قراءات نقدية
حميد بن خيبش: "انتظار حسين" وآلام التقسيم
كما أن الكتابة تؤنس الإنسان في رحلة العيش المضنية والشاقة، فهي أيضا تحرره من وطأة الجغرافيا، وما تسببه مفارقة الأوطان من آلام وجراحات في القلب والذاكرة.
لذا يحرص الكاتب على تصوير المأساة الجماعية، ويتفنن في نقل رفاتها المعنوي من جيل إلى آخر، لتظل الذاكرة حية تنبض بصور الحنين للوطن الأم وملاعب الصبا، ولتجعل من الحزن الدفين شعلة أدبية متقدة، تمنح الوجودَ معنى وغاية.
إلى هذا الصنف من الكتابة تنتمي جل أعمال الأديب الباكستاني انتظار حسين، والذي حول مأساة انقسام الهند، وتأسيس باكستان ثم بنغلاديش لاحقا، إلى مرثية إنسانية تستنطق آلام التهجير والنفي والإقصاء بفنية عالية، مؤسسة لما بات يُعرف بأدب التقسيم.
ترتب عن استقلال الهند وانسحاب الاحتلال البريطاني تصاعد التوتر وأعمال العنف بين الهندوس والمسلمين. وفي عام 1947 جرى تقسيم شبه القارة إلى دولتين: الهند ذات الغالبية الهندوسية، وباكستان ذات الغالبية المسلمة. غير أن هذا القرار التاريخي الذي تقدمت به الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح، أطلق موجة من العنف داخل البلدين، كما أثر التقسيم غير العادل للموارد إلى تعطيل الاقتصاد، وإحداث فوضى هائلة، وهو الأمر الذي تعترف به أورفاشي بوتاليا في كتابها (الجانب الآخر من الصمت) قائلة:" لقد تسبب التقسيم السياسي للهند في واحدة من أعظم التشنجات الإنسانية في التاريخ. ولم يحدث من قبل أن قام هذا العدد الهائل من الناس بتبادل منازلهم وبلادهم بهذه السرعة."
في جو مفعم بالكراهية والتشريد والقتل، هاجر انتظار حسين من قريته داباي بالهند، بعد حصوله على درجة الماجستير في الأدب الأردي. إلى لاهور بباكستان، حيث التحق بصحيفة إمروز اليومية، ثم صحيفة الفجر. ولقي عموده (لاهور نامه) الذي استمر لسنوات، شهرة واسعة لدى قراء صحيفة مشرق.
سنة 1979 نشر انتظار حسين روايته باستي (القرية). وهي تحفة أدبية تبحث عن الوئام بين المسلم والهندوسي من خلال عرض التاريخ المأساوي لباكستان مفعما بالحنين إلى فترة ما قبل التقسيم.
يستيقظ البطل ذاكر، مدرس التاريخ بإحدى الجامعات في لاهور، على عالم حديث يضج بالشعارات الدامية، والاضطرابات التي سادت شوارع المدينة قبل اندلاع الحرب في بنغلاديش. هذه الأحداث تعيد ذاكر إلى زمن سابق، وتحديدا أوائل أربعينيات القرن العشرين حيث كان يقيم مع عائلته. تبرز المأساة مرة أخرى حين يصور الكاتب التباين بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي بلغة ساحرة، وكيف خلّف التقسيم آلام النزوح والعنف الذي أودى بحياة العديد من الأبرياء.
استعان حسين في صياغة أحداث الرواية بالتاريخ لمشترك بين القوميتين الهندوسية والإسلامية، لكنه، وبخلاف الأعمال التي تناولت الحدث، تميز بموضوعيته وعدم انحيازه لأي طرف. كان التقسيم في نظره رعبا نفسيا وجسديا، وتبديدا قاسيا لصور التعايش والتعدد الثقافي الذي ميّز العلاقة بين أبناء الهند.
تتعمق الرواية في جراح التقسيم بحذر شديد، لتكشف طبقات من الذكريات القديمة، وفق رؤية صوفية تحرك مشاعر الوئام السابقة. ويظهر أسلوب حسين فريدا بنبرة سرده، وتمكُّنه الفائق من أدق عناصر القصة الأردية الكلاسيكية، سواء من الاستخدام المتكرر للرموز الأسطورية، أو من حيث رسمه الدقيق لشخصيات تعكس التناقض بين القيم التقليدية والقيم الجديدة:
"فحص أبا جان المفاتيح مرة أخرى. "لا، لم أدعها تصدأ. من الآن فصاعدا الأمر متروك لذاكر". ثم خاطبه قائلا:" يا بني، هذه مفاتيح بيت لم يعد لنا فيه أي حق. ومتى كان لنا أي حق أصلا؟ الدنيا، كما قال علي بن أبي طالب، دار ضيافة. نحن ورغباتنا ضيوف فيها.. هذه المفاتيح أمانة. حافظ على هذه الأمانة، وتذكر اللطف الذي أظهرته لنا الأرض التي تركناها، وسيكون هذا أعظم عمل صالح تقوم به."
تبدو رواية (باستي) أشبه برحلة تُجسد كل شيء: العظمة، والحنين إلى الماضي، وحزن الكاتب على انهيار القيم الأصيلة، وسطحية القيم الجديدة وانفعالها المفرط. وما يلفت في المعاجلة السردية للكاتب هو قدرته على استحضار عدد هائل من الرموز والتشبيهات والاستعارات المحمّلة بدلالات عميقة، وبذلك يتجاوز حسين حدود الزمان والمكان ليأخذ القارئ في رحلة إلى عوالم مختلفة، تكشف عن اطلاعه الواسع على التراث الثقافي الفارسي والهندي القديم، ناهيك عن التاريخ الإسلامي بجل روافده:
"هذه هي مشكلة القمم. أولئك الذين يقفون عليها لا يتخيلون أبدا أنهم قد يسقطون من هذا الارتفاع! وعندما يبدأ الانحدار، لا يمكن إيقافه.
في منتصف الطريق لا يتوقف الانحدار ولو للحظة حتى يبلغ نهايته.
- لقد بدأت تتحدث عن انحطاط الأمم! كنت أتحدث عن الإمبراطورية.
- أينما ومتى بدأ التدهور فإنه يعمل بنفس الطريقة تماما."
يضفي حسين على عالمه الروائي حزنا عميقا يُكسبها جمالية خاصة، لذا تبدو أعماله تجسيدا لما أشار إليه الشاعر الإنجليزي ت.إس. إليوت بأن المبدع لا يبدع ليكشف عن نفسه، بل ليخفيها؛ لذا حين نتأمل استعاراته، وأسلوبه الذي يمزج بين التقنيات الغربية الحديثة وتقاليد الأدب الأردي الكلاسيكي، يتكشف لنا سعيه المتكرر لإخفاء الذات، مع حرص، في الآن نفسه، على تمجيد ثقافة الماضي المهمشة، لتفكيك سردية الاستعمار التي خلّفت ندوبا جلية في عقل الهندي ووجدانه.
في روايته القصيرة (دين) يصور حسين الحياة اليومية لعائلة مسلمة، تعيش في منزل قديم مترامي الأطراف. على هامش قصة حب جميلة وعذبة، تجمع بين "زمير" و"تحسينة"، يرصد البطل "زمير" ينهض منزل الأجداد كسجل حي لتغيرات الزمن. تنتقل القصة ذهابا وإيابا على امتداد تاريخي مفعم بالحنين، لتجدد في نفوس القراء إحدى آلام التقسيم التي عاشها الكاتب، حيث تُجبر الأسرة على ترك منزلها تنفيذا لحكم قضائي، لتنتقل، بعد مواجهة عقبات جمة، إلى منزل جديد في الضاحية.
تلقي القراءة الأولى لأعمال حسين ظلالا مأساوية على الأحداث، بحيث تمتزج مشاعر الحزن والفقدان مع الإحساس العميق بالضياع والعدم. غير أن ما يثير الإعجاب في العالم الروائي للكاتب هو ذاك الحضور غير العادي لكل عناصر الوجود من حوله، كأنها جزء لا يتجزأ من الجرح الإنساني الذي خلّفه التقسيم. يتجلى ذلك من خلال علاقة حسين بالطبيعة ومفرداتها الحية، حيث العواصف، والفصول المتغيرة، والطيور، والحيوانات والأزهار، لا تؤثث المشهد فحسب، وإنما تحقق اشتباكا آسرا ومفجعا في الوقت نفسه مع ما يرزح في أعماق الكاتب من ندوب.
تكررت موضوعة التقسيم في جل أعمال انتظار حسين لتصبح نموذجا للسرد الرائع للمأساة، ولترفع تحديا أمام كُتاب القصة القصيرة في شبه القارة الهندية. ولقاء منجزه الأدبي، ودفاعه المستميت عن التقاليد الأدبية الأصيلة، حظي الكاتب بأوسمة وجوائز أهمها: جائزة الإنجاز مدى الحياة التي مُنحت له ضمن فعاليات مهرجان لاهور الأدبي، ووسام نجمة الامتياز الذي قلدّه إياه الرئيس الباكستاني. كما حظي سنة 2014 بوسام الفنون والآداب الفرنسي، تقديرا لثراء وتنوع أعماله.
غير أنه لم يحظ بالتقدير نفسه في الهند التي سخر قلمه لإحياء روابط الهوية والثقافة والعيش المشترك مع طوائفها. ولعل السبب في ذلك، يقول الشاعر الهندي غولزار، هو أننا نختار أن نتجاهل ماضينا المؤلم. لقد كنا شعبا واحدا، انقسمنا، والآن أصبحنا شعبين".
***
حميد بن خيبش






