قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: حين يتكلّم الحرف.. في دلالة الصوت وأثره في تشكّل المعنى العربي
ليست العربيةُ لغةَ ألفاظٍ تُرصُّ اعتباطاً، ولا نظامَ علاماتٍ محايداً يفصل بين الصوت والمعنى فصلاً آليّاً، بل هي — كما تنبّه الأوائل — شبكةُ تواشجٍ دقيقٍ بين الجرس والدلالة، بين المخارج والظلال النفسية، حتى ليغدو الحرفُ في بعض المواضع نواةَ معنى، أو على الأقلّ مُلوِّنَه الخفيّ.
لقد وقف ابن جني في كتابه الخصائص طويلاً عند ما سمّاه «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، فقرّر أن بين الأصوات وما تدلّ عليه من معانٍ مناسبةً ليست عرضيّة. وهو لا يدّعي تطابقاً مطلقاً، بل «مناسبة» تُستشفّ من كثرة الاستعمال؛ فالصاد — مثلًا — في «صَرّ، صَكّ، صَليل» تُشعر بالصلابة والحدّة، والراء المكرّرة في «زَرْزَرَ، خَرْخَرَ» توحي بالاهتزاز والاضطراب. إنّه يلمح إلى ما يُعرف في اللسانيات الحديثة بـ«الرمزية الصوتية»، لكن في أفقٍ عربيٍّ مبكّرٍ يستند إلى الذوق اللغويّ والاستقراء.
ولم يكن سيبويه بعيداً عن هذا الحسّ، وإن كان مشروعه نحويّاً بالأساس؛ فقد عُني بتحديد المخارج والصفات، لأنّ انتظام النظام النحويّ مشروطٌ بسلامة النظام الصوتيّ. فتمييزُ الشدّة من الرخاوة، والجهر من الهمس، والاستعلاء من الاستفال، ليس ترفاً صوتيّاً، بل هو جزءٌ من هندسة المعنى. فالفعل «قَطَعَ» — مثلًا — بحروفه المجهورة الشديدة يُحاكي فعلَ القطع في حدّته، بخلاف «قَطَفَ» حيث الرخاوة أخفّ أثرًا.
ثم جاء عبد القاهر الجرجاني ليعمّق الرؤية من زاوية «النظم»، فبيّن أن المعنى لا يقوم في المفردات منفصلة، بل في علاقاتها الصوتية والتركيبية. فاختيار حرفٍ دون آخر ليس اختياراً معجميّاً فحسب، بل هو قرارٌ إيقاعيٌّ دلاليّ. إنّ قولنا: «همس» غير «جهر»، لا من جهة المعجم فقط، بل من جهة الجرس الذي يهمس فعلًا أو يجهر.
أولًا: في البنية الصوتية وأثرها الدلالي:
تنقسم الأصوات العربية بحسب المخارج والصفات، وهذه الصفات ذات أثر إيحائي:
الأصوات الشديدة (كالباء، الدال، الطاء) توحي بالانفجار والقوّة.
الأصوات الرخوة (كالسين، الفاء، الهاء) توحي بالامتداد واللين.
أصوات الاستعلاء (القاف، الصاد، الطاء، الظاء) تمنح اللفظ ثقلًا وهيبة.
الأصوات المجهورة تضفي حضوراً وامتلاءً، بخلاف المهموسة التي تميل إلى الخفوت.
من هنا نفهم كيف تتجاور الدلالة المعجمية والدلالة الصوتية في ألفاظٍ مثل: «غليان» حيث الغين واللام المطبقتان تُشعران بالغور والاضطراب، و«سكون» حيث السين والكاف والنون أصواتٌ رخوة أو متوسطة تعكس هدوءاً وانسحاباً.
ثانياً: في الصرف والاشتقاق بوصفه هندسةً صوتيةً للمعنى
الصرف العربي ليس آليةً لإنتاج الكلمات فحسب، بل هو نظامُ توزيعٍ للصوت على المعنى. فالزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى، كما تقرّر القاعدة. غير أنّ هذه الزيادة ذات بُعدٍ صوتيّ أيضاً؛ فالتضعيف في «كسّر» يضاعف الأثر السمعيّ كما يضاعف الفعل، وصيغة «فعّال» بكثافة حرف العين المشدّد توحي بالتكرار والمبالغة.
ولمّا تحدّث تمام حسان عن «القرائن» في الدلالة، نبّه إلى أنّ الصوت قرينةٌ أولى لا يجوز إغفالها؛ فالنظام اللغويّ عنده شبكةٌ من المستويات (صوتي، صرفي، نحوي، دلالي)، وكلّ مستوى يسند الآخر.
ثالثاً: في النحو وعلاقته بالإيقاع الصوتي
النحو العربيّ — في جوهره — تنظيمٌ للعلاقات بين الكلمات، لكنّ هذا التنظيم مشروطٌ بانسجامٍ صوتيّ. فالرفع والنصب والجرّ ليست حركاتٍ اعتباطية، بل هي — في أصلها — إشاراتٌ سمعية تحدّد الوظيفة. والحركة القصيرة (الفتحة والضمة والكسرة) تُعدّل إيقاع الجملة، فتمنحها خفّةً أو ثقلًا.
وقد رأى بعض الدارسين المعاصرين، متأثرين باللسانيات البنيوية، أنّ العلاقة بين الصوت والمعنى اعتباطية، على نحو ما ذهب إليه فرديناند دي سوسير في حديثه عن «اعتباطية العلامة». غير أنّ العربية — بما راكمته من اشتقاقٍ وجذريةٍ صوتية — تقدّم نموذجًا تُخفَّف فيه هذه الاعتباطية بظاهرة «الرمزية الصوتية» والاستقرار الاشتقاقي.
رابعاً: بين الفطرة والاصطلاح
إنّ السؤال الجوهريّ: هل دلالة الصوت طبيعية أم اصطلاحية؟
الأقرب أنّها منطقةُ تداخل: فالأصل اصطلاحيّ، لكنّ الحسّ الإنسانيّ يربط بعض الأصوات بإيحاءاتٍ نفسية. فحرف القاف — لشدّته وقلقلته — يميل إلى تصوير القوّة (قهر، قضم، قصف)، وحرف الهاء — لهمسه — يلازم معاني الخفّة والأنين (همس، هدهد، هفيف).
وهذا لا يعني قانوناً صارماً، بل «ميلًا دلاليّاً» يتعزّز بالاستعمال.
خاتمة: الحرف ككائنٍ دلاليّ
إنّ الحرف العربيّ ليس مجرّد عنصرٍ صوتيّ، بل هو كائنٌ دلاليٌّ صغير، يسهم في تشكيل الظلّ المعنويّ للكلمة. ومن يتأمّل العربية يجدها قد شيّدت بنيانها على هذا التآلف بين الجرس والمعنى، حتى غدا الاشتقاقُ موسيقى، وغدت الجملةُ إيقاعاَ نحويّاً.
وهكذا فإنّ دراسة دلالة الأصوات في العربية ليست ترفاً بلاغيّاً، بل مدخلٌ إلى فهم عبقرية النظام اللغويّ العربيّ، حيث يتجاور الصوت والمعنى كما يتجاور الجسد والروح، لا ينفصل أحدهما عن الآخر إلا انفصالَ الحياة عن نبضها.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







