عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: سيكولوجية الفقد وترميم الذاكرة المتآكلة

قراءة بينية متكاملة في أقصوصة «محاولة» للكاتبة أمينة حسن

نص الأقصوصة:

«أمسك هاتفي في محاولة للتفتيش في ذاكرته الممتلئة عن صور التقطتها منذ وقت ليس ببعيد عامين تقريبًا، أجد مصادفة من بينها صور لنا جميعًا، وهي هناك تبتسم للكاميرا ونجلس حولها كلنا، رغم ضعفها الشديد، إلا أن ابتسامتها الصافية لا تزال تشع بهجة. هل كان هذا منذ عامين فقط!

ترقد هي الآن بجواري، صامتة، هزيلة جدًا، ولا تقوى على الحركة، ترافقها ممرضة على مدار اليوم لتقوم على شؤونها، تبتسم لرؤيتي رغم أنني أحيانًا أشك أنها تتعرف علي، أستحضر الصورة التي وجدتها بالأمس، أشعر أنها كانت منذ زمن بعيد.

حين يسألني أحد عن أخبارها، تقفز في رأسي فقط صورتها الحالية، كل ما كان قبل ذلك يتلاشى تقريبًا، هل ستحرمني تلك الذاكرة الحقيرة من ملامحها حين كانت تملأ البيت حياة! هل يصبح عقلي سجينًا لما أراه أمامي وألمسه بيدي؟!

لم أعد أذكر أي شيء عن والدي، أعلم أن ثلاثين عامًا رقم كبير، لكن كيف لا تبقى ولا ذكرى واحدة حقيقية! عندما أفتش جيدًا أجد كل المشاهد التي يستحضرها عقلي نبتت أساسًا من حكاياتها عنه، ومن الصور الفوتوغرافية القديمة! أذكر البيت جيدًا، ويحضر كثيرًا في أحلامي، لكن لا ذكرى واحدة له، صوته، رائحته حتى طريقة حديثه، اختفى كل شيء، هل سأنساها أيضًا؟

ألتفت إليها، وأثبت نظري عليها جيدًا، أراقب بدقة كل الملامح، التجاعيد، نبرة الصوت، حتى كلماتها القليلة غير المفهومة، أقترب منها أحاول أن أحوطها بذراعي دون أن أصيبها بألم، أتشمم رائحتها، وأخبر ذلك العقل البائس أن يتمسك بكل تلك الذكريات، لا أريد أن أنسى أي شيء، لا أريد أن أصبح وحيدة مرة ثانية».

مقدمة الدراسة

تنفتح أقصوصة «محاولة» على عوالم مأزومة ومسكونة بهواجس الفقد والنسيان، حيث يتحول النص من مجرد رصد لحالة مرضية إلى مختبر سيكولوجي يبحث في طبيعة الذاكرة البشرية وهشاشتها أمام سطوة الزمن وعنفوان المرض. ينتمي هذا النص إلى الكتابة الوجدانية التأملية ذات الطابع السردي؛ إذ لا يقوم على حدث خارجي متنامٍ بقدر ما يقوم على حركة داخلية للذاكرة والوعي والخوف. النص ليس حكاية تقليدية ذات بداية وعقدة وحل، بل هو أقرب إلى مقطع سردي نفسي أو نص قصصي تأملي يحاول فيه السارد الإمساك بصورة الأم قبل أن يبتلعها الغياب، كما ابتلع من قبل صورة الأب.

تسعى هذه الدراسة البينية التكاملية إلى مقاربة النص عبر مسارات نقدية متداخلة، تجمع بين النقد السردي، والنفسي المعرفي، والزمني، والسيميائي، لتفكيك آليات اشتغال النص الإبداعية وتفسير قوته الشجنية الطاغية.

أولاً: الهوية الأجناسية وتصنيف النص

بناءً على المعايير البنيوية والموضوعية، يمكن تصنيف نص «محاولة» وفق محددات واضحة تبرز هويته الأدبية:

-    من حيث الجنس الأدبي (البنية والشكل): ينتمي هذا النص بامتياز إلى جنس «الأقصوصة»، وتحديداً الأقصوصة النفسية وحالة الوعي القلق؛ فهو لا يقوم على حبكة درامية نامية ذات عقدة وحل، ولا ينتهي بمفارقة ختامية صادمة (قفلة مباغتة) كالقصة القصيرة جداً، بل يمتد على مساحة حركية ساكنة ترصد حالة شعورية مكثفة. فالنص عبارة عن لوحة استبطانية داخلية تعتمد على التقاط لقطات وجدانية متتابعة بهدف خلق أثر وجداني واحد وانطباع حاد.

- من حيث المضمون والثيمة: يندرج تحت «الأدب السيكولوجي الوجداني الإنساني» (أدب الفقد والذاكرة)؛ إذ يركز بالدرجة الأولى على الصراع النفسي الداخلي، ويرصد آليات التكيف والدفاع النفسي لدى الفرد في مواجهة صدمة المرض واليتم والوحدة المتربصة.

- من حيث المدرسة الفنية: ينتمي إلى «الواقعية النفسية الاستبطانية»؛ فرغم أن الموقف يبدو مألوفاً (الجلوس بجوار مريض، تصفح الهاتف)، إلا أن التركيز يقع بالكامل على جغرافيا الداخل والاضطراب الإدراكي المصاحب لتجربة ترقب الفقد.

ثانياً: عتبة العنوان ودلالته الإجرائية

جاء العنوان «محاولة» عتبة نصية شديدة التكثيف والنجاح؛ فهو عنوان مفتوح لم يحدد الكاتب مفعوله الإجرائي، مما يجعله يحتمل دلالات وجودية متعددة وتفسيرات متقاطعة تلخص جوهر التجربة الإنسانية: (محاولة للتذكر، محاولة لمقاومة النسيان، محاولة لاسترداد صورة الأم القديمة، محاولة للاحتماء من الوحدة). الساردة لا تملك يقيناً بالنجاح في معركتها ضد الزمن، بل تملك "المحاولة" فقط، وهو ما ينسجم تماماً مع الهشاشة البشرية التي يصورها النص؛ فالعنوان يشارك في لعبة الإخفاء الكاشف دون أن يقع في المباشرة والتقريرية.

ثالثاً: البنية السردية وهندسة الزمن

يقوم النص على سرد بضمير المتكلم، وهو اختيار بنيوي ملائم لطبيعة التجربة الإنسانية؛ فالناقد يلحظ أن الساردة لا تروي عن الآخرين من مسافة بعيدة، بل تكتب من داخل الألم ومن قلب الخوف عبر ثلاث آليات سردية رئيسية تشكل تماسك النص: (استدعاء صورة الأم القديمة من الهاتف ← استحضار تجربة نسيان الأب بعد ثلاثين عامًا ← محاولة تثبيت صورة الأم الحالية والتشبث بتفاصيلها).

وتتأسس هذه البنية على معمار سردي قائم على الارتداد (Flashback) والمقارنة الزمنية الحادة بين ثلاثة أزمنة نفسية متداخلة لا تسير في خط مستقيم:

- أولاً: الماضي القريب: يظهر في صور الهاتف («منذ وقت ليس ببعيد عامين تقريبًا»)، والمفارقة أن العامين يبدوان زمنًا بعيدًا جدًا؛ لأن المرض غيّر الأم بصورة قاسية، حيث كانت تبتسم للكاميرا وتشع بهجة رغم ضعفها الشديد.

ثانياً: الحاضر الماثل: زمن الجسد الهزيل، الصمت، والممرضة، والملامح التي يهددها المحو والخرس التعبيري. وبين صورتي الحاضر والماضي القريب يتشكل الألم الأساسي؛ فالساردة لا تخاف من موت الأم الفجائي بقدر خوفها من أن تطغى صورة المرض الحالية على صورة الحياة السابقة.

- ثالثاً: الماضي البعيد: يتجلى في ذكرى الأب الراحل منذ ثلاثين عاماً («رقم كبير، لكن كيف لا تبقى ولا ذكرى واحدة حقيقية!»). ويتحول الأب هنا إلى نموذج سابق للفقد الكامل ومثال حي على قسوة الذاكرة التي محت صوته ورائحته وطريقة حديثه، ولم تترك له وجوداً إلا كبناء افتراضي نبت من حكايات الأم والصور الفوتوغرافية القديمة.

كما تظهر هنا فاعلية الفواصل النقطية (…) في بناء النص؛ فهي ليست فواصل بصرية فقط، بل هي أميال زمنية وفجوات نفسية تُشير إلى الانتقال بين هذه العوالم، ليتجه السؤال الصادق نحو المستقبل المخيف: «هل سأنساها أيضًا؟». هذا السؤال هو مركز النص الوجودي؛ فالساردة تعيش رعب مستقبل تكون فيه الأم، مثل الأب، مجرد صورة وحكاية ناقصة.

رابعاً: البعد النفسي والمعرفي (قلق الفقد وطغيان المثير البصري)

من منظور النقد النفسي، تثير الأقصوصة إشكالية معرفية بالغة التعقيد، وهي «سجن الحاضر المادي» أو طغيان المثير البصري الحالي الملموس على الذاكرة الاستعادية. تواجه الساردة ما يمكن تسميته بـ «الغياب التدريجي»؛ فالأم موجودة جسديًا، لكنها تنسحب شيئًا فشيئًا من الحياة عبر الصمت والهزال وضعف الإدراك المتنامي:

«تبتسم لرؤيتي رغم أنني أحيانًا أشك أنها تتعرف علي»

تضع هذه العبارة الأم في منطقة وسطى بين الحضور والغياب، وهو ما يضاعف المأساة النفسية؛ لأن الفقد يُعاش ويُجرّب قبل حدوثه النهائي. وينبثق من هذا الموقف صراع حاد تصف فيه الساردة الذاكرة بـ «الحقيرة»:

«هل ستحرمني تلك الذاكرة الحقيرة من ملامحها حين كانت تملأ البيت حياة!»

يكشف هذا التأطير عن غضب داخلي وعجز إنساني فادح أمام النسيان بصفته آلية محو قهرية؛ فالذاكرة التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً وحافظاً للهوية، تتحول هنا إلى مصدر تهديد ينحاز لصور المرض الجافة ويحجب صور الحياة النضرة.

خامساً: القراءة السيميائية (تحليل العلامات والدلالات)

النص حافل بعلامات حسية وتقنية مشحونة بالدلالات الوجدانية عند التفكيك:

- الهاتف المحمول وذاكرته الممتلئة: لا يحضر الهاتف كأداة تقنية عابرة، بل يتحول إلى خزان لذاكرة اصطناعية بديلة تتفوق بميكانيكيتها الممتلئة على ذاكرة الساردة المهددة بالمحو. ومع ذلك، فالجهاز لا يمنح الطمأنينة بل يفتح الجرح عبر فضح الفرق المرعب بين ما كان وما صار.

- الصورة الفوتوغرافية: تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي تحفظ الماضي لكنها تفضح قسوة التحول الجسدي في الحاضر وتؤكد المسافة الفاصلة بين الحالتين.

- الجسد المريض ومظهر الرعاية: علامات الجسد («صامتة»، «هزيلة جدًا»، «لا تقوى على الحركة») ووجود الممرضة لا تُقدَّم كتقرير طبي، بل كعلامات سيميائية على الانطفاء التدريجي وهشاشة الإنسان.

- سيميائية الحواس (الصوت، اللمس، والشم): في المقاطع الأخيرة، تنتقل الساردة من الصورة البصرية الخادعة إلى قنوات حسية أكثر فطرية وعمقاً، وتقول: «أراقب بدقة كل الملامح، التجاعيد، نبرة الصوت... أقترب منها أحاول أن أحوطها بذراعي... أتشمم رائحتها». هذا الانتقال الحسي بالغ الأهمية؛ فالذاكرة الحقيقية الأكثر ثباتاً في الوعي العاطفي هي ذاكرة اللمس والشم والصوت الكامنة في خلايا الجسد. واختفاء رائحة الأب سابقاً كان الدليل على محوه الكامل، لذا تستخدم الساردة حاسة الشم واللمس مع أمها كآخر خطوط الدفاع الروحية، وكأن الرائحة والتجاعيد هي الشفرات الجسدية الأخيرة التي تستعصي على عسف النسيان.

سادساً: البعد الاجتماعي والإنساني (قلب الأدوار ومركزية الأم)

يعالج النص تجربة إنسانية شديدة العمومية ترتبط برعاية الوالدين في مرحلة العجز. تبرز الأقصوصة ظاهرة (انقلاب الأدوار الاجتماعية)؛ فالأم التي كانت في الماضي أصل الرعاية وحافظة الكيان («كانت تملأ البيت حياة») تحولت في الحاضر إلى موضوع للرعاية يتلقى الاهتمام من الابنة والممرضة.

كما يكشف النص عن مركزية الأم الفائقة في الذاكرة العائلية والاجتماعية؛ فذكريات الأب الراحل لم تصل إلى الساردة بشكل مباشر، بل عبر وسيط رئيسي: «نبتت أساسًا من حكاياتها عنه، ومن الصور الفوتوغرافية القديمة». هذا يعني أن الأم في المنظور الاجتماعي للأسرة لم تكن مجرد فرد، بل كانت حارسة الذاكرة المشتركة، والأرشيف العاطفي، وراوية التاريخ العائلي. وبناءً عليه، فإن فقدها المحتمل لا يمثل غياب شخص واحد، بل يعني انهيار الكيان الحافظ للماضي والمعنى بأكمله.

سابعاً: القراءة الأسلوبية واللغوية

تميل لغة النص إلى الاستبطان والبوح الداخلي (المونولوج / Monologue)، وتبرز جمالياتها عبر محاور أسلوبية دقيقة:

- الجمل المتدفقة: جاءت الجمل طويلة نسبيًا ومسترسلة، محاكيةً حركة التفكير القلق والاضطراب النفسي تحت ضغط الخوف.

- الأسئلة الوجودية المتكررة: الأسئلة في النص («هل كان هذا منذ عامين فقط!»، «هل سأنساها أيضًا؟») لا تطلب إجابة معرفية بقدر ما تكشف عن تزلزل اليقين الداخلي ووطأة الحيرة.

- التكرار الدلالي الملح: العودة المستمرة لمعاني النسيان، الخوف، والذكريات، تعكس البناء النفسي للإنسان المفجوع؛ فالخوف الحقيقي يعود بإلحاح ولا يظهر كدفقة واحدة وينتهي.

- تشخيص الأجهزة الإدراكية: يبرز ملمح أسلوبي بليغ في وسم الذاكرة بالحقيرة وتوجيه الأمر للعقل ككيان منفصل، حيث تقول: «وأخبر ذلك العقل البائس أن يتمسك بكل تلك الذكريات». يعكس هذا التشخيص والخطاب الاستعاطفي ذروة العجز؛ فالإنسان هنا يفقد السيطرة حتى على ملكاته الذهنية الداخلية ويتحول إلى مستجدٍ أمام عقل يمارس المحو بآلية قاسية.

ثنائية الحضور والغياب (خلاصة وخاتمة)

يقوم جوهر الأقصوصة على حركة بندولية بين ثنائية الحضور والغياب؛ فالأب غائب تماماً جسداً، لكنه حاضر كطيف رمزي عبر الحكايات والصور، بينما الأم حاضرة عياناً بجسدها، لكنها غائبة جزئياً بصمتها وضعف إدراكها. ويثير هذا التقابل سؤالاً إنسانياً مؤلماً حول مدى كفاية الحضور المادي الصرف حين تتآكل الروابط الواعية، وحول مدى عدالة الذاكرة البشرية في الاحتفاظ بمن نحب.

تتميز أقصوصة «محاولة» بصدق تجربتها الشعورية وبراعة ربطها الفني بين فقدين (الأب القديم والأم الحالية)، مستعينة بالصورة والهاتف كرموز معاصرة للذاكرة البديلة. وتنتهي الأقصوصة بقفلة دلالية كاشفة تختصر مأزق الوجود الإنساني: «لا أريد أن أنسى أي شيء، لا أريد أن أصبح وحيدة مرة ثانية». تثبت هذه الخاتمة المؤثرة أن الخوف من تآكل الذاكرة والنسيان ليس أزمة معرفية جافة، بل هو قناع يخفي تحته الرعب الأعمق من اليتم العاطفي المطلق والوحشة الكونية؛ فالإنسان في هذا النص لا يدافع عن الصور والملامح لذاتها، بل يتتشبث بالحواس والروائح كخط دفاع أخير للاحتماء بالدفء الأول والأمان الأصيل ضد عالم آيل للغياب والوحدة.

***

د. نجلاء نصير

في المثقف اليوم