قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسّعة لنص "أغمضُ عينيّ علّني أرى"
للشاعر والناثر خلدون رحمة
يشكّل نص «أغمضُ عينيّ علّني أرى» للشاعر والناثر خلدون عماد رحمة تجربةً كتابيةً تتجاوز حدود النثر الوصفي إلى فضاء الرؤيا الداخلية، حيث تتقاطع الموسيقى بالذاكرة، ويتحوّل الإغماض إلى فعل إبصار، ويغدو الصوت معبراً أنطولوجياً إلى جوهر الكينونة. إننا أمام نصّ لا يكتفي باستحضار المشهد، بل يعيد خلقه عبر تداخل الحواس وتكثيف الصورة واشتغال اللغة على الانزياح والرمز، بما يجعله ينتمي إلى تخوم قصيدة النثر العربية الحديثة، دون أن ينفصل عن جذوره الثقافية والوجدانية.
تنبع أهمية هذه الدراسة من كون النص يختزن مستويات متعددة من القراءة: لغوية وبلاغية، جمالية وفنية، فكرية وفلسفية، نفسية وسوسيولوجية، وسيميائية. فهو نصّ مركّب، تتشابك فيه البنية الصوتية بالذاكرة الجمعية، ويتحوّل فيه المعمار الموسيقي إلى نظام دلالي يكشف عن علاقة الإنسان بالمكان والهوية والفقد. كما أن تاريخ كتابته في سياق عربي مضطرب يضفي عليه بعداً تأويلياً إضافياً، يجعل من الحنين فيه ليس مجرد عاطفة، بل استراتيجية مقاومة رمزية للخراب.
وتهدف هذه الدراسة إلى مقاربة النص وفق منهج تكاملي يجمع بين التحليل الأسلوبي، والقراءة الهيرمينوطيقية، والتأويل السيميائي، مع الاستفادة من منجزات النقد الحديث في فهم النصوص المفتوحة. وسيتمّ الوقوف عند سلامة اللغة وبنية الأسلوب، والرؤية الفنية والمعمار الصوتي، ثم الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وعلاقة النص بسياقه الثقافي والاجتماعي، وصولاً إلى أفقه الإنساني العام.
إن «أغمضُ عينيّ علّني أرى» ليس نصاً عن الموسيقى فحسب، بل هو نصّ عن الذاكرة بوصفها ملاذاً، وعن الصوت بوصفه شكلاً من أشكال النجاة، وعن الإنسان الذي لا يرى العالم إلا حين يجرؤ على أن يغلق عينيه ليفتح بصيرته.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.
يقوم النص على لغةٍ سليمة من حيث البنية النحوية والصرفية، مع توظيفٍ واعٍ للانزياح الدلالي والتركيبي. الجملة الفعلية تهيمن على المعمار الأسلوبي («أغمضُ»، «أتهرّبُ»، «تطوّقني»، «تغسلني»، «تحملني»)، بما يمنح النص حركة داخلية وانسياباً زمانياً مستمراً، وهو ما ينسجم مع طبيعة الوعي المتدفّق.
الانزياح البلاغي واضح في استعارات مركّبة مثل:
١- «رائحة الموسيقا» (نقل الحس من السمع إلى الشمّ)
٢- «بكارة السماء» (تشخيص كوني)
«دم النهوند في بئر أعماقي».
٣- (تجسيد المقام الموسيقي ككيان نزفي)
هذا الاشتغال على تداخل الحواس (التراسل الحسي) يقرّب النص من أفق الحداثة الشعرية، حيث اللغة لا تصف الواقع بل تعيد خلقه.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ مختارة بعناية، ذات طابع شفيف، تتوازن فيها الموسيقى الداخلية مع العمق الدلالي. لا نجد ترهّلاً أو مباشرة خطابية؛ بل هناك انسجام بين الموضوع (الموسيقى/الحنين) واللغة (الناعمة، الموحية).
المعجم يتوزع بين:
١- معجم وجداني: القلق، اللذة، الحنين، الاشتياق
٢- معجم موسيقي: العود، الناي، الدف، السكسافون، البيانو، النهوند
٣- معجم مكاني: المئذنة، المسجد، الأزقة، السوق، الجدار
هذا التنوّع يمنح النص ثراءً تصويرياً ويمنع انغلاقه على بعدٍ واحد.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
النص نثري، لكنه يقوم على إيقاع داخلي قائم على:
١- التكرار («أغمضُ عينيّ… أغمض عينيّ…»)
٢- الجمل القصيرة المفاجئة («تصمت الموسيقا / تسكت الآلات»)
التوازي التركيبي
٣- الجرس الصوتي في مفردات مثل: «رذاذ اللذّة الحافية»، «بهجة الذاكرة وتعاستها»، «بكارة السماء»، يمنح النص موسيقى خفية، تجعله أقرب إلى قصيدة نثر ذات انتظام داخلي، وفق ما تنظّر له في مفهوم «الكتابة كإيقاع داخلي».
ثانياً: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية:
النص يقوم على حركة دائرية:
إغماض - رؤية داخلية - فيض الصور - صمت - فتح العينين - اكتشاف.
هذه الدائرية تمنح النص وحدة عضوية. السرد هنا ليس حكائياً بل شعوري، الزمن فيه نفسي (زمن الذاكرة) لا كرونولوجي.
2. الرؤية الفنية:
الرؤية تنطلق من مفارقة:
الرؤية تتحقق عبر الإغماض.
هنا تتجلى فكرة أن الحقيقة ليست في الخارج بل في الداخل، وهو منظور يقارب الرؤية الصوفية عند جلال الدين الرومي، حيث «إغلاق الحواس يفتح البصيرة».
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:
النص يحقق الدهشة عبر:
١- تحويل الآلات الموسيقية إلى كائنات فاعلة
٢- جعل الموسيقى حاضنة للذاكرة والطفولة والشهادة والحب
هذا التداخل بين الشخصي والجمعي يمنح النص طاقة جمالية متجددة.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:
1. الموقف الفكري:
النص يطرح سؤالاً وجودياً:
هل نرى حقاً بأعيننا أم بذاكرتنا؟
القلق الوجودي («الجسد المصاب بالقنوط») يحيل إلى أفق قريب من الحساسية حول الكينونة والقلق بوصفه شرط الوعي.
2. الأفق المعرفي:
يتقاطع النص مع:
١- التصوف (الرؤية القلبية)
٢- الرومانسية (الحنين والذاكرة)
٣- الحداثة (تكسير الحواس)
3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):
الموسيقى ليست موضوعاً؛ بل رمزٌ للذاكرة الجمعية.
الشهيد، الأم، الجد، الحبيبة… كلها تظهر عبر وسيط صوتي، مما يجعل الموسيقى وعاء الهوية.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
النص كُتب عام 2014، في سياق عربي مثقل بالدم والفقد.
«ابتسامة شهيد جائع» ليست صورة رومانسية، بل إحالة إلى واقع اجتماعي سياسي.
توظيف المئذنة، صلاة العيد، الزغاريد، الزيتون… يربط النص بالفضاء الثقافي المشرقي.
خامساً: الأسس النفسية
النص يشتغل على:
الحنين بوصفه آلية دفاع
الموسيقى كتعويض عن الفقد
تداخل الإيروس (القبلة) مع التاناتوس (الشهيد) - التاناتوس مفهوم في التحليل النفسي يدلّ على غريزة الموت أو النزوع اللاواعي نحو الفناء - والعودة إلى حالة السكون الأولى. صاغ المفهوم بصيغته النظرية الحديثة
يمكن قراءته في ضوء مفاهيم اللاوعي الرمزي، حيث الصور تنبثق من عمقٍ أرشيفي جماعي.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:
النص لا ينفصل عن الجماعة: الطفل الفقير، الشهيد، السوق، الأزقة.
الكاتب هنا فاعل اجتماعي، يستخدم الجمال وسيلة مقاومة رمزية للخراب.
سابعاً: الأسس السيميائية
الثنائيات المركزية:
١- العين/ البصيرة
٢- الصوت/ الصمت
٣- الحضور/ الغياب
٤- الحياة/ الموت
الآلات الموسيقية تتحول إلى علامات:
١- الناي = الحنين
٢- العود = الجذر التراثي
٣- السكسافون = الحداثة
٤- البيانو = الحلم
النظام الرمزي العام يجعل الموسيقى معادلاً للحياة.
ثامناً: الأسس المنهجية
يمكن مقاربة النص بمنهج:
١- أسلوبي (تحليل الانزياح)
٢- نفسي (تفكيك الحنين)
٣- سيميائي (تحليل العلامات)
٤- هيرمينوطيقي (كشف طبقات المعنى).
النص يحتمل القراءة متعددة المناهج دون أن ينغلق على تفسير واحد.
تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا
النص يحتفي بالإنسان عبر:
١- الأم
٢- الجد
٣- الحبيبة
٤- الشهيد
هو نص عن الذاكرة بوصفها خلاصاً، وعن الموسيقى كمساحة حرية.
ينتهي باكتشاف:
«ثمّة مكان آخر في الموسيقا… إنها آخر ابتكارات الحنين».
هنا يبلغ النص ذروته التأويلية:
الموسيقى ليست صوتاً، بل أفق نجاة.
خلاصة:
نص «أغمضُ عينيّ علّني أرى» نص نثري شعري يمتلك:
١- سلامة لغوية وأناقة تركيبية
٢- طاقة تصويرية عالية
٣- معماراً إيقاعياً داخلياً
٤- عمقاً نفسياً ووجودياً
٥- انفتاحاً تأويلياً واسعاً
وهو يندرج ضمن تقاليد قصيدة النثر العربية الحديثة، دون أن يفقد صلته بالتراث السمعي والوجداني العربي.
إنه نص يثبت أن الرؤية قد تبدأ من العتمة، وأن الموسيقى قد تكون الشكل الأكثر صفاءً للذاكرة الإنسانية.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
..........................
أغمضُ عينيّ علّني أرى
أتهرّبُ من حدود الجسد المصاب بالقنوط وما تبقّى من النفْسِ الملطّخة بدم القلق.
تطوّقني رائحة الموسيقا بعذوبتها السرمديّة الغامضة، تغسِلني برذاذِ اللذَّةِ الحافيةِ وتحمِلُني على بساطها الصوتيّ إلى هناكَ، إلى روح المكان حيث تتعشّقُ حساسيّةُ الأصواتِ ببهجةِ الذاكرةِ وتعاستها القاسية.
*
كأنّي أعيدُ تأثيثَ المكانِ بمخيّلةِ الموسيقا !
يا لغرابةِ المشهد:
تبزغُ وجوه الناس نيرةً مخمورةً من صدر العود وكأنها تتخارجُ بعد سكرةٍ من عَرَقِ الأوتار، تتلألأ العيونُ بحبّاتِ الدمعِ مشتاقةً إلى أرضٍ أسطوريةٍ بعيدة.
يُشفّني وجدُ الناي الملائكيّ بتفرّدِ العازف الذي يئنّ وكأنه ينفخ نار روحه في مئذنةِ المسجد التي تفضّ بكارة السماﺀ، بُحّةُ الناي تستحضرُ صوتَ أمي في صورةٍ معلّقةٍ على جدار غرفتي المهجورة من ألف عام، يتعانقُ الناي مع العود فأشاهد ابتسامةَ شهيدٍ جائعٍ تزفّه الزغاريد المبحوحة إلى عرس الغياب.
أغمض عينيّ المسحورتين لأرى أكثر، تُشرقُ شمسُ الإيقاع، يشتعلُ خشبُ الدّفّ على وقع أصابعَ ناعمة تتقمّص أنوار الغسق الطريّة، هنا مشيتُ أنا وجدّي بعد صلاة العيد مغتبطاً بطفولتي الفقيرة وبعكازته المطليّة بزيت الزيتون، كانت عكازته تدقّ الأرض بوقارٍ لتؤلّف إيقاعاً يُطربُ سُكّان روحي.
تتفايض الصور من عينيّ المغمضتين: هنا قبّلتها أوّل مرّةٍ بين قذيقتينِ فارتعشتْ وسال الدم من لحم المكانِ كما يسيلُ دم النهوندِ في بئر أعماقي، هناك ودّعتني كحلمٍ حزينٍ تتصاعدُ اختلاجاتهُ من زوايا البيانو.
يا لغرابة الحواس حين تضطرم التباساتها: تطلعُ النساﺀُ الجميلاتُ من فوّهةِ السكسافونِ بهدوﺀٍ آسِرٍ كرائحةِ التفاح في السوق، تنهضُ الكمنجةُ، ترشّ صوتها بين الأزقةِ وتوقظ الأطفال النائمين ليذهبوا إلى مدارسهم، ها هم يطيرونَ إلى الدرسِ كَفَرَاشٍ شغوفٍ بالضوﺀ.
تصمت الموسيقا
تسكتُ الآلاتُ..
أفتحُ عينيّ المثقلتينِ بالسُّكْرِ وأهمسُ لنفْسي: ثمّةَ مكانٌ آخرٌ في الموسيقا..
إنها آخرُ ابتكاراتِ الحنينْ.
***
خلدون رحمة







