عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: لذّةُ النصِّ عند سليم بركات.. حين تتحوّل اللغة إلى كائنٍ حيّ

سليم بركات لا يمنح قارئه النصَّ بوصفه طريقاً مستوياً إلى المعنى، بل يضعه أمام مغامرة لغوية تتقدّم فيها اللغة على الحكاية، ويتحوّل المعنى من نتيجة جاهزة إلى احتمالٍ يتشكّل أثناء القراءة. ومن هنا يمكن مقاربة «لذّة النص» عنده من خلال ذلك التوتر الخلّاق بين غرابة العبارة، وكثافة الصورة، وانفلات الدلالة، وموسيقى الجملة.

إنّ اللذة في نصوص بركات ليست لذة الاستسهال؛ إنها لذة الاكتشاف والمقاومة والتأويل. فالقارئ لا يستهلك النص، وإنما يشارك في إنتاجه. كلّ استعارة تفتح باباً، وكلّ انزياح لغوي يربك المألوف، وكلّ جملة تبدو كأنها تخفي وراءها جملةً أخرى لم تُكتب بعد.

١. اللغة بوصفها موضوعًا للنص

يكتب سليم بركات من داخل اللغة لا من خارجها؛ ولذلك لا تكون اللغة عنده مجرّد وعاء للفكرة، بل تصبح مادةً جمالية قائمة بذاتها. إنه يغامر بالتركيب، ويعيد ترتيب العلاقات بين الكلمات، ويمنح الألفاظ مجاورات غير مألوفة، حتى تبدو الكلمة وكأنها اكتشفت للمرة الأولى.

وهنا تكمن إحدى أهم مصادر اللذة: أن ترى اللغة وهي تتخلّق أمامك.

فالعبارة البركاتية لا تقول الشيء بالطريقة التي ينتظرها القارئ؛ إنها تستدرجه إلى منطقة أخرى، حيث تتجاور الحقيقة والخيال، المحسوس والمجرّد، الذاكرة والأسطورة، الأرض واللغة.

٢. لذّة الانزياح

الانزياح عند بركات ليس زينة بلاغية، وإنما هو آلية لتغيير علاقتنا بالعالم. حين يبتعد اللفظ عن استعماله المألوف، لا يزداد النص غموضاً فحسب، بل تتسع إمكاناته التأويلية.

وهنا يمكن استحضار مفهوم رولان بارت عن لذّة النص؛ فاللذة تنشأ عندما يفلت النص جزئياً من سلطة المعنى الواحد، وعندما يشعر القارئ أن اللغة لا تُسلّمه نفسها دفعة واحدة.

وبركات من أكثر الكتاب العرب قدرةً على تحويل هذا الانفلات إلى استراتيجية جمالية؛ إذ يجعل القارئ يتساءل باستمرار:

هل أنا أقرأ العالم من خلال اللغة، أم أن اللغة تعيد اختراع العالم أمامي؟

٣. الصورة الشعرية بوصفها ذاكرةً

في كتابة بركات لا تأتي الصورة لتجميل المعنى، وإنما لتعيد بناء الذاكرة. الطبيعة، الحجر، الماء، الحيوان، الأشجار، الجبال، الأمكنة، الجسد، الطفولة، الحرب والمنفى، كلها تتحول إلى مفردات في معجم كوني للذاكرة.

ولهذا فإن الصورة لديه كثيراً ما تكون ذات طبيعة حلمية؛ فهي لا تصف الواقع كما تراه العين، بل كما تستعيده الذاكرة بعد أن مرّ بها الزمن.

إنها صورة لا تكتفي بأن تقول: هذا ما حدث، وإنما تسأل:

ماذا بقي من الذي حدث في اللغة؟

٤. القارئ شريكٌ في صناعة المعنى

من أهم أسرار لذة النص البركاتي أن القارئ لا يستطيع أن يكون مستهلكًا سلبيًا. إن النص يستدعي منه قدرًا من الانتباه والتأويل والصبر.

وهذا ما يجعل القراءة عند سليم بركات فعلاً إبداعياً موازياً للكتابة؛ فالمعنى لا يوجد مكتملًا في جهة الكاتب، وإنما يتكوّن في المسافة بين النص والقارئ.

ومن ثمّ فإن صعوبة بعض نصوصه ليست عيباً بالضرورة؛ فقد تكون جزءاً من بنيتها الجمالية. إنها صعوبة تستفزّ القارئ لكي يعيد النظر في علاقته باللغة.

٥. موسيقى الجملة

وإذا كانت لذة النص عند بركات لغوية ودلالية، فهي كذلك سمعية وإيقاعية. فالجملة عنده تمتلك نبضاً خاصاً؛ تتوالد فيها الكلمات وتتراكم الصور، وتتحرك العبارة بين الامتداد والانقطاع، وبين التدفق والتوقف.

إنه لا يكتب الجملة لكي تحمل معنى فحسب، بل لكي تُسمَع وهي تُقرأ.

وهنا تقترب الكتابة السردية من الشعر؛ إذ تتراجع الحدود الصارمة بين الرواية والقصيدة، ويصبح الإيقاع أحد العناصر المؤسسة للدلالة.

٦. لذة الغموض لا غموض اللذة

الغموض عند سليم بركات ليس إغلاقًا للمعنى، بل تكثيرًا له. فالنص الذي لا يتيح إلا قراءة واحدة ينتهي بانتهاء القراءة، بينما النص المفتوح يواصل إنتاج نفسه في ذهن القارئ.

ولهذا يمكن القول إن الغموض البركاتي هو غموض منتج؛ لأنه لا يمنع الرؤية، وإنما يغيّر زاوية النظر.

فالنص لا يقول للقارئ: «هذا هو المعنى»، بل يقول له:

اصنع معنى من داخل هذا المتاهة الجميلة.

٧. من لذة النص إلى لذة اللغة

يمكن، في النهاية، النظر إلى تجربة سليم بركات باعتبارها انتقالًا من الكتابة عن الأشياء إلى الكتابة التي تجعل الأشياء تولد من اللغة.

فالأرض ليست مجرد مكان، والذاكرة ليست مجرد ماضٍ، والمنفى ليس مجرد جغرافيا، والطفولة ليست مجرد زمن مضى؛ كل هذه العناصر يعاد تركيبها داخل مختبر لغوي شديد الخصوصية.

ولهذا فإن لذة النص عند سليم بركات تنبع من المفارقة بين صعوبة القراءة وثراء الاكتشاف؛ فكلما قاوم النصُّ القراءةَ السريعة، أغرى القارئ بقراءة أعمق، وكلما بدا المعنى بعيداً، ازدادت الرغبة في الوصول إليه.

قلق في الذَّهب

سليم بركات

سليم بركات إبتدْع أيها اليأسُ في مهبِّكَ يأسي

وليكُنْ قِرانٌ يُعجِّلُ الخواتيمَ، والعرسُ نفس

وليكنْ سَهَرُ الغبارِ من عَلِيِّينْ يرمي عليَّ الحِليّ حتى أبدَّدَ بعضي

في امتداحِ الغبار؛ أو أستدَقَّ كالسهمِ حتى

تمهِّد الريحُ بي غدرها وهي ترمي منازلَ الماءِ شتى.

ومن ختامٍ،

من غدٍ أو رنينٍ،

من مجاهلَ تعلو كهندباءٍ، ومن لهاثٍ كأرضِ

يجرِّدُ القلبُ سيفَهُ الرمادَ: هاكم شهوديَ ما بين إبرامِ شكْلٍ ونَقْضِ

يدجِّجونَ البعيد بي أو ببعضي

لكأني فَزعتُ من عبثٍ يُرسلُ الخرابُ في جَرْسِهِ البهيِّ بجَرْسِ

وكأنْ قِرانٌ يعجِّلُ الخواتيمَ، والعرسُ نَفْسي.

وأنا.. إيه يا المُرتَجي من ظلام نديمٍ، ومن دويٍّ نديمِ

مُشْكِلٌ يغمسُ المكانُ فيه رغيفَهُ، ولِومًضي

نمورُهُ؛ فاصعدي من يقينِ الهباءِ، أو من كثيفهِ المهدومِ

إصعدي يا طرائدَ اليأسِ حتى جحيمي

فالغدُ المقامرُ سَكْرانُ، والوقتُ مَوْلى

يتعثَّرُ من خجلٍ بثيابِ النَّدامى، وينحني فَيُوَلِّى

ولهذا أضيقُ مثلما يضيقُ الغبارُ بالريحِ، أو أتقصَّى الجسومَ في هرْجِها

بالجسومِ،

عاكفاً علىَّ من ورقِ السروِ، والتينِ، والبتولا،

مُطْبقاً ظِليِّ اللّبونَ على البرقِ: ياصاحِ، يا برقُ خفِّفْ رفيقكَ، فالغيمُ يقظانُ في سرير العناقيدِ، والأمسُ يركضُ في درعِهِ النّباتِ، سيّانَ أن يسرق النبيذُ من يديه الكؤوسَ، أو ينْقضَ الهواءُ مواثيقهُ الأخيرة. يا برقُ، يا مغْزَلاً دار بين

يديْن لا ترفعانِ إلاّ العويلَ، رفِّق رغيفَكَ، رَفِّقْ هوى نسائِكَ يرفعْنَ طرْفاً

مَلُولاَ

إلى الهباءِ إذْ يَحْلَوْلي،

وتهتّكْ، فالسماواتُ شُبْهَةٌ، والنفوسُ في زَرَدٍ من هَزِيْمِ.

إصعدي يا طرائدَ اليأسِ حتى جحيمي.

وأنتَ؛ أيّ حديدٍ يموجُ تحتَ يديكَ؛ أيَّ جَمشْتٍ

يطحنُ النهارُ في ظلَّكَ المُجرَّح؟ أيُّ ابتهالٍ يفجِّرُ العُنَّابَ؟ أيُّ سديمِ

يرميْك كالندي بمرايا يسرقُ الفجرُ منها إوزّهُ؟ أنتَ؛ مالَكَ تدنو

بحبرٍ من الصدى والرُّجُومِ؟

كنتَ ذا المُغَيَّبَ، حلواً، وقَد

تَتَقرَّى الظنونُ لهوَكَ مُرْخيً على وقارِ الظنونِ.

كنتَ ذا، أو ذاكا

تغسلُ المعاني قواريرَها عن هوىً فيكَ حتى يخوضَ فيها هواكا

بدروعٍ من الشقائقِ. مَرْحَي مُتَهْتَهاً في دَلالٍ مُتَهْتَهةٍ. بَعْدُ لم يَشِ جذرٌ

بما رفعتَ صوبَ الغَصونِ

من مكائدِ الريحِ إذ هي تُرخيِ على انتحارِ الغصونِ

ستارَها المرمريّ. لا، أنتَ مالَكَ؟ روِّعْ مجلس الليلِ، رَوِّعْ مَدَاكَ، واكسرْ

على الندى سيفَ قلبكَ. بلْ مُرَّ مُترْفاً برمادٍ يقنصُ الفجرُ فيه المرايا، وأَمْعِنً

مع المجاهلِ دكّا

في المجاهلِ حتى يغلبَ الرعبُ من رعبهِ الحياةَ، أو استردَّكَ سَفكا

حين يرفعُ البطشُ مثلي محاريثَهُ إليكَ. لا، أنتََ مالَكَ؟ هذا خلافٌ عليكَ

حلوٌ، وهذا

وَجَعٌ يَغْرفُ الحدائقَ. هذا هبوبٌ، وهذي مكيدةٌ من متاهٍ كنُعمى، وإني فُتونُ

نسجَ الموتُ غزلانيَ الصغيرةَ فيهِ، وروّى عبثٌ كلَّ ناريَ، فالأرضُ ليسَ تبينُ.

سُكّرٌ يطعمُ المجاهلَ قلبي، وسُكّرٌ يطويني

على فخاخٍ من الزبيب، وفَتْكٌ يصوغهُ التكوينُ

آن أرمي بما يجعلُ الأفقَ سيّافَ نُعمي، وآن أُرمي بما جن مسنونِ

من بهاءٍ يشقّقُ القلبَ. يا قلبُ أوقفْ إوزّك يخطبْنَ صدري، ورُدًني كالرنينِ

يموجُ في كلّ بهوٍ. تعالَ،

يا عشبُ؛

هيا تعال،

وأوثقْ نمورَكَ؛ أوثِقْ رُماةَ يخضورِكَ الجياعَ؛ أوثِقْ كأمسي

غديَ المجفَّلَ، فالوقتُ نفسي:

قِرانٌ يُعجَّلِ الخواتيمَ، أوعضلٌ من جمادٍ أميرِ

يحزمُ الأرضَ. أمسٌ من الجمادِ الأمير

يحزمُ الهواءَ. أوقِفْ إوزّك ياقلبُ يخبطَنَ صدري، ويعثْر على المديحِ ذُرُوْري.

ثُمَّ، أنتَ، يا شريكُ، هذا خلافٌ عليكَ حلوٌ، وهذا

مداكَ نهْبٌ لكلِّ طيشٍ، وإني فتونُ

ذَهبَ الهدرُ بي، فالمكانُ نهْبٌ كمينُ

أهكذا، أيها المعافى كطين، تدورُ بالأرض حولي؟ أهكذا تتناهى

***

 في شعر سليم بركات لا تأتي القصيدة لتشرح العالم، بل لتعيد اختراعه باللغة. وفي «الجمجمة» تتداخل المادة بالذاكرة، والجسد بالغياب، حتى تغدو الصورة الشعرية كائنًا مستقلًا يراوغ المعنى ويؤجله. إن لذّة النص هنا لا تنبع من سهولة التلقي، بل من تلك المقاومة الجميلة التي يبديها النص أمام القراءة؛ فكلما ظن القارئ أنه أمسك بالدلالة، انفتحت أمامه دلالة أخرى. وهكذا تصبح اللغة عند بركات ليست أداةً للقول، بل موضوعاً للدهشة، ومجالًا لإنتاج المعنى، ومصدراً أصيلًا للذة الشعرية.

إن سليم بركات لا يكتب نصًا لكي يُستهلك، بل يكتب نصًا لكي يُعاش. نصّه لا يقدّم اللغة باعتبارها وسيلة شفافة للعبور إلى المعنى، وإنما يجعلها هي نفسها موضعًا للدهشة والتأمل.

ومن هنا يمكن القول إن لذّة النص عند سليم بركات هي لذّة الاصطدام باللغة حين تستعيد قدرتها الأولى على الإدهاش؛ لذّة أن تصبح الكلمة أكثر من كلمة، والصورة أكثر من صورة، والجملة أكثر من جملة؛ وأن يتحول فعل القراءة من البحث عن «ماذا يقول النص؟» إلى سؤال أكثر عمقًا:

كيف يجعلنا النص نرى العالم بطريقة لم نكن نعرف أننا قادرون على رؤيته بها؟.

***

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم