شكلت الكتابة عن المدينة رافدا أساسيا في الأدبين العربي والعالمي. فقد تحولت تيمة المدن من كونها فضاءات جغرافية جامدة إلى كائنات حية تنبض بالروح وتستنهض الذاكرة.
أدب المدينة، هو الأدب الذي يصف المدن، القديمة منها أو الحديثة، المهجورة أو العامرة ويغوص في أعماقها لكشف أسرارها، بحثا عن كنوزها. ويوظّفها كمنصّة جغرافيّة ذات أبعاد تاريخيّة أو رمزيّة، لتتحوّل المدينة في المعمار السردي أو الشعري إلى لوحة فنيّة مدجّجة بالرموز والإيحاءات والاستعارات. لقد كتب أدباء كبار عن المدينة، فاكتسبت رواياتهم وقصائدهم قيمّا فنيّة، ومنحت تلك المدن خلودا في عالم الرواية والشعر - منهم على سبيل المثال لا الحصر – صاحب جائزة نوبل في الرواية العربيّة، الروائي نجيب محفوظ في كتاباته حول القاهرة في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكّريّة) وو إبراهيم عبد المجيد في ثلاثية الإسكندرية الشهيرة (الإسكندرية في غيمة، كعرّفة التقاء الأرواح) التي تستحضر روح الإسكندرية وتاريخها الإنساني. كما كتبت أحلام مستغانمي عن قسنطينة (سيرتا). وأوهان باموك الذي جعل اسطنبول فضاء لأعماله النابضة بالتاريخ والجنين والصراع بين الشرق والغرب. وعبد الرحمان منيف في خماسيّته التي وثق فيها تحولات كبرى للمدن الصحراوية والمدن النفطيّة (مدن الملح – مدن الرمال) وإيتالو كالفينو في روايته (المدن المخفية) وتشارلز ديكنز في روايته " قصة مدينتين " وغيرهم من الأدباء الذين سحرتهم مدن قديمة، لم يبق من عمرانها سوى مجموعة من الرسوم والأطلال كمعالم تحفظ هويّتها وذاكرتها، فأعادوا بثّ الروح فيها لتصبح رمزا لتحوّلات المجتمع البشري بتعاقب الليل والنهار، وتغيّر الأجيال وتنوّعها واختلافها.
و رواية " ماتريوشكا " = أرواح من قطن = للأديبة الروائيّة عائشة بنور، والصادرة عن دار خيال للنشر والترجمة سنة 2025. جديرة بأن نضيفها إلى لائحة الروايات التي اتّخذت من جغرافيّة المدينة فضاء إبداعيّا حيّا ونابضا وحالما وموشوما بالحنين والذاكرة.
تصدّرها الروائيّة عائشة بنّور بعتبة إهداء جاء فيها: (إلى أولئك الذين فقدوا الحب، وعانقوا أمكنة النسيان...إلى من ماتوا حبّا، وضاعت أرواحهم بين الأمكنة ودهاليز الذاكرة).
و أيضا بعتبة ثانيّة للأديب العالمي " فرانز كافكا "، جاء فيها:
" الأشياء التي تحبها قد تفقدها يوما ما، ولكن في النهاية سيعود الحب بطريقة أخرى، أنا على يقين أنّ الحب الذي أهديناه بقلب مخلص لن يضيع أبدا، سيعود حتما يوما ما. "
كما هو معتاد في الحقل النقدي، يعتبر العنوان الأدبي عتبة النص الأولى ومفتاح معناه، لا شكّ في ذلك، ولا بدّ منه، بل هو روح العمل الموسوم بالإيجاز والجمال. وتختلف العناوين في النص الأدبي في تجسيد مضمون النص السردي أو الشعري من خلال التفاعلات النفسيّة والذهنيّة والوجدانيّة والدلاليّة من خلال إيحائه العميق وإيجازه وجماليته اللغوية وارتباطه العضوي بالنص والابتكار والتجديد والجاذبية. وهو ولون الغلاف وشكله ما يجذب القاريء ويوحي له بالمضمون.
اختارت الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور لروايتها عنوانا رمزيّا كعتبة تأويلية، وهو عنوان سيميائيّ، ذو دلالات ومعاني ومشاعر عميقة، للتعبير عن مواقف أوسع، جاوز معناه الحرفي، ليكتسب عمقا فلسفيّا، بغرض تكثيف المعنى في المتن السردي وإثارة الفضول لدى القاريء من بوابة التلميح والإيحاء.
و " ماتريوشكا " كلمة اصطلاحيّة، مشتقة من كلمة " ماتريونا " المعبّرة عن الأم الصغيرة، الريفيّة، التقليديّة، وترمز إلى الترابط العائلي والتجدّد والخصوبة والأمومة والاستمراريّة. أما رمزيّة القطن في التوظيف الأدبي المجازي فهي عميقة ومتعدّدة الأبعاد والإيحاءات، منها ما يمثّل النقاء والصفاء والبراءة وسلامة القلوب من العلل أو الخير والنماء والخصب المرتبط عضويا بالأرض والوطن أو العمل والكفاح والمعاناة والطبقيّة من خلال قسوة الاستغلال وسلطة الإقطاع ومعاناة الفلاح في رحلة الحرث والحصاد، تحت لسعات البرد وحرارة الشمس.
بين فقدان الحب، وعودة الحب أو موته، حلّقت بنا الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور، في فضاء جغرافي / زمني على بساط من الخيال. في تفاصيل مدن تاريخيّة عريقة ومنمنمات وأوشامها، في أعماقها المعبّأة بالكنوز، في صناديقها المغلقة، التي لا يقدر على فتح أقفالها سوى الذي يملك أسرارها ويفّك شفرات رموزها، وكلمات المرور إلى أعماقها. كغواص باحث عن اللؤلؤ والمرجان في أعماق بحر مظلم. وبين الماضي والحاضر احتدم الصراع في أعماق البطلة كلثوم، وتنازعتها الذكريات والحيرة وابتُليت بالشكّ والقلق " لقد حاصرتني الذكريات، ولا أعرف إلى أيّ مدى يمكن للذاكرة أن تمتدّ في حياتنا، وفي أشيائنا، وذكرياتنا التي طواها النسيان " ص 21. تتأرجح عاطفتها، فهي لا تحبّ المدن الباردة والحارة مدن الضباب وبالمقابل فهي مفتونة بعبق المدن القديمة وتتساءل مشدوهة، " لماذا يفتنني عبق المدن القديمة وتاريخها الحضاري واكتشاف أسرارها في دروبها الضيّقة، وحاراتها وشوارعها وباحاتها، في أحواضها الرخاميّة، ونوافيرها التي ينساب الماء من تماثيلها المرصوصة على حوافها.. كبهو السباع في قصر الحمراء بغرناطة " ص 11. إنّها لا تكتفي بالتعبير عن حبذها وإعجابها وافتتانها بالمدن الغابرة ة، بل تسعى بكلّ أدوات عشقها وشغفها إلى الغوص في أعماق ذاكرتها طلبا للكشف والمعرفة. وهنا تتجلّى الروحانيّة الصوفيّة، حين تتحوّل البطلة كلثوم من امرأة باحثة ان الآثار، منقّبة الذاكرة إلى امرأة صوفيّة، لكنّها ليست صوفية دينيّة، بل صوفيّة تاريخيّة، تحاول من خلالها تفكيك أسرار " الأمكنة المفتوحة على الجمال والسحر " ص 11
كلّ إنسان يحمل في دخيلته صندوق أسرره " كل شخصية تحمل صندوقها في داخلها " ص 20. فالمدن في مرأى البطلة كلثوم الواقعة تحت سطوة القلق والحنين، صناديق معدنيّة مغلقة، تشبه صندوق " باندورا "
في دهاليز الذاكرة (الماضي) والحاضر، وتحلّق بين الأمكنة التي مازالت تحتفظ بذاكرتها العريقة. تنتقل بطلة الرواية (كلثوم)، المرأة المفعمة بالعشق الصوفي، الباحثة والمنقّبة بمصباح عقلها ونور قلبها عن الآثار المنسيّة، عن تلك المدن التي كانت عامرة بنبض الحياة والحب، الحالمة التي " ترنّح في مرابعها الشعراء، وهامت في صحاري القوافي، واشتعلت نيران الحب الخافتة في بواديها، مدن تاه في رمالها وبين وديانها وواحاتها الحيارى، وانتحر على مراعيها وعلى أبواب خيامها وهوادجها العشّاق، مدن عُلقت على مدافئها الحكايات الخالدة لضحايا الحب الموجع من طيّ النسيان، وصرعى عند القبور تبلّل دموع الفراق الشواهد، وعشاق أكمد الحزن قلوبهم.." ص 12 / 13.
بين من قسنطينة " سيرتا "، سيّدة الجسور المعلّقة إلى تيبازة أيقونة الآثار الرومانيّة، وصولا إلى مدينة تنس (كارتينا) الفينيقيّة، الرومانيّة، الأندلسيّة، مدينة الصالحين وابنة البحر وعشيقته الأبديّة، بقصبتها الأندلسيّة ومسجدها سيدي معيزة ومغارات سيدي مروان البحري وتلمسان، وجارتها المرسى الجميلة، إلى تلمسان العريقة، عاصمة الزيّانيين ومدينة العلم والصوفيين وسيدي بومدين الغوثي، إلى هنين عاصمة يوسف بن تاشفين. باحثة عن اليقين، دون كلل أو ملل. يزجي خطواتها إصرارها على بلوغ التفاصيل المنسية.
(المدن صناديق مغلقة، وكم من مدينة نسكنها ونجهل تاريخها، نمرّ عليها مرور العابرين حتى دون مصافحة) ص 121.
(قسنطينة، المدينة التي انتحرت الأحلام على حبالها، وصارعت الزمن والصخر العتيق بسحرها) ص 50
(تلمسان جوهرة الغرب مأوى الأندلسيين المضطهدين الفارين من مدينتي غرناطة وقرطبة وغيرهما)ص 146. هي مدينة الأحلام الورديّة والأحزان. مدينة القائد أحمد باي، التي قدّمت ألاف الشهداء على أسوارها وجسورها المعلّقة. ومازال وادي الرمال وجسر سيدي مسيد، يشهدان على الزمن الأسود الذي تدثّرت وتلحّفت له نساء قسنطينة الملاءة السوداء ألما وحزنا. ومازال العشّاق يمارسون الجنون ولعبة السقوط والانتحار من فوق الجسر المعلّق.
" في تلمسان، المدينة الحبلى بعبق التاريخ " ص 147.
سيميائيّة المدن ورمزيتها في معمار رواية " ماتريوشكا " للروائيّة عائشة بنّور، نجدهما مجسّدين في معالم شخصيّة البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم، وفي علاقتها بالمدن الأثريّة العريقة. فقيمة الرمز الموظّف في سيّاق تسلسل الأحداث واسترجاعها ودلالته الزمنيّة ومكانته وغايته في سيرورة الأحداث وتطوّرها، كلّها عناصر مُؤَسِّسة له، إمّا أن تمنح الرمز مشروعيّته الوظيفيّة أو تلغيها.
إنّ مفهوم المدينة عند الروائيّة عائشة بنّور، ليست أمكنة جغرافية جامدة، ليست بيوتا وجدرانا وأسقفا وحارات وأزقة وشوارع وساحات، بل لها أبعاد فلسفيّة وتاريخيّة وميتافيزيقيّة وروحية؛ مدينة ما تزال تسكنها أرواح من ولدوا فيه وترعرعوا وعاشوا ومنها رجعت إلى ربّها، يضاف إليها أرواح الذين مرّوا بها ضيوفا كراما.
إنّ المدن العريقة كقسنطينة (سيرتا) وتيبازة وتنس (كارتينا) وتلمسان ومليانة وتيمقاد وشرشال ومازونة وندروما وهنين وغيرها، هي مدن خالدة، مازالت حيّة تُرزق بفضل تاريخها الموشوم بالكنوز، وذاكرتها القويّة، الضاربة بجذورها في الأعماق.
إنّها مدن ذات أرواح (قطنيّة) نقيّة، بريئة، نامية، مكافحة ضدّ الاستغلال والإقطاع والعمل الشاق والمعاناة. إنّ البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " قد أثثت بينها وبين مدنها العتيقة، علاقة صداقة عميقة، علاقة حبّ صوفيّ صاف وخال من شوائب المتعة الزائلة كعلاقة الحبيب بحبيبته أو علاقة الحبيبة بحبيبها، علاقة حبّ عذريّ، كحبّ المجنون، قيس بن الملوّح لليلى العامريّة أو كحبّ الشاعر الوزير الأندلسي القرطبي ابن زيدون للأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي القرطبيّة وغيرهما من قتلى الحبّ العذري. إنّ مثل هذه العلاقة بين البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " تمنحها تأشيرة الولوج إلى بواطن الأسرار ومفاتيح أقفال الصناديق المغلقة والكنوز المنسيّة أو المخبأة في الخزائن والدهاليز أو المهملة في رفوف النسيان.
تبوح بطلة الرواية (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " بعلاقاتها بالمدن المتيّمة بحبّها، المتخمة بغيرتها عليها من صروف الدهر وتعاقب النوائب. تلك المدن التي مرّت بها عاشقة لها، باحثة عن سحرها، متأمّلة كنوزها، منقّبة عن أسرارها العجيبة، لم تمرّ بها مرور الكرام أو اللئام، سائحة تبتغي فيها متعة عاجلة أو نزهة عابرة، وكأنّي بها تردّد قول ولادة بنت المستكفي أو حفصة الركونية:
أغار عليك من عيني ومنّي ** ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أنّي خبأتك في عيوني ** إلى يوم القيامــة ما كفــاني
كلثوم، امرأة مثقفة، واعيّة، وفيّة، متطلّعة للمستقبل عاشقة للأمكنة التاريخيّة والحضاريّة، العتيقة، وللألوان الساحرة. امرأة لا تعترف بالمستحيل أو اليأس أحبّت تلك المدن وعشقت ناسها الأحياء منهم والأموات بكل جوارحها، وبصدق عذريّ وجنونيّ. فهي تحبّ المدن القديمة، المدن الغابرة، المدن الهشّة، المدن الحالمة، المدن المتربة، المدن المعتّقة، بروائح الذكرى، مدن البحر رغم مآسيها، المدن المغطاة بالأشجار أو المعلّقة خلف السحاب، وبالمقابل لا تحبّ المدن الباردة والحارة ومدن الضباب والمدن الحديثة.
خصّصت لمدينة تنس حيّزا كبيرا من عشقها
و حين تتحدّث عن مدينة تنس (كارتينا)، المدينة العريقة، لؤلؤة البحر الأبيض، التي احتضنت علماء أجّلاء كأبي عبد الله بن عبد الجليل التنسي، ومعالم خالدة كمسجد سيدي معيزة، وقصر المنفي محمد المنصف، باي تونس، وآثار من مختلف الحقب التاريخيّة، وفتحت ذراعيها للموريسكيين الفارين من الجحيم القشتالي. مدينة جمعت بين حضارات مختلفة، كرمز للتعارف والتعايش السلميين. (الأمازيغ والفينيقيّين والرومان والعرب الفاتحين المسلمين والأندلسيّين والأتراك واليهود والفرنسيّين) تتحّدث عنها بعشق وشوق. ولم يثبت عبر هذه الحقب المتعاقبة نشوب حرب أهليّة في المدينة. إنّ تنس، مدينة الصالحين - كما وسمتها الروائيّة عائشة بنّور- وهي بالنسبة للبطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " هي عروتها الوثقى، واسطة عقدها.
والمتأمّل للمقاطع التالية يدرك ذلك، تعبّر البطلة كلثوم (الشخصية الرئيسة) عن ذلك بقولها:
" لا أعرف لماذا كنت أحب المدن والبحث في دهاليزها عن حياة من سبقونا عن الذين مشوا بتثاقل في الحارات القديمة، أو أولئك الذين خففوا الوطء ومضوا في صمت، عن من تكالبت عليهم هموم الدنيا، أو تكالبوا عليها في ريع الشباب، عن من تحطّمت وتطاحنت أحلامهم على أديم الأرض " ص 16.
" أجهل لماذا كنت أحب ناس المدن المتربة؟ " ص 13
" المدن المعتقة بروائح الذكرى، والحنين للأماكن، وإلى إغراءاتها وعوالم فتنتها النائمة تحت الأتربة " ص 14
" المدن التي تكبر في داخلي، وتتربّع على عرش ذكرياتي، الماضية والحاضرة " ص 15.
" لا أعرف لماذا كنت أحب المدن التي تصدّعت جدرانها، وطلعت رؤوس النباتات من شقوقها مورقة... مدن تفتح أزرار قمصانها للتعايش على الألفة والمودة " ص 15
تحاول بطلة الرواية " كلثوم " أن تنقذ مدنها الجميلة، المحبوبة حتى النخاع من الفوضى وتحررّها من الغرق في النسيان وتعرّي ما خفي منها من كنوز. فالأمكنة ليست حجارة وجدران لا تتغيّر كما أخبرتها من تسكنها بدهشة، بل " الأمكنة أرواح يا كلثوم " كما أدركت البطلة " كلثوم ".
و عندما تسأل بأسى من تسكنها بدهشة: " من أخبرك أنّ الأشياء من حولنا لا تتحرّك، ولا تتكلّم، ولا تتعرّى، ولا تبتسم جروحها؟ أجابت من تسكنها بدهشة: " إنّها ترتعش، في صمت كضياء شمعة في مهب الريح. ترتعد في كلّ الأماكن المغلقة، وفي كلّ غرفة مظلمة، فتيلها يضيء عتمة الليل في دهليز الدار. نسمع هسيس الأشياء، ونشعر بكلامها الخفي الذي لا يُفهم، من حفيف الأشجار التي تعبث الريح بأوراقها، وصفق جناحي طائر إلى حفيف النبات اليابس، ولهيب النار. "
و حين تسأل أخاها مهدي عن المجاهدة صليحة ولد قابلية، يجيبها: (لا أعرفها..) ص 141. (التفتتُ إليه مستغربة) ص 141. أجل إنّ بعض الأمكنة تعري ما كان خافيا، لأنّها مازالت تحتفظ ملامح وسمات أصحابها وزوارها. فالأماكن لا تنسى، ولا تخون، ولا تجامل، ولا تشهد الزور. من طبيعة الأماكن وسماتها، أنّها وفيّة لمن مرّ بها حيّا أو شهيدا أو منفيّا أو مضطهدا. وللأماكن أسرارها تحافظ عليها، كما لو أنّها صناديق من حديد، لا يصيبها الصدأ أبدا، تسلّم مفاتيحها لمن يمنحها عشقا أكثر وحبّا أكبر.
التاريخ، في نظر البطلة (كلثوم)، ليس أحداثا تُروى على ألسنة الرواة، التاريخ هو البحث عن الذات والهويّة بين طبقات الأرض...أو أشعر أنّني أرسم ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة، أحيا فيها، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات، وأسمع صوتها في المنحوتات، ألمسها في الأدوات الحجرية، وفي الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه وتحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدّات. وفي العظام، في أدوات الصيد، في المعابد والمغارات والكهوف... فكلّ قطعة... تحمل نبضا لم ينطفىء بعد " ص 16.
إنّ بطلة الرواية (الشخصيّة الرئيسة) تقع ضحيّة حاضرها الأسوء من ماضيها.فهي تشعر وتدرك، بوعي عميق، أنّ وباء التخلّف الذي حلّ بأمّتها ومجتمعها، لم يكن قضاء وقدرا من وحي السماء، بل كان ثمرة زقّوم أطلّت برؤوسها من عقول متحجّرة، أصابها اليباب الفكري، عازها العلم النافع إلى حدّ " سداد من عوز "، وقلوب شابتها عواطف من نسل الترّهات والخرافات والأوهام، منذ فترة ما بعد الموحدين. لقد تزلزل المجتمع العربي / الإسلامي وتضعضعت أركانه منذ سقوط بغداد تحت حراب المغول والتتار. وبعد سقوط غرناطة والآستانة وتفكّك الدولة العثمانيّة فقد بوصلته الحضارية، ليسقط سقوطا حرّا تحت أنيار الغزاة الأوربيين.
سيميائية الأسلوب: ما يلفت نظر القاريء، ويجعله شغوفا بمواصلة قراءة الرواية إلى نهايتها، هو لغتها الفصحى، السلسلة، السهلة، الخالية من العاميّة والألفاظ الأعجميّة المعرّبة، عدا (لفظتي باندورا، وماتريوشكا). ولعل ّ الروائيّة تدرك جيّدا أنّ اللغة في المعمار الروائي هي بمثابة اللبنات في المعمار الطيني أو الحجري أو الأسمنتي. إنّ اللغة في السرديّة الروائية، هي شمس الإبداع الأصيل، وغيرها ما هي إلاّ كواكب وأنجم. قال خزانة الأدب، أبو عمرو بن بحر الجاحظ: (المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع.)
إنّ الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور تمتلك ناصيّة اللغة السرديّة، السهلة، الممتنعة، النقيّة، الهادفة، الخاليّة من الألفاظ السوقيّة والعويصة، والتي منحت للمعنى شرفا ورفعة ومشروعيّة لدى القاريء الواعي بمخرجات التوظيف اللغوي والتعبير المجازي والإيحائي في المتن الأدبي، الشعري والسردي معا، ولعمري، هذا راجع إلى امتلاك الروائيّة للرصيد اللغوي وتمتّعها بملكة لغويّة أصيلة ووظيفيّة.
شخصيات الأديبة الروائيّة عائشة بنّور تساروها مشاعر القلق والحزن في كل خطوة تخطوها، وهي مشاعر إيجابيّة، سليلة الوعي والنضج الفكري. شخصيّات – رغم قلقها وحزنها - عاشقة للحريّة، متمسّكة بهويّتها، واعية بماضيها، مستشرفة بمستقبلها، باحثة بإصرار وشغف عن معنى وجوديتها. فالبطلة (الشخصيّة الرئيسة) في الرواية تتّسم بالإيجابيّة والواقعيّة في تصرّفاتها وعلاقاتها مع محيطها الثقافي، في كنف دائرة البحث والتنقيب عن الآثار الماديّة واللاماديّة. شخصيّة مثقّفة، عاشقة للتاريخ، مولعة بالمدن القديمة، الرائعة ولواحقها؛ من حارات وأسوار ومغارات وشوطيء وجسور وصخور وشخصياتها التاريخيّة والدينيّة. إنّها تهفو إلى انتشال تلك المدن الأثريّة من صمتها. تلك المدن الصامتة، لأنّها تؤمن أنّها ليست مدنا خرساء، فهي تتكلّم، تحكي، تروي، تتألّم، تبتسم، تشتكي، تمارس ألوانا من الإغراء والإغواء. كلعبة (نتف بتلات الزهر، ورقة تلو أخرى.. يحبني...لا يحبني..) ص 91. هنا يتحوّل الحبّ من كونه عاطفة ذاتيّة، رومانسيّة إلى وسيلة لمجابهة الوقع المرّ تارة، وتارة أخرى لتغذية الوهم وتصديقه. (نغذي الوهم ونصدّق كذبتنا الجميلة على أنفسنا) ص 91.
الروائيّة عائشة بنّور، رسمت ملامح شخصياتها بمداد الصوفيّ العاشق للمعنى، وبريشة الرسّام الذي أجاد مزج الألوان في رسم لوحاته، فأكسبها بعدا فلسفيّا، تأمّليّا، عبر فضاء تاريخيّ يمتدّ مئات السنين. وهي تؤثث لعلاقة عشق مدهشة، الأسئلة التي تفضي بها إلى مواطن الأسرار. (هذا المكان الأثري قد أشعره أنّه بحاجة إليَّ، أكثر من أيّ وقت مضى، لكن، على مدار السنين، لم يتكلّم، لم يجرؤ أن يفصح عن مكنوناته، خوفا من توجّسه الذي كبّله في أحزانه وذكريات فقدها وذاكرة أسقطتني من دفتر العمر الذي جمعنا.) ص 45.
خاتمة:
في ركحة الكتابة الروائيّة الجزائريّة المعاصرة، تقف الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور بكلّ ثقة، تحلّق بالقاريء في دهاليز المدن الأثريّة الصامتة، لمنحها منبرا للجهر بأسرارها وكنوزها وأحلامها. متّئكة على الواقع الموجع والتاريخ المسكون بالأسرار والميثولوجيا الإغريقيّة. إنّها في صراع مرير مع العالم وقلق من المجهول الكامن في الصناديق المغلقة، فصندوقها الخاص يحفظ هويّتها وأسرارها. " صندوقي يحوي أسراري وعرائسي الجميلة، كلّ منها بوجهها ولونها " ص 104. أمّا " صندوق " باندورا " فتسكنه كلّ الشرور التي أذاقت البشر الويلات، حسب الأسطورة الإغريقيّة، يا بدر الزمان " ص 104. " صندوق باندورا أغلق على الآثام ثم أطلقها على العالم " ص 105. " حياتنا كلّها صناديق مغلقة، وأكاذيب كبيرة نختبىء خلفها " ص 105. " المشكلة يا بدر الزمان أنّنا نقدّس الصناديق الفارغة أكثر من العقول المملوءة " ص 105 بهذه الصورة القاتمة ترسم لنا الروائيّة عائشة بنّور، في حوار على لسان شخصيّتي كلثوم وبدر الزمان. إن توظيف أسطورة " باندورا " سيميائيّا، منح للنص بعدا تراجيديا مؤلما للواقع المعيش. لقد انكسرت جرّة الإله زيوس، وانطلقت منها الشرور لتصيب البشريّة لعنة الفضول في فتح صندوق " باندورا "، منذ مأساة هابيل وقابيل. انتشرت الأمراض والجشع والحروب الداميّة والموت بشتى الألوان والوسائل، ولم يبق سوى الأمل.
التاريخ في عرف الكاتبة عائشة بنّور، ليس هو ذلك الكمّ المنسي أو المبتور من جغرافيّة الماضي، الذي تنتجه دواليب تعاقب الليل والنهار، التاريخ - كما جاء على لسان البطلة (الشخصية الرئيسة) - هو رسم (ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة، أحيا فيها، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات، وأسمع صوتها في المنحوتات، ألمسها في الأدوات الحجريّة، وفي الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه وتحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدات، وفي العظام، في أدوات الصيد، في المعابد والمغارات والكهوف.. فكلّ قطعة تحمل نبضا لم ينطئ بعد.) ص 16.
و روية ماتريوشكا = أرواح كن قطن = إضافة قيّمة للمكتبة الجزائريّة والعربيّة، وللمشهد الثقافي والسردي الجزائري المعاصر بما حملته من رقيّ المضمون والأسلوب؛ لغة سليمة صرفيا ونحويّا، بعيدة كل البعد عن الإسفاف، ومضمون فكريّ وإبداعيّ لا تشوبه شوائب روايات السفهاء والدهماء والمولعين بهمزات الشيطان ولمزاته.
***
بقلم الأستاذ: علي فضيل العربي - روائي وناقد جزائري








