وعي الاختلاف في رواية "توقيت آخر للحياة" لبشرى الهلالي
لكم وصفت الكتابة النسوية بأنها كتابة ذاتية مشبّعة بالصوت الأحادي والوعي الشعري المجازي للغة الشخصية. وقيل عن الروائيات بأنهن لا يتقن إلا كتابة سيرهن وتجاربهن، وإن الساردة العربية وإن كانت حفيدة شهرزاد فهي تجيد سرد الحكايا لكنها لا تجيد توعية النص اختلافا وتعددا، بحسب رأي "عبد الله الغذامي". بينما تفنّد التجارب الإبداعية للمرأة تلك الدعاوى وتظهر الكتابة الذاتية بأنها تتجاوز الذات إلى الاخر لتحتضن بين حروفها رومانسية الذاتي وجدلية الموضوعي الفكرية. وهذا ما يلمسه القارئ في رواية "توقيت آخر للحياة" للكاتبة والشاعرة بشرى الهلالي في تجربتها الروائية الثانية. ولكون الكاتبة قادمة من مجال قصيدة النثر حيث حومة الجدل بين الذاتي والموضوعي، المجازي والتقريري في هذا الجنس الإبداعي، فإن البوح الذاتي الانفعالي في روايتها قد عبّد المسافة بين الواحد والغيرية في مقاربة خطابها للتاريخ والجسد والهوية.
تسرد الشخصية الرئيسة حكايتها بضمير الأنا على قارئها. "ملك"، أديبة وصحفية تحمل همّاً وطنيا وثقافيا لكنها وفي ظل نظام سياسي وثقافي تشوبه الفوضى وغياب الأمن وصراع المصالح تضطر للرضوخ لروتين الوظيفة ومتطلبات إدارة المؤسسة التي تعمل فيها في عدم الخروج عن سياق الإذعان في عملها. وبعد أن يزهد مديرها في دورة تدريبية للصحفيين في البلد الأفريقي "اوغندا"، يقرر منحها الإيفاد. ومن لحظة ركوبها الطائرة، تبدأ في سرد رحلتها الأفريقية بالتناوب مع سيرتها الشخصية عن ماضيها في بلدها: آلامها وطموحاتها وإخفاقاتها وتجاربها العاطفية. تستثمر الساردة البطلة أسلوب أدب الرحلة في وصفها مناظر أوغندا وأماكنها وتراثها وشخصياتها وتسجيل انطباعاتها عن افريقيا عام 2019: "لم تكن المدينة صغيرة كما خيل لي من الجو، شوارعها واسعة، تتخللها مبان القليل منها شاهق، ومعظمها مغمور بأشجار كثيفة تتخللها مبان كأنها مشيدة في حضن غابة "/ 18. والرحلة إلى أفريقيا ليست للترويح والتصوير الفني فحسب وإنما هي رحلة البحث عن معنى ومحاولة للفهم. تمثّل أفريقيا في المخيال التاريخي السياسي هيمنة الاستعمار، والفقر، والعبودية. وأفريقيا في المخيال الإبداعي هي موطن الغموض والقسوة والسحر والاسرار، فهذه القارة تختزن من الشعرية ما يفوق القارات الأخرى، وفي السفر إليها إلتحام أول بين الشعر والفكر. إن اكتشاف أوغندا بعد حقبتي الاستعمار الانكليزي والديكتاتورية هو تحليل لأوضاع العراق وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية بعد 2003 بعد حقب الديكتاتورية والاحتلال، فالنظام الدكتاتوري السابق في العراق هو مرآة لنظام "عيدي أمين"، ديكتاتور أوغندا، وأوضاع التحول الديمقراطي متشابهة في كلا البلدين في هيمنة قوى المال والسلاح والفساد. وتظل الساردة تقيم التوازنات بين العراق وإوغندا، الشرق العربي والغرب الأفريقي في حقبة ما بعد الاستعمار والديكتاتورية.
أما عن أوضاع النساء في كلا البلدين، فالأمر يأتلف تارة ويختلف من وجه آخر، يماثل العراق أوغندا في تقديس الأمومة، فتظهر المرأة السوداء وهي تصطحب طفلا في التماثيل والمنحوتات إلا ان المرأة الأفريقية المعاصرة قد اكتسبت حقوقها كاملة ولها الحق في الأمومة حتى خارج الزواج، بينما تظل العراقية المعاصرة وإن تعلمت وعملت واطلعت مقيدة بقيود القبيلة والعائلة والتي تضع شروطا صارمة لتعامل المرأة مع حقها في الحب والزواج والإنجاب. فليس من حق العراقية امتلاك جسدها ومن ثم تاريخها وذاكرتها. ورغم حاجة ملك للأمومة عند اشرافها على سن الأربعين، لكنها لم تتمكن من تحقيق حلمها في الإنجاب لأنها تزوجت سرا من رجل متزوج يرفض حملها مما يضطرها لإجهاض جنينها تجنبّا للعار الذي سيلحق بها وبعائلتها إن انجبت طفلا دون أب، وقد تمثلت مأساتها الشخصية أن حبيبها خذلها وإنها أكرهت أن تكون عاقرا!
تعبر الساردة عن إعجابها بالمرأة الأفريقية المعاصرة: "ظللت أراقبها تبتعد وفي داخلي شيء من حسد تجاه هذه الشخصية المتوازنة الحرة، النساء هنا لا يشبهننا، أو ربما نحن لا نشبههن /172".
تشعر ملك بإنها منجذبة لسيدة عجوز تسكن قبو الفندق خفية عن الأنظار، وبعد سرد تشويقي استغرق صفحات الرواية، يتضح بأن هذه المرأة كانت في شبابها محظية من محظيات ديكتاتور أوغندا "عيدي أمين" الذي اغتصبها وانجبت منه، وأخذ منها طفلها حين ولادتها. وبعد سقوط أمين، سجنت فترة وبعد خروجها أخفت وجودها عن الأنظار خشية تصفيتها من قبل الجماعات الموالية لنظام ما بعد الديكتاتورية. تشعر ملك بعد سماعها لحكاية العجوز بأنها الترياق لعلاجها من أمراض روحها بعد غدر الحبيب وإجهاض الطفل، وكأن المرأتين على اختلاف الزمان والمكان عشن القصة ذاتها وعانين المصير ذاته في ظل ظروف سياسية واجتماعية ظالمة، فزوج ملك هو الاخر ينتمي لدائرة السلطة التي تتلذذ بانتهاك كرامة المهمشين.
وثّقت الرواية حدثا سياسيا مهما في تاريخ العراق المعاصر إلا وهو انتفاضة الشباب ضد فساد السلطة والأحزاب في تشرين 2019 وقد مثلت أزمتها العاطفية انعكاسا لأزمات بلدها المتلاحقة فالتاريخ الشخصي للإفراد يوازي في تقلباته وآثاره تاريخ بلاده.
إذا وُصفَت رواية " توقيت آخر للحياة" بأنها رواية رحلة تأملية عبر ثقافة نخبوية، فهل يعني ذلك أنها لا تتسم باللون المحلي، ولا تلقي الضوء على الثقافة الشفاهية للعراق؟ الجواب أن في الرواية متسع للمزيد من الأفكار والخطابات، ففي سرد الشخصية لسيرتها في بلدها وأوضاع النساء فيه تقدم نماذج متباينة ناضجة وطريفة، على سبيل المثال، والدتها- الأم الصارمة التقليدية والتي تفضّل في رعايتها البنين على البنات لأن الولد هو رجل البيت! تطرد الأم ملك خارج البيت حين تعلم بعلاقتها السرية مع رجل، وبالرغم من إشارة ملك إلى التعقيد في علاقتها مع والدتها وميلها نحو والدها المعاق، إلا أنها تقدم صورة حميمة طريفة للأم العراقية في تصرفاتها، والطريقة الشفاهية لكلام البنت مع أمها. والشفاهي هنا يعني الأداء وليس اللسان حيث يميز الأداء الشفاهي لغة الرواية في الحوار بين الشخصيات وفي وصف تفاصيل حياة الشخصية. وتشكل اخت ملك مثالا آخر للنساء، فهي المرأة السطحية المهتمة فقط بموارد انوثتها، بينما تقفز نجوى كنموذج مدهش للمرأة العراقية. "نجوى" رفيقة ملك اثناء الرحلة، انموذج حيوي للمرأة المحجبة المتزوجة والأم، متواضعة الطموح، مرحة الروح، مولعة بالطعام والتسوق مثل نساء كثيرات. وقد مارست أمومتها طوال الرحلة على البطلة / الساردة التي تبدو بأنها موجوعة وشاردة البال وبحاجة للعون مثل طفل ضال. وفي لحظة مكاشفة بين المرأتين تكتشف ملك عمق شخصية رفيقتها المتمثلة في دقة فهمها للحياة، ثقافتها وحكمتها بالرغم من بساطتها الظاهرة. قدمت الرواية صورا جمالية متعددة للمرأة العراقية بوصفها فضاءا إنسانيا رحبا للمعاينة والاستكشاف.
إن سرد الرحلة بما يوحي بأنه سيرة ذاتية ومتخيلة في الوقت ذاته ل" بشرى الهلالي" نص رشيق مرهف أيقاعيا تضمن متوازيات نصية شعرية ونثرية، اجتماعية وفكرية، وإذا شبهنا وعي المرأة العربية الكاتبة بحقيبتها التي ترافقها حلا وترحالا وتحمل فيها تفاصيل أنوثتها فإن هذه الحقائب الشيئية والفكرية مثقلة بالهموم والرؤى والأفكار والنصوص.
***
د. عالية ابراهيم








