للشاعرة آمال صالح.. مقاربة بنيوية أسلوبية
تنتمي قصيدة (غربال الضوء) إلى قصيدة النثر الحديثة التي تبني شعريتها على كثافة الصورة الرمزية وتنامي الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية المتفاعلة. ولا تستمد القصيدة قيمتها الجمالية من مرجعياتها الخارجية بقدر ما تستمدها من بنائها النصي القائم على جدلية العتمة والنور، والانكسار والخلاص، والجرح والعشق. ومن هذا المنطلق، اعتمدت هذه الدراسة المنهج البنيوي الأسلوبي مع انفتاح تأويلي رمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل النص ورصد الثنائيات الدلالية التي تنتظم حركته الشعرية وصولاً إلى صورته المركزية الكبرى: " الكون أعار النهار غربالاً " بوصفها البؤرة الرمزية التي تتجمع عندها رؤيته الجمالية والفكرية.
ولعل أول ما يكشف عنه هذا البناء النصي هو المسار الدلالي الذي تنتظم وفقه حركة القصيدة، حيث تتدرج من فضاء العتمة والانكسار إلى أفق النور والتطهير...
البنية الدلالية: من العتمة إلى التصفية
تقوم القصيدة على حركة تصاعدية تبدأ من تجربة الفقد والانكسار وتنتهي إلى لحظة تطهير روحي. يفتتح النص فضاءه الشعري بقوله:
" حين خرجتُ من سجنك
ظننتُ النهارَ سراباً "
فالسجن هنا ليس مكاناً واقعياً، بل بنية رمزية تحيل إلى حالة من الأسر الوجداني. ومنذ البداية يقدم النهار بوصفه قيمة مفقودة أو مشكوكاً في حقيقتها بما يشي باضطراب الرؤية بعد تجربة الخروج.
وتتعزز هذه الرؤية حين يصبح الليل نفسه:
" سجينٌ آخر " إذ تتلاشى الحدود التقليدية بين السجان والمسجون وبين الحرية والقيد لتغدو الذات محاطة بدائرة من الانغلاق الوجودي.
وإذا كانت البنية الدلالية للنص تقوم على جدلية العتمة والنور، فإن تجسد هذه الجدلية فنياً يتحقق عبر شبكة من الصور الشعرية المنزاحة التي تمنح التجربة كثافتها الجمالية وطاقتها الإيحائية....
شعرية الصورة والانزياح
تعتمد القصيدة على الانزياح بوصفه الآلية الأساسية لإنتاج الشعرية. فالأشياء لا تؤدي وظائفها المعتادة، بل تتحول إلى كيانات رمزية جديدة. الليل " يرتّل فراغاً " والكون " يسمع" والشمس " تلتقي بالعطر".
هذا الخرق المتعمد للمنطق المرجعي يخلق ما يسميه جان كوهن "اللغة الشعرية المنحرفة عن الاستعمال المعياري" حيث يتولد المعنى من المفاجأة لا من التقرير.
ومن أجمل صور النص:
" تتمازج خيوطه البنفسجية
مع لهفةِ بحّارٍ تائه "
إذ تتداخل الرؤية البصرية (الخيوط البنفسجية) مع الانفعال النفسي (اللهفة) فتتشكل صورة مركبة تجمع الحسي والوجداني في بنية واحدة.
وتنسجم البنية التصويرية في (غربال الضوء) مع ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن " الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي ظهورٌ مفاجئ للوجود في اللغة" إذ لا تستعيد الشاعرة صوراً جاهزة، بل تبتكر رؤية جديدة للعالم من خلال الصورة المركزية: " الكون أعار النهار غربالاً "وهي صورة تفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد وجودية وفلسفية أرحب. وإذا كان الانزياح قد أسهم في تشكيل البنية التصويرية للقصيدة، فإن القيمة الجمالية الأعمق لهذه الصور تتجلى في انخراطها ضمن نسق رمزي متماسك يمنح النص أبعاده التأويلية والوجودية...
البنية الرمزية
تتأسس القصيدة على بنية رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة إلى فضاء تأويلي مفتوح، حيث يغدو الضوء والليل والجرح والعشق عناصر ضمن شبكة من الرموز المتفاعلة. وتبلغ هذه البنية ذروتها في الصورة الختامية:
" الكونُ أعار النهارَ غربالاً، ليصفو الضوءُ من ظلاله"
فالغربال هنا لا يؤدي وظيفة مادية، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتمييز وإعادة تشكيل التجربة الوجدانية. ومن هذا المنظور يصدق على النص ما ذهب إليه بول ريكور بقوله: " الرمز يعطي الفكر ما يدعو إلى التفكير " إذ لا يقدم الرمز في القصيدة معنى جاهزاً أو مغلقاً، بل يفتح أفقاً من التأويلات الممكنة ويحفز القارئ على المشاركة في إنتاج الدلالة واكتشاف مستوياتها العميقة. وتستدعي مركزية الضوء في هذه القصيدة بعض التجارب الشعرية الحديثة التي جعلت من النور رمزاً للتحول الداخلي والخلاص الوجودي غير أن (غربال الضوء) تنفرد بمعالجة هذا الرمز معالجة مغايرة، إذ لا تقدم الضوء بوصفه نقيضاً جاهزاً للظلام، بل تجعله ذاته موضوعاً للتنقية والمراجعة. وبهذا تنتقل الدلالة من ثنائية التعارض إلى أفق أكثر تركيبا، حيث يغدو الخلاص فعلاً داخلياً مستمراً لا حالة نهائية مكتملة. ولا تنفصل هذه البنية الرمزية عن المستوى المعجمي للنص، إذ تتجسد دلالاتها عبر شبكة من المفردات المتقابلة التي تسهم في ترسيخ جدلية العتمة والنور وتمنح القصيدة وحدتها الدلالية الداخلية....
الحقل المعجمي ووحدة النص
يتأسس المعجم الشعري في القصيدة على حقلين دلاليين رئيسين:
حقل العتمة: سجن، سراب، ليل، فراغ، بؤرة، ظلال، جرح.
حقل النور:نهار، نجمة، بريق، شمس، نور، دفء، عشق.
وتنتظم القصيدة كلها داخل التوتر بين هذين الحقلين. غير أن الحركة النهائية لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بعملية مصالحة وتجاوز تؤسس لرؤية تركيبية تتجاوز الثنائية التقليدية،حين:
" يمسّ الليلَ القاسي،
فيلينُ حدُّه "
فالليل لا يهزم وإنما يعاد إنتاج دلالته في سياق أكثر تركيباً...
وعليه يمكن القول أن، قصيدة (غربال الضوء) تكشف عن بناء شعري متماسك يقوم على تفاعل الحقول الدلالية والصور الرمزية ضمن حركة نصية تتدرج من الانكسار إلى الخلاص. وقد أظهرت القراءة البنيوية والأسلوبية أن فاعلية النص لا تنبع من موضوعه الوجداني فحسب، بل من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية ذات أفق إنساني وتأملي أوسع. ومن هنا تتجلى قيمة القصيدة في إحكام بنيتها الداخلية وفي نجاحها في إنتاج معنى يتجاوز المباشرة نحو فضاء رمزي مفتوح على التأويل.
***
دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله...
.......................
غربال الضوء
حين خرجتُ من سجنك
ظننتُ النهارَ سرابًا
لا يعبر نافذتي،
وأن الليلَ
سجينٌ آخر
*
يرتّل فراغًا
يفضي إلى بؤرةٍ
خارج الصوت
والمدى
*
أين وجدانٌ
يكتبُ
حمرةَ العشق؟
تتمازج خيوطه البنفسجية
مع لهفةِ بحّارٍ تائه
*
أين ذلك البريق
لنجمةٍ موعدُها
قريب؟
تتشابك الأصابع حولها
وتعيدُ الوقتَ
إلى دورانٍ حميم
*
وحين يسمعنا الكون،
تلتقي الشمسُ بالعطر،
ويصيرُ النور
أقوى من كلّ المعارك الخاسرة
*
يمسّ الليلَ القاسي،
فيلينُ حدُّه،
ويتعلمُ الإصغاء
*
الكونُ أعار النهارَ غربالًا،
ليصفو الضوءُ
من ظلاله،
ويُغلقُ الجرحُ
على دفءِ العشق.
***
الشاعرة آمال صالح







