عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

جودت هوشيار: بين الرمز الوافد وخصوصية النص العراقي

يسعى بعض الكتّاب العراقيين إلى توظيف الأساطير والرموز اليونانية والرومانية في قصصهم القصيرة ورواياتهم، وأحيانًا بإفراط يجعل حضورها يتجاوز حدود الاستخدام الفني الضروري، ليقترب من نوع من الاستعراض الثقافي.

وليس الاعتراض هنا على استخدام الأسطورة أو الرمز الأجنبي في الأدب؛ فالأدب، بطبيعته، منفتح على مختلف الثقافات الإنسانية، والأسطورة اليونانية، على وجه الخصوص، أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية العالمية، وقد استلهمها كبار الكتّاب في بلدان وثقافات متعددة.

إن المشكلة تبدأ حين يتحول الرمز إلى عنصر دخيل على النص، لا تفرضه ضرورة فنية، ولا تبرره طبيعة التجربة التي يريد الكاتب التعبير عنها. ففي هذه الحالة، لا يعود الرمز جزءًا عضويًا من العمل الأدبي، بل يبدو وكأنه أُقحم فيه لإظهار المعرفة بالثقافة الكلاسيكية أكثر مما أُدخل لخدمة المعنى أو تعميق التجربة الفنية.

فالقارئ الأوروبي، في الغالب، يدخل إلى عالم الأساطير اليونانية والرومانية من بوابة الثقافة والتعليم. فهو يتعرف منذ سنوات الدراسة الأولى إلى أسماء الآلهة والأبطال والأساطير الكبرى، ويعرف، بدرجات متفاوتة، دلالات شخصيات مثل زيوس وأفروديت وأوديسيوس وسيزيف وإيكاروس ونرسيس، وما ترمز إليه من مفاهيم إنسانية ونفسية وأخلاقية. ولذلك يستطيع الكاتب الأوروبي أن يستدعي شخصية أو حكاية أسطورية في جملة واحدة، فيلتقط القارئ خلفها شبكة واسعة من المعاني والإيحاءات التي لا تحتاج إلى شرح.

أما القارئ العراقي، باستثناء شريحة من الأدباء والمثقفين والمتخصصين، فلا يمتلك بالضرورة المعرفة نفسها بهذا الموروث الأسطوري. وإذا استُخدمت تلك الرموز بكثافة، من دون أن تكون هناك جسور ثقافية أو فنية تمهّد لها، فقد يجد القارئ نفسه أمام إشارات مغلقة أو علامات لا يعرف مفاتيحها. وحينئذ يفقد الرمز جزءًا كبيرًا من طاقته الإيحائية، وقد يتحول من وسيلة لتعميق المعنى إلى عبء يثقل النص ويشتت انتباه القارئ.

وهنا تبرز مسألة أكثر أهمية تتعلق بعلاقة الكاتب العراقي ببيئته الثقافية. فالرمز ليس زينة لغوية، والأسطورة ليست مجرد مخزون من الأسماء الغريبة التي تمنح النص مظهرًا ثقافيًا أو حداثيًا. قيمة الرمز الأدبي تنبع من قدرته على أن يتفاعل مع التجربة الإنسانية التي يطرحها النص، وأن يضيف إليها طبقة جديدة من الدلالة. فإذا كان الرمز اليوناني أو الروماني قادرًا على إضاءة تجربة عراقية أو إنسانية معاصرة، فإنه يصبح جزءًا حيًا من البناء الفني، أما إذا جاء لمجرد إظهار سعة اطلاع الكاتب، فإنه قد يبدو أشبه بقطعة أثرية موضوعة في مكان لا تنتمي إليه.

والأدب العراقي، في المقابل، يمتلك ثراءً أسطوريًا ورمزيًا هائلًا، ربما لا يقل أهمية عن أي موروث أسطوري آخر. فمن بلاد الرافدين خرجت أساطير وقصص وشخصيات تعد من أقدم ما عرفه الإنسان من أشكال السرد، من ملحمة جلجامش إلى أساطير الخلق والموت والانبعاث، مرورًا بعشتار وتموز وغيرها من الرموز التي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الحضارية للمنطقة. كما أن التراث العربي والإسلامي، والشعبي العراقي، مليء بالشخصيات والحكايات والرموز التي يمكن للكاتب المعاصر إعادة اكتشافها وتوظيفها بطريقة حديثة. وليس المقصود بذلك الدعوة إلى الانغلاق على التراث المحلي، وإنما التذكير بأن الانفتاح الحقيقي على الثقافة العالمية لا يعني التخلي عن الجذور.

فالكاتب المتمكن يستطيع أن يجعل الرمز الوافد جزءًا من نسيج محلي، وأن يمنحه دلالة جديدة من خلال وضعه في سياق عراقي مختلف. وعندها لا يعود الرمز اليوناني أو الروماني مجرد عنصر مستورد، بل يصبح مادة فنية يعيد الكاتب تشكيلها وفق تجربته الخاصة. المشكلة، إذن، ليست في «أجنبية» الرمز، وإنما في طريقة استخدامه، وفي مدى اندماجه في النسيج الداخلي للعمل.

ولا توجد، في العراق اليوم، رقابة رسمية شاملة على المطبوعات بالمعنى الذي كان سائدًا في مراحل تاريخية سابقة؛ لكن ذلك لا يعني غياب كل أشكال الرقابة. فهناك رقابة المجتمع، وما تفرضه منظومة القيم والتقاليد والأعراف، وهناك أيضًا الرقابة الذاتية التي يمارسها الكاتب على نفسه، سواء بدافع أخلاقي أو اجتماعي أو فني. وهذه الرقابة الذاتية، في حد ذاتها، ليست بالضرورة عدوًا للإبداع؛ فقد تكون، لدى الكاتب الواعي، نوعًا من المسؤولية تجاه اللغة والقارئ والمجتمع.

ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول مراعاة المجتمع إلى خوف دائم يشلّ الخيال، ولا أن تتحول الحرية الأدبية إلى ذريعة للاستفزاز المجاني. يستطيع الكاتب الحقيقي أن يحتفظ بحريته الداخلية، وأن يتناول الموضوعات الحساسة والمعقدة، وأن يذهب بعيدًا في مساءلة المسلّمات، من دون أن يتخلى عن حسه الفني أو عن وعيه بالبيئة التي يكتب داخلها. فالحرية الفنية لا تعني بالضرورة كسر كل الحدود، كما أن احترام القارئ والمجتمع لا يعني التضحية بحرية الكاتب.

في النهاية، ليست القضية في أن يكتب الكاتب العراقي عن جلجامش أو أوديسيوس، عن عشتار أو أفروديت، عن سيزيف أو تموز؛ القضية هي: لماذا اختار هذا الرمز تحديدًا؟ وماذا أضاف إلى النص؟ وهل استطاع أن يجعله جزءًا من التجربة، أم أنه اكتفى بإحضاره من قاموس الثقافة العالمية ووضعه على الصفحة؟

فالكاتب الموهوب لا يحتاج إلى الرموز لكي يبدو مثقفًا؛ بل يجعل الرموز، مهما كان مصدرها، تبدو ضرورية لأن النص نفسه كان يحتاج إليها.

***

جودت هوشيار

في المثقف اليوم