قراءات نقدية

عبد النبي بزاز: الثابت والمتغير القصصي في مجموعة "كاتب الديوان"

تتشكل قصص "كاتب الديوان" للكاتب والقص الجزائري خليل حشلاف من عناصر وموضوعات سردية تتوزع بين ضوابط القص وأدواته المعروفة من حوار ووصف وأحداث وشخصيات وموضوعات تنزاح عن طابعها المألوف في انتهاجها لنمط ينأى عن طابعها الشائع حيث يخترق سلطة تسيير ورسم الوقائع التي يتحكم القاص في تحديد مسارها، وسير مجرياتها، فضلا عن تضمين مدونة القص عناصر مختلفة من قبيل السؤال، والكتابة، والتحول عطفا على ما هو أسطوري غيبي، وأنسنة لكائنات كالذباب، والورود، والأشجار، في تقاطع مع أشخاص من صنف المجانين، وما طبع بعض سياقات السرد من نزعة وجودية بأبعاد عقدية غيبية.

وبما أن المجموعة صنفت ضمن القصص القصيرة فقد تضمنت عناصر القصة المعروفة من حوار خارجي حينا: " ـ ماذا ألم بالمدينة؟ / قال الأول: / ـ رجل طارئ / قال الثاني: / ـ حراسنا قبضوا على كاتب الديوان متلبسا بالخيانة " ص21، وداخلي أحيانا: " وهمست في خبيئتي: إن رحاب بيتي قد ضاقت... " ص39، ووصف: " كان خداها برتقاليتين ونهداها رمانتين وجسدها الأبيض قطعة لحم مضرمة في الزيت ومداواة بالعشب ومضمخة بالكوثر.. " ص9، وشخوص مثل الملك، وكاتب الديوان، وإبراهيم، وأحمد بن واوة (المجنون)، والكتبي، ومقداد، و(محمد ع)، وفي تكريس للطابع العجائبي داخل المجموعة تم توظيف الذبابة، والوردة في نسق منظومة الشخوص كما في نص " نوابض السريرالحديدي "، وما أضفاه عليهم الكاتب من أنسنة، بالإضافة إلى الأحداث التي تميز بعضها بخاصيات غرائبية. وهناك عناصر وردت ضمن ثنايا المجموعة ساهمت في خلخلة نمطية السرد، وتكسير إيقاع خطيته، مثل عنصر الكتابة كما نقرا في نص " ظمأ": " أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟ " ص15، في الصدع برغبة ضمنية، عبر السؤال، عن اجتراح فعل كتابة مختلفة مع نفي صفة الكاتب عن المتكلم، وهو ما يثبت في الآن ذاته ولعه بالكتابة وافتتانه بتضميخ بياض الورقة، وترجمة ما تعج به دواخله، وما يجول بذهنه على بياض الصفحة، بل نَهَجَ مسلكا مغايرا في وضع نهاية مختلفة يتركها، ويوكل أمرها لكاتب آخر: " بادهته حيرة في أن يكتب قصته بنهاية أخرى... ومضى يجرب ما تخيله، ويترك نهاية قصته لكاتب آخر... " ص18، وهو نهج مختلف عن المواضعات والضوابط المتبعة في كتابة القصة التي يملك الكاتب سلطة تحديد نهايتها دون تكليف غيره بذلك. وعنصر التحول الذي طال يد الراوي ليحولها إلى قطعة جليدية يتوسطها قلم كما جاء في قصة " نسر بلا أجنحة ": " وشعرت أن يدي استحالت إلى قطعة جليدية في وسطها قلم..." ص10، وتحول القصاصة التي هي عبارة عن كتلة صغيرة إلى بركة بعد أن رشحت وفاضت لتملأ الغرفة بماء عكر: " القصاصة كتلة مائية صغيرة، فاضت، تحولت إلى بركة، ساحت على الغرفة بماء عكر... " ص10، والجانب الأسطوري الذي تمثل في ولي الله الصالح، والذي يتردد على ضريحه كل من يرغب في النهل من حياض علمه وصلاحه: " يا ولي الله الصالح: ها قد جئتك أشد أزارك الأخضر، وأرش قبرك بعطر الفقراء الرخيص... أدعوك أن تعلمني سر علمك، وجوهر صلاحك... " ص 14، إلا أن الموقف ما يفتأ يتغير أمام عدم استجابة الولي المدفون بالقبر وتجاوبه مع طلب الزائر لضريحه: " هذا الصخر لا يجيب.. " ص14، إلا أن موقف الأم ظل ثابتا رهين عقيدة راسخة بقدرة ولي الله الصالح على الاستجابة لدعاء وطلب زائريه: " وأمي تداوم الزيارة وعندما نسام من بكائها نسألها الخروج، فتعود راضية البال مطمئنة.. " ص14، فتتأسس مفارقة قطباها الثقة والاعتقاد الراسخ بالولي، والانغماس في قراءة الكتب، والاهتمام بما هو ثقافي معرفي، وما ينجم عنه من غياب الاعتبار والتقدير لرجل الثقافة: " إن هذا الرجل مهيب وملهم في جذب الناس، فساسهم من حيث لا يعلمون، كان بيده شفاؤهم أو موتهم وها أنا الرجل المحاط بأرفف الكتب لا جمل ولا ناقة.. " ص14. وتضمنت قصص المجموعة كذلك مشاهد خبل وجنون في قصة " عسس الليل "، والتي تحكي عن شخص لم يتمدد على الأرض لمدة خمس سنوات، ولا يتناول الطعام لأيام كثيرة، وتصدر عنه همهمات مبهمة. تسكن عينيه حالة زوغان، ويرى وكأنه يتربص بشيء ما ويرصده، هيئته على قدر كبير من النتانة كما تصوره بعض مقاطع القصة: " إذ له إلى تلك الليلة خمس سنوات لم يضع جنبه على الأرض ويمكث أياما عديدة لا يأكل... كان يكثر من الهمهمات من الصباح حتى الغروب... ففي قعر عينيه تيهان لا حد له وكان وقوفه ركضا وراء شيء لا يحيد عنه، تراه وأرجله المفلطحة والأظافر التي تخشبت من الأوساخ، يعود وكأنه ظفر بشيء ما... " ص37، و الانتقال لمتابعة ظهور مجنون آخر هو أحمد بن واوة، إلا أن ما توقعه الراوي من حدوث خصام أو شجار بينهما لم يحصل: " إلى أن جاء أحمد بن واوة ـ مجنون مثله ـ... التقت عيناهما وظل يحدقان ببعضهما حتى إني انتظرت حدوث شيء تخيلت معركة بين المهبلين بالأيدي والعصي... " ص37، فانقطع الخيط الرابط بين أحمد بن واوة والراوي، وسار كل في طريقه ومن ثمة تم تعليق فصول الرواية: " أردت أن أقول له شيئا، أي شيء، لكنني وجدت فمي معلقا كأنه مخيطا بقفل، ورأيته يخالفني الطريق... شعرت وكأنني أريد أن أذهب وراءه، لكن رجلاي قادتني بعيدا إلى تذكرة قديمة... تمنيت لو أني أشاهد الرواية كاملة ويتم السماع التام." ص38. وقد كان حضور العنصر الغرائبي بارزا في ثنايا الأضمومة حيث يتم أنسنة الأشجار من خلال الإحساس بقدرتها على الكلام: " ساعتها شاهدت أشجارا ينظرن في استنكار وتعجب أن كل شجرة تقول: يا عبد الله تأدب مع الله... " 8. أو ما حدث للقاص مع الكتاب الذي حلق إلى أعلى وشرعت أوراقه في الانفجار: " أخرجت كتاب الجيب، وضغطت عليه بقوة، هويت بكل جسدي إلى الأرض، ارتفعت قليلا، وأثناء ذلك رميت الكتاب بعزم... ارتفع الكتاب إلى الأعلى وفجأة سمعت أوراقه النافرة محدثة انفجارا أو دويا... " ص14، في تصوير لمشهد سريالي عجيب. ولم تخل نصوص المجموعة كذلك من نفحة رومانسية نوعت في أساليبها التعبيرية لتكسير إيقاع السرد وخطيته كما في قصة " ظمأ ": " وكتفتح الوردة الندية تقرأ شفتاها كلمات القصيد ورحيق صوتها يدور في أفلاك الغرفة... " ص16، مستطردا: " كانت الشمس تترك تحياتها على السماء أشكالا وألوانا قزحية... " ص17، ماتحا من معجم رومانسي تختزله عناصر من صلب الطبيعة كالورد، والرحيق، والشمس، والألوان القزحية لتشكيل لوحة تنضح نضارة وبهاء. وكان السؤال أيضا، عبر امتداداته وتعالقاته، حاضرا في العديد من قصص المجموعة، ويبرز ذلك من أول نص " نسر بلا أجنحة ": " فالأسئلة نشرت خواطري في صحاري كلما توغلت فيها شعرت بضحالتها... " ص7، فتظل معلقة على أفق تحكمه المستجدات والصدف: " وظلت الأسئلة معلقة !. " ص9، لتمتد إلى مواضيع كالكتابة: " وسارق النار يسائل نفسه: أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟... " ص 15، بطرح استشكالات الكتابة، وما تنطلق منه من خلفيات، وما تستشرفه من أبعاد ومرامي نابعة من صلب كنهها وجوهرها. وتطرق كذلك للنزعة الوجودية ومدى علاقتها بموضوع الموت والحياة: " أليس في كل موت حياة، وفي حياة موت؟! " ص17، وما يوحدهما أو يفرقهما من مفارقات وتجاذبات. والطابع الرومانسي وصياغته على شكل سؤال: " هل أدلك على شيء يعطر الألوان بأجنحة الموسيقى؟ " ص27، داخل أشكال تعبيرية يؤثثها الحلم والخيال. والتشكيلي في استحضار للفنان العبقري فان غوغ: " من يرسم فان غوغ غيره؟ " ص27. وأيضا الجانب الغيبي في انفتاح على عالم الجن: " هل هو جن يريد أن يلعب معنا؟!" ص31، ككائن غيبي تنسج حوله حكايات غريبة. كما كانت هناك إشارات لما يعيشه المجتمع من أعطاب تدفع بفئة من أفراده إلى الارتماء في أحضان الرذائل والموبقات: " قررت أني ضحية مجتمع تعفنت أعرافه وأعراقه، هذا ما قد يبرر معاقرتي للخمر وممارسة الشهوات... " ص 8، وينتقل بعدها القاص إلى ما هو قومي عربي في تصوير لما يعيشه العراق من أوضاع قائمة على الفساد والقمع والاستغلال من طرف طغمة تكتم أنفاس الأفراد لتنفرد بالحكم والسلطة: " أبناءنا ببغداد تداءمت عليهم أذناب الغدر، والغفل منهم يتحدثون عن انتخابات تعددت فيها الأنهار، يا لحزن شعوبنا ما زالوا ينامون على أخبار موت أطفالهم وينهضون على صناديق تثقل كاهلهم بإذاعة رأيهم والرأي المخادع، فأصبحوا لا يحركون نأمة وكلما حاولوا نفض التراب، نجح الملوك إلى رميهم بقناة مسيلة للكرامة وقد جمح الجنرالات على ضعفائها كأنهم الناقة الجرباء.. " ص42، في كشف وفضح لما يعيشه المواطن العراقي من استبداد وتسلط من قبل الحكام الذين يعيثون الفساد، ويكرسون منطق الاستفراد، في تسيير شؤون البلاد والعباد.

ف " كاتب الديوان " قصص تجمع بين أدوات القصة الأساسية متوسلة بمواضيع وعناصر في تجريب ُمخْتلِف لشكل سردي يروم التجديد والتغيير بما يفتحه من آفاق مغايرة لطرائق قراءة تتغيا الاكتشاف والاستشراف.

***

عبد النبي بزاز

.......................

* كاتب الديوان (قصص) خليل حشلاف، إصدار طوى للثقافة والنشر والإعلام ـ لندن 2012.

 

في المثقف اليوم