عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: المستوى الشعري بين قصيدة العمود وقصيدة النثر

الشعرية بوصفها جوهراً لا وزناً، والرؤية قبل البنية

منذ أن وعى العرب الشعر بوصفه «ديوانهم» وحافظ ذاكرتهم الجمعية، لم يكن الخلاف الحقيقي بين الأوزان والقوافي، ولا بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، وإنما كان ـ وما يزال ـ خلافاً حول سؤال أكثر عمقاً: ما الذي يجعل الكلام شعراً؟ أهو الوزن وحده؟ أم اللغة؟ أم الصورة؟ أم الرؤيا؟ أم ذلك السر الجمالي الذي يسميه النقاد الشعرية؟

لقد ظل هذا السؤال يتجدد مع كل تحول في بنية القصيدة العربية، منذ الخليل بن أحمد الفراهيدي حتى يومنا هذا، فالشعر ليس قالباً جامداً، وإنما طاقة لغوية قادرة على إعادة خلق العالم بالكلمات.

لقد عرّف ابن طباطبا العلوي الشعر بأنه كلام موزون مقفى، غير أنه لم يكتفِ بهذا التعريف الشكلي، بل رأى أن الشعر لا يبلغ غايته إلا إذا اقترن بحسن النسج، وجودة المعنى، وسلامة السبك، وإصابة التصوير. وكذلك رأى قدامة بن جعفر أن الوزن والقافية شرطان في التعريف، أما القيمة الشعرية فتنبع من جودة الائتلاف بين اللفظ والمعنى.

أما عبد القاهر الجرجاني فقد نقل البحث إلى مستوى أكثر عمقاً حين أسس نظرية النظم، فقرر أن سر البلاغة لا يكمن في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق. وهذه الفكرة تكاد تكون الأساس الذي تقوم عليه معظم نظريات الشعر الحديثة؛ لأن الشعر عنده طريقة في بناء اللغة، لا مجرد تراكم للألفاظ.

ويأتي حازم القرطاجني ليؤكد أن الشعر يقوم على التخييل، وأن وظيفة القصيدة ليست الإخبار، بل إثارة الانفعال الجمالي، وتحريك المخيلة، وصناعة الدهشة.

- العمود الشعري.. هندسة الإيقاع:

قصيدة العمود ليست مجرد التزام ببحور الخليل، وإنما هي منظومة جمالية متكاملة، تتشابك فيها الموسيقى الخارجية مع الموسيقى الداخلية، ويغدو الوزن إطاراً يحتضن التجربة ولا يقيدها.

لقد ظل العمود الشعري أكثر من خمسة عشر قرناً قادراً على استيعاب التحولات الفكرية والوجدانية، لأن الشعراء الكبار لم يكونوا أسرى الوزن، بل جعلوا الوزن خادماً للرؤية.

ولذلك نجد أن أبا الطيب المتنبي، وأبا تمام، والبحتري، والمعري لم تتشابه قصائدهم على الرغم من انتمائهم إلى البنية الوزنية ذاتها؛ لأن الشعرية كانت تنبع من فرادة التجربة، لا من البحر الشعري.

- قصيدة النثر.. ثورة أم امتداد؟

حين ظهرت قصيدة النثر في الأدب العربي الحديث، انقسم النقاد بين مؤيد ومعارض.

ذهب فريق إلى أن الشعر لا يمكن أن يوجد خارج الوزن والإيقاع الخليلي، ورأوا أن التخلي عنهما يعني الانتقال إلى جنس أدبي آخر هو النثر الفني.

بينما رأى فريق آخر أن الشعرية ليست رهينة البحر والقافية، وإنما هي قدرة اللغة على إنتاج الدهشة، والانزياح، والكثافة، والإيقاع الداخلي.

لقد استند أنصار قصيدة النثر إلى ما كتبه شارل بودلير، وآرثر رامبو، وستيفان مالارميه، ثم إلى تنظيرات سوزان برنار التي عدّت قصيدة النثر جنساً أدبياً مستقلاً يقوم على ثلاثة عناصر رئيسة:

١ - الإيجاز.

٢ - الكثافة.

٣ - الوحدة العضوية.

- أدونيس... الشعر رؤية:

يرى العديد من الشعراء ومنهم الشاعر علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار أدونيس أن الوزن لا يصنع الشعر، كما أن غيابه لا يلغيه، وأن القصيدة الحقيقية هي التي تعيد اكتشاف اللغة والعالم معاً.

فالقصيدة، في نظره، ليست بناءً عروضياً، بل بناء معرفي وجمالي، يعيد تشكيل الواقع عبر المجاز.

- الشاعر الفلسطيني محمود درويش... لا حرية بلا موسيقى:

أما محمود درويش، فقد اتخذ موقفاً أكثر توازناً، إذ رأى أن التحرر من الوزن لا يعني التحرر من الموسيقى، لأن القصيدة التي تفقد إيقاعها الداخلي تتحول إلى نثر عادي.

وكان يقول إن قصيدة النثر ليست رخصة للكتابة، وإنما امتحان بالغ الصعوبة.

- نازك الملائكة... الدفاع عن النظام:

كانت نازك الملائكة من أكثر الأصوات تحفظاً تجاه قصيدة النثر، ورأت أن الإيقاع عنصر جوهري في تكوين الشعر العربي، وأن التفريط به يهدد هوية القصيدة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تجعل الوزن وحده معياراً للتفاضل، بل أكدت أن القصيدة الضعيفة تبقى ضعيفة مهما التزمت العروض.

- صلاح عبد الصبور... الشعر موقف:

يرى صلاح عبد الصبور أن القصيدة ليست وزناً ولا قافية، وإنما موقف إنساني يتجسد في لغة مشحونة بالحياة.

ولهذا استطاعت قصيدة التفعيلة أن تجمع بين الحرية والإيقاع دون أن تقطع صلتها بالموسيقى العربية.

- رأي النحاة وفقهاء اللغة:

لم يكن النحاة ينظرون إلى الشعر بوصفه وزناً فحسب، وإنما بوصفه أعلى مستويات الاستعمال اللغوي.

فالخليل بن أحمد الفراهيدي لم يضع علم العروض ليقيّد الشعر، بل ليكشف نظامه الموسيقي.

أما سيبويه فقد جعل الشعر أوثق شواهد العربية، واستنبط منه قواعد النحو.

ورأى ابن جني أن الشاعر يملك مساحة واسعة من الحرية اللغوية، لأن الضرورة الشعرية ليست فساداً في اللغة، وإنما توسع في إمكاناتها.

ويؤكد ابن فارس أن العربية تزداد ثراءً كلما ارتفع الشعر بلغتها.

- ما الشعرية؟

حدد النقاد المعاصرون جملة من السمات التي تميز النص الشعري، سواء أكان عمودياً أم تفعيلياً أم نثرياً، من أهمها:

١- كثافة اللغة.

٢- الانزياح الدلالي.

٣- المجاز الخلاق.

٤- الإيقاع الداخلي.

٥- وحدة الرؤية.

٦- الاقتصاد اللغوي.

٧- المفارقة.

٨- التوتر الدلالي.

٩- طاقة الصورة.

١٠- العمق الفلسفي.

فإذا غابت هذه العناصر، لم ينفع الوزن القصيدة، وإذا حضرت، ارتقى النص إلى أفق الشعرية، وإن اختلف النقاد في تصنيفه.

- بين العمود وقصيدة النثر:

ليس العمود ضماناً للشعر، كما أن قصيدة النثر ليست ضمانًا للحداثة.

فكم من قصيدة عمودية لا تتجاوز النظم، لأنها تخلو من الرؤية والابتكار، وكم من نص نثري يخلو من الشعرية لأنه مجرد خواطر مرسلة.

وفي المقابل، هناك قصائد عمودية بلغت الذروة الفنية، كما نجد قصائد نثر استطاعت أن تؤسس عالماً شعرياً بالغ الخصوصية.

إن معيار التفاضل ليس الشكل، بل المستوى الشعري؛ أي مقدار ما يحققه النص من إدهاش، وإيحاء، وابتكار، وقدرته على تجاوز اللغة اليومية إلى لغة الرؤيا.

خاتمة:

إن الشعر لا يُقاس بعدد التفعيلات، ولا بطول الأسطر، ولا بوجود القافية أو غيابها، وإنما يُقاس بقدرته على أن يجعل اللغة تكتشف ذاتها، وأن يوقظ في الإنسان مناطق الدهشة والتأمل والجمال.

فالوزن قد يمنح القصيدة موسيقاها، لكنه لا يمنحها روحها. والنثر قد يتحرر من العروض، لكنه لا يصبح شعراً إلا إذا بلغ مرتبة الشعرية. ولهذا يبقى الحكم العادل على أي نص أدبي قائماً على سؤال واحد: هل استطاع أن يحقق الشعرية؟ فإن حققها كان شعراً، وإن أخفق فيها بقي كلاماً جميلاً أو نثراً فنياً، مهما كان شكله أو اسمه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم