قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: العربية بين اللغة واللهجة والحرف: في جدل التعدّد ووحدة البنية
العربية ككائنٍ حيّ لا كقالبٍ جامد
ليس يسيراً أن نُقيم حدّاً فاصلاً بين “اللغة” و“اللهجة” و“الحرف” في العربية، لأنّ هذه الألفاظ - على ما يبدو من تمايزها الاصطلاحي - إنما تتقاطع في نسيجٍ حيٍّ واحد، هو نسيج اللسان العربي في تشكّله التاريخي. فالعربية لم تنشأ بوصفها نسقاً مقعَّداً جاهزاً، بل تخلّقت في فضاء قبليّ متشعّب، حيث تتجاور الأصوات كما تتجاور البيئات، وتتغاير الألسن كما تتغاير الطبائع.
ومن هنا، فإنّ ما اصطلح عليه القدماء بـ“لغات العرب” لم يكن دليلاً على انقسام، بل شاهداً على ثراء داخليّ، جعل العربية أشبه بكائنٍ يتنفس عبر رئات متعددة، دون أن يفقد وحدة قلبه.
أولاً: في تحديد المفاهيم بين القدماء والمحدثين
لم يضع علماء العربية الأوائل تعريفات حدّية صارمة كالتي عرفها اللسانيون المحدثون، غير أنّ استقراء نصوصهم يكشف عن تمييزٍ دقيق بين ثلاث طبقات:
1- اللغة:
هي الإطار الكلّي الجامع، أو ما عبّر عنه بعضهم بـ“لسان العرب”، وهو النسق الذي تنتظم فيه القواعد النحوية والصيغ الصرفية والدلالات المعجمية. وقد أشار سيبويه في “الكتاب” إلى هذا المعنى حين جعل الاحتجاج منصبّاً على كلام العرب الفصحاء، لا على قبيلة دون أخرى.
2- اللهجة:
وهي صورة من صور الأداء اللغوي داخل قبيلة أو إقليم، تتميّز بخصائص صوتية أو تركيبية أو معجمية، لكنها لا تخرج عن البنية العميقة للغة. وقد عبّر ابن جني عن ذلك بقوله إنّ “اختلاف اللغات كلّه حجة”، ما دام منسوباً إلى عربٍ فصحاء.
3- الحرف (بالمفهوم التراثي):
ليس هو الحرف الهجائي فحسب، بل هو - عند كثير من النحاة - سمة صوتية جزئية، كالإبدال والإدغام والتخفيف، أي ما نسمّيه اليوم “الظاهرة الفونولوجية اللهجية”. ولذلك قيل: “فيه كشكشة ربيعة” و“طمطمانية حمير”، فجُعل الحرف علامةً جزئية داخل نسقٍ أوسع.
ثانياً: الظواهر الصوتية بين الوصف والتقعيد
لقد سجّل علماء العربية ظواهر صوتية دقيقة تُظهر مدى حسّهم الفونولوجي المبكّر، ومن ذلك:
الكشكشة (عليش بدل عليك)
الكسكسة (عليكس)
الشنشنة
العنعنة (عنّك بدل أنّك)
الفحفحة
العجعجة (قلب الياء جيماً)
اليأيأة
الطمطمانية (أمبيت بدل البيت)
التلتلة (تِعلم بدل تَعلم)
الاستنطاء (أنطى بدل أعطى)
وقد نظر إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي بوصفها تنويعات طبيعية، لا انحرافات، إذ إنّ اللغة - في نظره - طاقة اشتقاقية وصوتية تتّسع لأكثر من وجه.
أما المبرد، فكان أميل إلى الانتقاء، فعدّ بعض هذه الظواهر قليلاً لا يُقاس عليه، وإن لم ينفِ فصاحته في موضعه.
ثالثاً: مدارس النحو ومناهج النظر إلى اللهجات
1- المدرسة البصرية (المنهج التقعيدي):
مالت إلى بناء نموذج معياري للعربية، فاختارت من لهجات القبائل ما وافق القياس وكثرة الاستعمال، وأعرضت عمّا رأت فيه ندرة. وقد مثّل هذا الاتجاه سيبويه والمبرد.
2- المدرسة الكوفية (المنهج التوسّعي):
كانت أكثر تسامحاً، وأوسع قبولاً للشواهد، حتى لو كانت قليلة، ما دامت عربية الأصل. ويُعدّ الكسائي من أبرز ممثلي هذا الاتجاه.
3- فقهاء اللغة (المنهج التأصيلي):
نظروا إلى الظواهر اللهجية بوصفها فروعاً لأصلٍ واحد. وقد أكّد ابن فارس في “الصاحبي” أنّ العربية ترجع إلى أصول محدودة تتفرّع عنها الاستعمالات، وهو ما يشبه - بلغة معاصرة - فكرة “البنية العميقة”.
رابعاً: لهجات اليمن والجنوب العربي في ضوء التراث
تمثّل لهجات اليمن القديمة (كلهجات حمير وكندة وحضرموت) مخزوناً صوتياً فريداً، وقد حفظت لنا المصادر إشارات مهمّة عنها:
الطمطمانية الحميرية: إبدال “أل” بـ“أم”، وهو أثرٌ واضح في نقوش جنوب الجزيرة.
القلب الصوتي لبعض الحروف: كما في ظواهر قريبة من الاستنطاء والعنعنة.
بقايا لغات الجنوب العربي (السبئية والمعينية والقتبانية): وهي وإن كانت لغات سامية شقيقة، فقد أثّرت في العربية الجنوبية من حيث المعجم والبنية الصوتية.
كما تظهر آثار هذه اللهجات في امتداد جغرافي نحو عُمان وجنوب الجزيرة، بل وفي بعض لهجات القرن الإفريقي نتيجة الاحتكاك التاريخي.
خامساً: هل اللهجات لغات؟ قراءة في البنية العميقة
إنّ السؤال: “هل اللهجات لغات؟” سؤال حديث في صيغته، قديم في مضمونه.
والجواب، في ضوء التراث العربي، يتلخّص في الآتي:
اللهجات ليست لغات مستقلة من حيث:
النظام النحوي،
البنية الصرفية،
الجذر الاشتقاقي.
لكنها أنظمة فرعية حيّة تعبّر عن:
تحوّلات صوتية،
تطوّرات دلالية،
سياقات تاريخية واجتماعية.
وقد حفظت العربية وحدتها بفضل عناصر ثلاثة:
نظام الاشتقاق الجذري
البنية النحوية المستقرة
المرجعية القرآنية التي شكّلت معياراً أعلى للفصاحة
سادساً: من لهجات القبائل إلى لهجات العصر
إذا كانت الكشكشة والعنعنة والطمطمانية تمثّل تعدّداً قبلياً قديماً، فإنّ اللهجات المعاصرة تمثّل تعدّداً مركّباً نشأ عن:
اتساع الدولة الإسلامية
التفاعل مع لغات كالفارسية واليونانية والقبطية والأمازيغية
التحوّلات الاجتماعية والسياسية
ومع ذلك، فإنّ كثيراً من الظواهر القديمة ما زال حيّاً في لهجات اليوم، مما يدلّ على استمرارية السلسلة الصوتية عبر الزمن، وكأنّ اللسان العربي يحتفظ بذاكرته العميقة رغم تغيّر سطوحه.
سابعاً: الوعي اللغوي بين الحفظ والتجديد
إنّ الجهل بتاريخ الظاهرة اللغوية يُفضي إلى أحكامٍ متعجّلة، فيُظنّ التنوّع فساداً، ويُحسب الاختلاف انحرافاً. غير أنّ الوعي الرشيد يقتضي:
صيانة الفصحى بوصفها وعاءً حضارياً جامعاً
فهم اللهجات بوصفها امتداداً تاريخياً لا خصماً بنيوياً
فاللغة التي لا تتجدّد تموت، والتي تفقد معيارها تتفكّك.
خاتمة: وحدة تتجلّى في التعدّد
ليست العربية نهراً واحداً ساكناً، بل منظومة أنهارٍ تلتقي في مصبٍّ واحد.
الكشكشة أثرُ قبيلة، والطمطمانية شاهدُ تاريخ، والعنعنة وجهٌ من وجوه التلوين الصوتي.
وهكذا تظلّ العربية:
ليست واحدةً بالجمود، ولا متعدّدةً بالانفصال،
بل هي وحدةٌ حيّة تتجلّى في تعدّدها، وتعدّدٌ منسجم يحيا في وحدتها؛
وذلك سرّ بقائها، وعنوان خلودها في الزمن اللغوي
***
بقلم: عماد خالد رحمة- برلين







