح الصمت الشعري،

وإنَّ جملاً شعريةً صوريةً مُؤنسنةً احتشدت بنيتها التركيبية أربع مرَّات متتاليةً في مقطع واحدة من القصيدة ذاتها مثل (حروفٌ تَئنُ تَحتَ وَطأةِ الزَّمنِ)، و(وَتَسقطُ كَأوراقِ الخَريفِ)، و(تَتَطايرُ فِي الهَواءِ)، و(تبَحثُ عَنْ قَلبٍ يقرؤُها)، هي كفيلة في نقل معالم الواقع التداولي المُرّ ورسم لوحته الفنيَّة الحزينة، وهذا التجريب الشعري الذي يتقنَّع خلفَهُ الشَّاعرُ مُضمراً تارةً، وظاهراً تارةً أخرى دليلٌ واضح على حُسن تجربته الشعريَّة، وعلامةُ صِدقٍ على تَفَتُّحِ موهبته وَسعةِ ثقافته الشِّعريَّة المَكينَة،

2- شِعريَّةُ النِّصِّ المُوازِي:

من يقرأ بعينٍ شعريةٍ ونقديةٍ ثالثةٍ قصائد كرَّار حدَّاد النثرية الموثَّقة مُتونُ صفحاتها الورقيَّة في مجموعته الشعريَّة المَوسومةِ (صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، النافذة الضوئية المُشرقة لتي أطلَّ منها على آفاق ورؤى عالمه الشعري الداخلي الموَّار بفعل التَّداعيات الإشكاليَّة المُتحركة، والمُضمَّخ فنيَّاً بوجع المفارقات الإنسانيَّة المتشابكة، والالتقاطات الجماليَّة الفاعلة، سيجدْ أنَّ الشَّاعر الواثب الثائر يبحث بتؤدةٍ في محاولاته الذاتية الأنويَّة وتجربته الشِّعريَّة الموضوعية المُنتَخَبَةِ الحديثة عن أثر تجلِّيات اللَّحظة الشُّعورية الفارقة وتمظهراتها الفنيَّة الهاربة، وَيُلاحقُهَاً فكريَّاً وفلسفيَّاً وإنسانيَّاً،

وأنَّ قصائده التَّحرُّريَّة هذه تخضعُ حتماً لاشتراطات ونهج عناصر قصيدة النَّثر الناجحة من حيثُ شعرية (التكثيفِ، والتَّركيزِ، والتَّرميزِ، والإشراقِ اللُّغويّ والمِعنويّ، والإيقاعِ الدَّاخلي)، وغير ذلك من تَقعيداتِ قصيدة النثر الحقيقية المُواكبة لِلحداثةِ، وما بعد الحداثة الشعرية، وفضلاً عن هذا كُلِّهِ سَيجدُ المُتتبعُ أيضاً أنَّ قصائده النثرية ذاتَ الطابع الفَردي الأنوي والجَمعي الإنساني المُشترك تأخذ من صفاتِ الشِّعر عَامةً، عَدا الإيقاع الخارجي (الوزنُ والقافيةُ) الكَثيرَ من عناصره الفنيَّة والأساسيَّة المهمَّة مِثلَ، (التَركيزِ المَعنوي، والوحدةِ العُضويَّةِ، ولُغةِ الإبداعِ الشِّعريّ، وثَراءِ الإيحاءاتِ والمَرموزاتِ الدَّلاليَّةِ القَريبةِ والبَعيدةِ، وعنصرِ الإدهاشِ الشِّعري الصَادم والمُباغتَة):

كُلَّمَا تَعسَّرتِ الفَريضَةُ الخَامِسةُ

لِعاشقٍ مِثلِي صَلَّى فِي مِحرابِهَا

وَلَا يَعرفُ كَيفَ يِتِمُّ السُّجودَ!

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 61)

فكرَّار حدَّاد في تأثيثه الشِّعري لقصائده النثريَّة هذهِ قدْ قرَّبَ فنيَّاً وإبداعياً هُوَّةَ المَسافةِ بينَ لُغة الخطاب الشِّعري (المُوزون عَروضيَّاً)، والنَّثري غير الموزون إيقاعيَّاً مِنْ خلال تحرُّره التَّجديدي الواعي من قيد النظام الخليلي العَروضي وإلزاماته الكثيرة، ذلك النظامُ الصارم الَّذي ظَلَّ كثيراً حاجزاً بينياً ونفسيَّاً مؤثراً في مسيرة الشعر العربي الحديث كما يرى أدونيس في عملية التجديد والتطوير والتغيير المواكبة لحركة العصر وتحوُّلاته الثقافيَّة والسياسيّة والاجتماعيَّة والفلسفيَّة الجَمَّة الدالة على التَّحرُّرِ والانعتاق الذاتي الذي يسعى إليه إنسان هذا العصر الجديد ويَتوقُ لِدَفقِ حراكه،

لقد كشفتْ قصائد الشَّاعر الشَّاب حدَّاد النثريَّة عن طاقاتٍ تعبيريَّةٍ خَلَّاقةٍ، وعن أساليبَ شِعريةٍ فذةٍ مَشحونةٍ أُسلوبيتها المُعجمية بأرصفةِ الدَّهشةِ ومَرافِئ الصَّدمةِ وشطآنِ الحَقيقة المَبتدعةِ الحَقَّة، والتي لا تستطيع قصيدة العمود الشعري الوزنية أن تستحضرها كُليَّاً مثلما تستدعيها قصيدة النثر الشعرية الصَّعبة، وتستنطقها إنتاجياً وتخليقيَّاً وزمكانيا عبرَ أثير هذه المِساحة الفنيَّة من فضاء الحُريَّة التعبيرية المُتدفقة الأخاذة، وكثرة الانتقالات الشعورية والموضوعية الدافقة الخَطرة، والمَواقف الشِّعريَّة المُتجدِّدة النابعة من رَحمِ فلسفة الشَّاعر الشخصية، ومن آيدلوجيا تمظهرات مُعجمه الشَّعري شكلاً ومضموناً ولُغةً وتجربةً تفرديَّةً ناهضةً تستدعي الباحثينَ والنُّقادَ لقراءتها:

أنتِ الخَطيئَةُ الأخيرَةُ

الِّتِي اِختبَأتْ فِي عَباءَةِ اللهِ

قَبَّلتُكِ السَّماءُ بِقُبْلًةٍ فًسقطتْ كًشظيَّةٍ مُشعَّةٍ

أحرقَتْ عَوالِمَ بِأكملِهَا

(صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ، ص 70)

لَقدْ أظهرِ الحِسُّ النَّابهٌ لِكرَّار حِدَّاد عما في دواخل نصوصه الشِّعريَّة من مكنوناتٍ دُرَريَّة وصَدفيَّةٍ ثمينةٍ بالغةٍ الأثرٍ، ومخبوءاتٍ مُوضوعيَّةٍ وجماليَّةٍ مُتجدَّدةِ النَّظرِ، وكشفً عن قُدرةٍ شِعريَّة وإبداعيَّةٍ تخليقيةٍ في التأليف الشِّعري المُتعدَّد الدِّلالاتِ والإيحاءاتِ التعبيريَّة القريبة والبعيدة الهادفة في تنمية حِفريَاتهِ المُلتقطة واقعياً، وتعضيدِ فتوحاته الشِّعريَّة الحَديثة التي تُشكِّلُ الهَاجسَ لِوجعِ شِعريتهِ:

فِي تِلكَ الزَّوايَا المُظلمَةِ مِنْ أرواحِنَا

تَكمنُ الحَقيقةُ الصَّادمَةُ

الَّتِي لَا يَرغَبُ أحدٌ فِي مُواجهتِهَا

نَحنُ الَّذينَ اِخترنَا الحَياةَ بَينَ الكِلابِ وَالقِطَطِ،

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 28)

3- شِعريَّةُ التَّمايزِ الأُسلوبِي:

إنَّ ما يُميِّز شعريَّة التمايز الأسلوبي لكرَّار حدَّاد في قصائد مدوَّنته الشعرية الثائرة بالهمِّ والوجع (صَفعةُ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، أنَّها في كثير من الأحايين -ومنْ دُونِ مُبالغةٍ فِي التَّوصيف- تمتلكُ تأثيراً أُسلوبياً مُقنعاً، وسحراً صوتياً واضحاً، وتبرز إيقاعاً أسلوبياً مُعبِّراً، وأشدَّ ظهوراً وإشراقاً في تكوين جمالياته التعبيريَّة، وفي تأثيث بنيته التركيبية للجُمل والعبارات الشعريَّة المرتبطة بوحدة الموضوع، والتي تُشكِّل نسيجَ وحدة القصيدة العضوية الكبرى جسداً وروحاً، وسبكاً وحبكَاً لُغوياً ودلالياً دقيقاً لواسطة العِقد الفَريد الذي لا تَنفرطُ حبَّاته المُنتظمة، ولا تنقطع جواهره المُنصهِرَةَ،

وتسعى في الوقت ذاته قصائده النثرية على قلَّة تجربته الشِّعريَّة إلى خلق زمن شعري وثقافي واسع المدى معاً؛ فتكون فضاءً رَحباً لجنسٍ شعريٍّ جديد، وقد يخرجُ الشاعر المُهتاج فيها أحياناً عن صمت سكَّته الشِّعريَّة الواثبة إلى أنْ يكون الخطاب الشعري لديه نصَّاً مفتوحاً تماشياً مع لُغة ما بعد الحداثة الشعرية، وقد بلغ الهجس الشُّعوري الذاتي والشِّعري الفائر بالشاعر كرَّار حدَّاد في انطلوجيا تكراراته النصيَّة، ومرجعيات أنساقه الثقافية المُضمرة، وتناصَّاته التاريخية والدينية والأدبية والمكانيَّة والمَعرفيَّة المُعبِّرة عن وجعه الشِّعري وهمِّه المُستديم أنْ يكون صوته المحكي الشعري أشبهَ بنبيٍّ مَنسيٍّ في التاريخ الحديث، وليس صدى عابراً لحدودها وأقانيمها الوجودية:

بِالدِمُوعِ الَّتِي اِدَّخَرتُها فِي هَذَا الوَطَنِ

سَأشترِي مَنفىً وَسَأبلغُ البَحرَ

أوْ أُسافرُ مِنْ خِلالِهِ عَلَى بَقايَا آخرَ السُّفنِ

بِشراعٍ عَصفتْ بِهِ رِياحٌ لِسنينَ بِلَا أمَلٍ

لَستُ سِوَى لَاجِئٍ يَعيشُ عَلَى هَامشِ الحَياةِ

مَا ذَنبِي يَا نُوحُ؟

كَفَى بِحقِّ اِللهِ أنْ تَتركَنِي غَرِيقَاً

فِي عِراقٍ ارتَضَاهُ اللهُ قِبْلَةً لِلنحرِ،

(صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ، ص 62)

ولكنه أيُّ نبيٍّ هذا؟ النبيٌّ الغارق بدمه المِهراق ووجعهِ الإنساني المَذبوح في عِراق صارَ قِبلةً للانفلات وَمَحجَّةً للقتلِ والنحر والدماء الرخيصة على الهُوِيَّةِ، ومثابةً للتِيهِ والضياع والتشظي والانشقاق الذي أسقطته مقارباته الشعرية النابضة بالألم في عُتمة زَحام رُوما، وفي متاهات سوقِ (المَاجديَّة) وشعابها الحزينة، وتراتيل رعد زامل السومريَّة، ووقع أناشيده الكونية المُضمَّخة بأحمال الوجع الجَنوبي في أرصفة الدهشة ومَلاذات الشَّكوى والتَّغريب، وخَيباتِ الأحلام الفاشلة والتمنيَّات المُرَّة الموءُودة، حيثُ يَبدأ العَالمُ السِّحرِيُّ عِندَهُ بأفقَه الشِّعري الموعودِ وينتهي بخيباتٍ تأكلُ خَيباتٍ، فالحياة عن كرَّار حدَّاد أشبهُ بحفلةٍ تَنكُّريَّةٍ تبدأ بدعوات الرِّب العَليَّة وتنتهي بالضياع دونَ جدوى:

فِي آخرَ زَاويَةٍ مِنْ سُوقَ (المَاجِدِيَّةِ)

أعنِي أُستاذَاً لًمْ يَكسبْ شَيئَاً سِوَى الدُّروسِ الفَارِغَةِ،

وَلَنْ يُقابلَ اللهَ إلَّا بِقصيدةٍ قَالَهَا رَعدُ زَاملُ

أصحُو عَلَى ضَرباتِ الجَزَّار الَّذِي يُقَطِّعُ هُدوئِي المِزعُومَ

تُرًى مَنْ يُنقذنِي مِنْ حَياتِي؟ مِنْ هَذهِ الحَفلةِ التَّنَكُّريَّةِ؟

سَأموتُ وإلَى الآنَ لَمْ أتعرَّفْ بِها عَلَى أَحَدٍ،

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 37، 38)

ويبقى الألم المستديم والوجع الجريح الصبور، والاغتراب الوجودي هاجساً ذاتياً مُلحَّاً في شعريَّة كرَّار حدَّاد التَّمرُّديَّة، وعلامةً إنسانيةً شاخصةً من علاماتِ ثورية الشعر المُقاوم، ومهمازاً حضورياً نفسيًّاً وهَّاجاً مُوقظاً يُعدُّ من أهمِّ أدوات الشَّاعر الثائر على نفسه أولاً، وعلى عقابيل محيطه الوجودي الآخر، ذلك التمرُّد الإيجابي الذي لا يَعرف لُغة الذُّلِّ والخنوع والانقياد السهل من أجل وضاءة النفس الكريمة وتعفيرها شعريَّاً بدمِ الحُريَّة الحمراء التي لا تُوهب لمن يَرومُها دون مقاومةٍ فذَّةٍ وتضحياتٍ جِسَامٍ قبلَ وضاءتها بنمير الماء المُطهِّر الذي يُمكنُ الحصول عليه بالمجانِ،

لقد دَرَجتِ العادةُ أنْ يكونَ الشِّعر الحقيقي صوتَ الشَّاعرِ العالي المُدوُّي وثورته الشعرية البيضاء المِقدَامة على رهانات الظُّلم وتَخَرُّصَات الظالم، فكان كرَّار حدَّاد في خطاب مدوُّنته النثرية الصوتَ المَحكيَ والثائر شعريَّاً، وكان صُنوهُ الآخر هو الصدى الناتج عن رجع ذلك الصوت الذي اخترقَ الحَواجزَ والبُروجَ المُشيَّدَةَ وملأ الأجواء بالعدل والإنصاف، فكان الشعر بحقٍّ ميدانَ القتال، وكان الشَّاعر المثابرُ الجنديُّ الباسل الأمين المحافظ على صوت القصيدة المُتفجِّرة عبر الزَّمكان.

*** 

د. جبَّار ماجد االبهادليّ

في المثقف اليوم