عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

ثامر الحاج أمين: ضياع القضية المركزية في رواية "مدار الأشياء المرفوضة"

قبل أيام قليلة رحل عن عالمنا الكاتب العراقي "سليمان البكري (1937 ــ 2026)" بعد عمر من العطاء والصمت، وقد أعادني هذا الحدث إلى ذكرى عمرها نصف قرن من الزمن، وتحديدًا إلى عام 1976 الذي تعرفت فيه على هذا الكاتب من خلال روايته (مدار الأشياء المرفوضة) الصادرة عن مطبعة الشعب ببغداد عام 1971. حيث عدت إلى أوراقي القديمة لأعيد ما دونته آنذاك بحق هذه الرواية .. قلت فيها :

كثيرة هي الأعمال الروائية التي ولجت عالم السياسة وتناولت موضوع حرية الإنسان وصراعه مع السلطة القاهرة، ولعل الأعمال الروائية العربية، على وجه التحديد، مثل (شرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف، و(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي، و(تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم، و(هؤلاء) لمجيد طوبيا، و(الأنهار) لعبد الرحمن مجيد الربيعي ــ  والقائمة تطول ــ كانت من أبرز الأعمال التي ساهمت في نقد الواقع السياسي وتسليط الضوء على الصراع القائم بين القوى العاملة في الساحة السياسية. وتأتي رواية (مدار الأشياء المرفوضة) لمؤلفها "سليمان البكري " لتصطف إلى جانب الأعمال السالفة الذكر، حيث تناولت فترة حرجة من تاريخنا السياسي، تلك التي سبقت ثورة الرابع عشر من تموز 1958.

حاولت الرواية، عبر فصولها الأربعة: المعتقل، المنفى، الحب، الثورة، إظهار هويتها السياسية. فمنذ استهلال فصلها الأول "المعتقل"، تعلن الرواية عن هويتها: (حلّ النهار في المعتقل، وبدأ بعض المعتقلين يسيرون في كآبة خلال الممر الطويل، ص 5). والمعتقل كما عهدناه هو المكان والقاسم المشترك الذي جمع معظم الأعمال السياسية، ثم ينقلنا المؤلف الى فضاء المعتقل، مسلطًا الضوء على طبيعة نزلائه السياسيين الذين يشكلون الشخصيات الرئيسية في الرواية، كاشفًا عن اهتزاز الرؤى لدى أبطالها، والمناكفات الدائرة بينهم نتيجة الضغوط النفسية التي وجدوا أنفسهم واقعين تحت تأثيرها.

فالرواية تقوم على عدد من الشخصيات المتباينة في الرؤية السياسية وطبيعة الاندفاع والايمان بقضيتها    فشخصية "علي" ــ احد ابطال الرواية ــ شخصية متشائمة تشكو لزميلها سامي متذمرة من أجواء المعتقل، وتكشف عن ضعف مقاومتها لظروف السجن، كما تظهر يائسة من صمودها امام الضغوط وذلك بقولها: (لقد انتهينا يا سامي). و"أسامة" الشاب الرومانسي الحالم (باللواتي يتنزهن في الشارع العام)، و"كمال" المتوتر الذي يحاول أن يوقع برفيقه متهمًا إياه بالخيانة. وحتى "سامي"، الذي أراد له المؤلف أن يكون النموذج المختلف والأكثر ثورية من بين تلك النماذج المهزوزة فان شخصيته لم تسلم من اضطراب فكري واضح والتزام شكلي بقضيته؛ فهو يقضي يومه في السجن يفكر بـ"لوليت"، زوجة أستاذه "آدم"، إذ يصف المؤلف انشغاله: (النوم يهرب من عينيه وهو يفكر بلوليت معه.. يحلم بها محلقًا في عوالم الحب السعيدة، ص 10). وهو أمر غير مقنع أن يعيش معتقل سياسي هذه الرومانسية والأريحية في سجن يواجه فيه صنوفًا من التعذيب والقهر والضغوط النفسية.

في الفصل الثاني، الذي أسماه "المنفى"، يشير المؤلف صراحة إلى زمن أحداث الرواية: (في صباح بارد من عام 1956، ص 20)، إذن هو عام انتفاضة الشعب العراقي ضد العدوان الثلاثي على مصر و(الاعتداء على بورسعيد بشكل مرير)، وكان من الممكن أن يستفيد المؤلف من هذا الحدث لتعميق البنية الفكرية للرواية والمضي بطابعها السياسي، لكنه يفاجئنا بأنه لم يعد مهتمًا بموضوع حرية الإنسان والنضال في سبيل تحقيقها، وإنما أدار ظهره لهذه المهمة، وبات تركيزه على مغامرات "المناضل" سامي، الذي خرج من السجن في ظروف غامضة وغير مقنعة، فالمؤلف، ومن أجل إسباغ الطابع السياسي على روايته، اكتفى بذكر موقف سامي الذي بقي (يوقع يوميًا ثلاث مرات في سجل الشرطة)، دون الالتفات إلى طبيعة نشاطه وعلاقته بقضيته، بل راح يسرد في صفحات طويلة مغامرات سامي وسهراته الماجنة مع "لوليت"، التي، بعد شوط طويل من الالتحامات الدافئة تغادر إلى بيروت، تاركة لسامي يومياتها الغرامية التي تصلح أن تكون رسائل غرام جاهزة للعشاق المراهقين. وبهذه الانعطافة التي احتلت معظم صفحات الفصل، أضاع المؤلف القضية المركزية التي أراد أن يبني عليها موضوع روايته.

في الفصل الأخير، يظل الشاغل الوحيد للمؤلف هو شخصية "سامي". فبسبب الإحباط الذي عاشه نتيجة هجرة "لوليت" له، يعود فيعاشر بغيًا ويتخذ منها رفيقة، ويعلمها مبادئ الثورية: (الثوري من ينضوي تحت تنظيم طليعي ويؤمن بنظرية علمية، ص 42). وبسيل من هذه الجمل الطنانة التي ظلت تتردد على ألسنة أبطاله، اعتقد المؤلف أنه قادر على خداع القارئ بهوية روايته.

وبقدرة قادر، تأتي ثورة الرابع عشر من تموز 1958، و"سامي" لحظتها يشارك بغيا سريرًا واحدًا، وبهذه الإشارة ألغى المؤلف دور الأحزاب الوطنية والمناضلين الحقيقيين ومساهمتهم الفاعلة في أحداث الثورة المذكورة.

رواية (مدار الأشياء المرفوضة) قدمت نموذجًا سيئًا للمناضل السياسي، وكأن مؤلفها أراد القول إن الجميع في مركب واحد هو مركب الانتهازية وادعاء الثورية، حيث لا نجد بين شخصيات الرواية نموذجًا إيجابيًا يعكس ثبات وصلابة المناضلين الأشداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل قضيتهم. فالرواية حاولت الانتماء إلى حقل الرواية السياسية لكنها لم تكن مقنعة ولم تنجح في سعيها كونها اتخذت من السطحية أسلوبا في محاكاة الواقع وتمسكت شكلا بالموضوع السياسي، وبالتالي أخفقت في أن تنال هذه الهوية، كما أخفقت في تقديم نموذج ثوري مقنع مثل الذي تعرفنا عليه في الروايات التي اسلفنا ذكرها .

***

ثامر الحاج أمين

1976