قراءات نقدية

منير محقق: محمد مفتاح وبناء المفهوم النقدي في تحليل الخطاب الشعري

التشاكل بوصفه آلية لإنتاج المعنى وانسجام النص

على سبيل الافتتاح: في سياق التحولات العميقة التي شهدها الدرس النقدي العربي خلال العقود الأخيرة، برزت الحاجة إلى إعادة مساءلة المفاهيم المؤسسة للفعل التأويلي، لا بوصفها أدوات إجرائية جاهزة، بل باعتبارها أنساقًا معرفية تُنتج داخل شروط تاريخية وثقافية مخصوصة. ومن هذا الأفق المعرفي، يتبدّى المشروع النقدي للباحث المغربي محمد مفتاح بوصفه أحد أبرز المشاريع التي سعت إلى إعادة بناء العلاقة بين النص، والمنهج، والمفهوم، عبر انفتاح واعٍ على المنجز اللساني والسيميائي والتداولي المعاصر.

لم يكن اشتغال محمد مفتاح مجرد استثمارٍ لمناهج غربية في قراءة الخطاب الشعري العربي، بل كان محاولةً لتأسيس وعي نقدي قادر على تفكيك آليات إنتاج المعنى داخل النص، وإعادة تركيبها ضمن رؤية تكاملية تتجاوز الفصل التقليدي بين البلاغة والتراث من جهة، والمقاربات اللسانية الحديثة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم التشاكل مكانة مركزية داخل تصوره النظري، باعتباره أفقًا تحليليًا يعيد توجيه فعل القراءة من البحث عن المعنى الجاهز إلى الكشف عن آليات تشكّله داخل بنية الخطاب.

مقدمة

عرف النقد العربي المعاصر تحولات إبستمولوجية عميقة تمثلت في انتقاله من القراءة الانطباعية للنصوص إلى بناء مقاربات مفهومية تستند إلى أدوات تحليلية دقيقة. وقد ارتبط هذا التحول بتنامي الوعي بأهمية المفهوم النقدي بوصفه أداة تنظّم المعرفة وتمنحها صرامتها العلمية. وفي قلب هذه التحولات يبرز المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره أحد أبرز المشاريع التي أسهمت في إعادة تأسيس الدرس النقدي العربي على قاعدة المفهوم والمنهج، حيث سعت أعماله إلى إعادة بناء العلاقة بين النص والمنهج والمفهوم عبر انفتاح واعٍ على المنجزات اللسانية والسيميائية الحديثة.

لقد أدرك مفتاح مبكرًا أن أزمة النقد العربي لا تكمن في غياب النصوص أو المناهج بقدر ما تكمن في اضطراب الجهاز المفاهيمي الذي يُنتج المعرفة النقدية، لذلك جعل من الاشتغال بالمفاهيم مدخلًا رئيسًا لفهم الخطاب الأدبي وتحليله (مفتاح، 1999). ومن هنا تحوّل التحليل النقدي عنده من ممارسة وصفية إلى مشروع معرفي يسعى إلى بناء أدوات إجرائية دقيقة قادرة على تفسير آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية.

وإذا كان التحول الذي شهده النقد العربي المعاصر قد أفضى إلى إعادة الاعتبار للمفهوم بوصفه أداةً لإنتاج المعرفة لا مجرد وسيلة وصف، فإن المشروع النقدي لمحمد مفتاح يقدّم نموذجًا دالًا على هذا الانتقال المنهجي، حيث يصبح الاشتغال المفاهيمي شرطًا لفهم الخطاب الأدبي في بنيته العميقة. ومن داخل هذا الأفق تتحدد أهمية مفهوم التشاكل باعتباره مبدأً تنظيميًا يكشف عن الكيفية التي تنتظم بها العلاقات الدلالية داخل النص الشعري، بما يجعل انسجامه نتيجة شبكة من التكرارات والتحولات الدلالية المتفاعلة.

أولاً: المفهوم بوصفه أساس المعرفة النقدية

ينطلق محمد مفتاح من تصور معرفي يرى أن المفاهيم ليست مجرد أدوات وصفية، بل آليات تنظّم الإدراك الإنساني وتؤطر إنتاج المعرفة. فالمفهوم يسمح بإقامة العلاقات بين الظواهر، ويمنح الخطاب العلمي دقته وصرامته المنهجية، ويجعل التحليل النقدي انتقالًا من الانطباع إلى الفهم المنظم.

ولهذا أولى عناية خاصة بالمصطلح النقدي، معتبرًا أن أي تحليل للنصوص الأدبية يظل ناقصًا ما لم يستند إلى ضبط اصطلاحي صارم، لأن المفاهيم تمثل الوسيط بين اللغة الطبيعية واللغة العلمية (مفتاح، 2009). ومن ثمّ فإن الاشتغال بالمفهوم عنده لا يقتصر على التعريف، بل يشمل تتبع تحولات المصطلح داخل الحقول المعرفية المختلفة وإعادة توظيفه بما يلائم خصوصية النص العربي.

ويكشف هذا التوجه عن وعي إبستمولوجي يجعل المفهوم أداة تفكير قبل أن يكون أداة تطبيق، إذ لا يمكن للنقد أن يبلغ مستوى العلمية إلا حين يمتلك جهازًا مفاهيميًا قادرًا على تفسير الظواهر الأدبية ضمن شبكة من العلاقات المنظمة.

ثانيًا: الخطاب الشعري بين البنية والتداول

لا يتعامل مفتاح مع النص الشعري باعتباره بنية لغوية مغلقة، بل يدرسه ضمن مفهوم الخطاب الذي يتجاوز حدود الجملة إلى شروط التلفظ والسياق التداولي. فالخطاب، في تصوره، فعل تواصلي مركب يجمع بين البنية اللغوية والوظيفة الحجاجية والتأثير التداولي.

وقد تأثر في هذا التصور بالتحولات اللسانية والسيميائية الحديثة التي نقلت الاهتمام من دراسة الجملة إلى تحليل الخطاب، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل عناصر متعددة تشمل الصوت والتركيب والدلالة والسياق (الحميري، 2008). وبذلك يتحول النص الشعري إلى نظام دينامي للعلاقات لا يمكن فهمه عبر تفكيك عناصره منفردة، بل عبر الكشف عن الروابط التي تحقق وحدته الداخلية.

ومن هذا المنظور يغدو الشعر فضاءً تواصليًا تتقاطع داخله مستويات متعددة من العلامات، الأمر الذي يجعل التحليل الخطابي ضرورة منهجية لفهم كيفية تشكّل المعنى داخل النص.

ثالثًا: التشاكل مركز التحليل الخطابي

يعد مفهوم التشاكل من أهم المفاهيم التي بلورها محمد مفتاح في مشروعه النقدي. وقد استمد المصطلح جذوره من السيميائيات البنيوية، خاصة عند غريماس، حيث يشير إلى تكرار السمات الدلالية التي تضمن انسجام النص (Greimas, 1966).

غير أن مفتاح لم يكتف باستعارة المفهوم، بل أعاد صياغته داخل أفق نقدي عربي، فوسّع دلالته ليشمل مختلف مستويات الخطاب، معتبرًا التشاكل عملية تنمية لنواة معنوية عبر تراكم عناصر صوتية وتركيبية ودلالية وتداولية داخل النص، بما يحقق انسجام الرسالة الشعرية (مفتاح، 2009).

وهكذا لم يعد التشاكل مجرد تكرار معنوي، بل أصبح آلية إنتاج للمعنى تكشف كيفية تشكل الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض.

رابعًا: مستويات التشاكل ووظائفه النصية

يميّز مفتاح بين عدة مستويات يتجلى عبرها التشاكل داخل الخطاب الشعري، من أهمها:

1. التشاكل الصوتي: المرتبط بالإيقاع والنبر والتكرار الصوتي، حيث يسهم انتظام الأصوات في بناء الانسجام الإيقاعي للنص.

2. التشاكل التركيبي: الناتج عن انتظام البنيات النحوية وتكرار الصيغ التركيبية التي تمنح الخطاب توازنه البنائي.

3. التشاكل الدلالي: القائم على تكرار الحقول المعجمية والسمات الدلالية التي تشكّل النواة المعنوية للنص.

4. التشاكل التداولي: المتصل بسياق الخطاب ومقاصده التواصلية، حيث يتحدد المعنى عبر العلاقة بين النص والمتلقي وظروف التلفظ.

وتكمن أهمية هذا التصور في كونه ينقل التحليل النقدي من البحث عن المعنى المفرد إلى دراسة آليات إنتاج المعنى، حيث يصبح الانسجام نتيجة تفاعل مستويات متعددة داخل النص (مفتاح، 1992).

خامسًا: التوازي بوصفه استراتيجية بنائية للخطاب الشعري

يربط مفتاح بين التشاكل والتوازي باعتبارهما آليتين متكاملتين في بناء الخطاب الشعري. فالتوازي لا يمثل مجرد تكرار شكلي، بل إعادة تنظيم للعلاقات اللغوية بما ينتج اختلافًا دلاليًا داخل التشابه البنيوي.

ومن خلال التوازي تتحقق وظائف جمالية وحجاجية في آن واحد، إذ يمنح النص إيقاعه الداخلي ويعزز قدرته التأثيرية، مما يجعل الشعر فضاءً تتحقق فيه الدلالة عبر الحركة المستمرة بين التماثل والاختلاف. وهكذا يصبح التوازي امتدادًا ديناميًا للتشاكل، يرسّخ انسجام النص ويعمّق بنيته الدلالية.

خاتمة

يظهر المشروع النقدي لمحمد مفتاح بوصفه محاولة معرفية عميقة لإعادة بناء النقد العربي على أساس مفهومي صارم يجمع بين التراث البلاغي العربي والمنجز اللساني والسيميائي الحديث. وقد أسهم مفهوم التشاكل، كما أعاد صياغته، في نقل تحليل الخطاب الشعري من مستوى الوصف البلاغي إلى مستوى الكشف عن البنيات العميقة المنتجة للمعنى.

وبذلك يمكن اعتبار إسهام مفتاح لحظة مفصلية في تطور النقد العربي المعاصر، حيث أصبح المفهوم أداة للفهم لا مجرد مصطلح، وأضحى النص مجالًا لعلاقات دينامية تُبنى داخله الدلالة عبر الانسجام البنيوي والتداولي. ومن خلال هذا التصور تتأكد أهمية المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره تجربة فكرية أسهمت في إعادة تشكيل الحساسية المنهجية للنقد العربي الحديث وفتحت إمكانات جديدة لفهم النص الأدبي ضمن أفق معرفي منفتح ومتجدد.

***

بقلم: د. منير محقق كاتب وناقد وباحث مغربي

...................

المراجع والمصادر

الحميري، عبد السلام. (2008). تحليل الخطاب: المفاهيم والإجراءات. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق.

مفتاح، محمد. (1992). تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (1999). مفاهيم موسعة لنظرية شعرية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (2009). دينامية النص: تنظير وإنجاز. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Greimas, A. J. (1966). Sémantique structurale. Paris: Larousse.

في المثقف اليوم