قراءات نقدية
جمعة عبد الله: مأساة حكاية الحرز في رواية "الحرز" للاديبة سعاد الراعي
لكل منا له حرز أو حكاية حياته الخاصة، تسلط الضوء الكاشف عن سيرة حياته ومكوناتها، والنص الروائي يوغل في تفاصيل هذا المكتوب في الحرز، وهو مرآة لحال البؤساء والضعفاء المساكين ومعاناتهم الشقية، في ظل غياب القانون والحماية والرحمة والشفقة الانسانية حتى من اقرب الناس، كيف تكون حال مأساتهم في ظل غياب الدولة، أو تكون في حالة ضعف، ويسيطر عليها الفوضى والخراب؟ بكل تأكيد سيكون الوضع الحياتي، طافح بالقهر والمعاناة والحرمان، والانتهاك القيمة الانسانية، لذا فإن الحدث الروائي يغوص في هذه التفاصيل الصادمة، هو كيفية وضع الضعفاء وحالة الفقر التي تنهشهم، بدفعهم الى شريعة الغاب، وتصبح الرذيلة والفحشاء المحرمة، عنوان مأساتهم الحياتية، فكيف يكون الحال في مجتمع ذكوري يعطي كل الحق للرجل حتى في جرائمه، وانتهاكاته للقيمة الانسانية ضد المرأة، فكيف يكون الحال حين يقع الجرم والفحشاء اللاخلاقية على طفلة قاصر، عمرها عشرة أعوام،لتبدأ فصول المأساة واثارها المدمرة عليها، وهي لم تخرج من مرحلة الطفولة وأحلامها، لتكون حياتها عبارة عن كوابيس لا تطاق، كأنه امتحان الطفولة في معادلة غير متكافئة، القوي والضعيف، المتسلط والعاجز المشلول، المغتصب والضحية، ان الصراع هو عبارة معركة حياتية متعددة الاوجه، اهمها السيف المسلط على المرأة بالتهديد بالقتل بذريعة غسل العار، حتى من عمها الوحش الكاسر، الذي ارتكب الفحشاء المحرمة ضد ابنة شقيه وهي بعمر عشرة سنوات، ضد طفلة بريئة، لكن هذه الطفلة المنكوبة بشرفها، لم تستسلم، فتظل تقاوم عن إنسانيتها وشرفها الممزق، وتترك اثراً شاهداً على الجريمة، أن تترك اثراً يشير بأصابع الاتهام للفاحش والقاتل البشع، هذه الحقائق تصبح طبيعة في غياب القانون والدولة والحماية، ويبدأ النص الروائي، بمقدمة في غاية الاهمية في التعبير والمغزى الدال، وفي الرؤية الفكرية الناضجة في مدلولاتها الواقعية، هو الحدث الجلل، عملية اغتيال رأس هرم الدولة.. الرئيس، ليس حدثاً عابراً، وإنما يدل بعبارة بليغة، على الاضطراب والفوضى، وحالة الهلع والخوف في غياب الدولة، فكيف يكون حالة الناس والبسطاء، حين يحرمون من الحماية من الفوضى؟ كيف يكون حالة الضعفاء والمساكين، حين تسلب انسانيتهم؟ وكيف يكون حالة المرأة والطفلة القاصر، حين يلوح بقانون غسل العار بالدم؟ حتى لو كان اقرب الناس،. ولكن هذه سنة الصراع الأزلي، بين قوى الشر وقوى الخير، هذه سنة الحياة الف مسيح يصلب، والف مناضل يعدم، لكن الحياة لم تنتهي وترفع الراية البيضاء، بل تظل مستمرة وتتجدد بالابطال الجدد يدخلون معترك المعركة والصراع، والاهم ان قوى الخير رغم ضعف قوتها، لكنها تسجل اثراً وشاهداً على فاعل الجريمة والإثم، يكون شاخصاً يلاحق المجرمين حتى بعد موتهم، والاهم تتجدد الحياة في ابطال أكثر وعياً ونضجاً، في الصراع الشرس، يخلق اكثر من الغاضبين المتمردين و الناقمين، حتى لو تطلخت الطرق والأرصفة بالدماء، لذا فإن من يحتمي بالسلاح والعشيرة والإرهاب هو في دائرة الاتهام، وبالتالي لابد ان ينهزموا مهما طال الزمن، لابد من تجار وامراء الحروب والسماسرة ومهربي المخدرات، أن يطالهم القانون مهما كان جبروتهم، لكي يدركوا أن الإنسان وقيمته وكرامته، ليس سلعة أو غنيمة للإذلال والمهانة والانتهاك، ليس الناس عبيداً لكل متسلط وطاغي وظالم، هذه المنطلقات الفكرية والاجتماعية للحدث السردي، لم ينطلق من منطلق طائفي وعرقي محدد، بل كل المكونات معرضة للظلم والانتهاك والحرمان، بدليل بطلة الرواية الطفلة (حياة) من طائفة، والبطلة البديلة الممرضة (ايفا) من طائفة اخرى، وكلاهما يقفان بوجه الظلم، وكلاهما يكشفان حقيقة الواقع الظاهر والمخفي، وكلاهما يمثلان صورة المرأة في اشراقها بالرفض والتمرد، حتى لا يكونان ضحية العسف والاضطهاد، كلاهما يكشفان الحقيقة وضد الزيف والتستر عليه، وكلاهما يمثلان الجرأة والشجاعة للمرأة.
×× حكاية الحرز واسراره:
قالت الطفلة الصغيرة (حياة) الى الممرضة (ايفا) وهي تصارع جرعات الموت الاخيرة، بصوت خرج متهدجاً من أعماقها، وهي تسلمها الحرز (- ارجوكِ.. احتفظي به عندكِ، وإن مت.. تصرفي به، لكن لا ترميه في سلة النفايات.. انه عمري) ص23، فدست الحرز في جيبها كأمانة ومسؤولية أخلاقية، وغابت في غيبوبة وهي مطمئنة، لانها سلمت حياتها إلى ايدي أمينة لا تجرؤ على الخيانة، ولكن ما يحمل في طيات هذا الحرز؟ انه يحمل في طياته حياتها الكاملة، لا تريد أن يدفن مع موتها (معنى، ذكرى،، حب دفين لا ينبغي له ان يموت) ص24. بكل تأكيد ليس انه قطعة قماش او جلد، بل سيرة حياتية كاملة، ارادت (حياة)، ان تخفيه من عيون الناس، وكذلك تخاف ان يقع في سلة النسيان، حين أدخلت الطفلة (حياة) الى المستشفى في حالة خطرة جداً نزيف شديد في المهبل، دونت الممرضة، المعلومات المهمة، الاسم. العمر (اربعة عشرة عاماً) وارتبكت كأنها اصيبت بالصدمة، حين ذكرت امها بأنها متزوجة. بالاخير وتودع حياتها في جريمة قتل في المستشفى، بعد ان رفض المستشفى خروجها كما اصر عمها على ذلك، لكنه هدد بأنه سيأتي في اليوم التالي، سوف يأخذها من المستشفى، حتى لو كانت على فراش الموت، بهذا التحدي الشرس، خوفاً من كشف الفضيحة الفحشاء بطلها عمها المجرم، هكذا انهى جريمته وغسل يديه بالدم، هكذا تودع (حياة) حياتها البائسة بالخوف والقلق لتكون (شاهداً على هشاشة العالم، وعلى قدرة الالم ان يجعل من أبسط الاشياء، خيط، قطعة جلد قديم، أو نظرة أمٍ، معنى للحياة نفسها) ص30.
×× بداية مأساة الحرز:
الطفلة (حياة) تنتمي الى عائلة فقيرة مسحوقة، تسكن في بيت مثل بيوت الفقراء القديمة، ابيها يكد بعرق جبينه، يحاول بجهد ان تعيش بدلال ونعيم رغم فاقة الفقر، مثل بقية الاطفال، مازالوا يحلمون باحلام طفولتهم الوديعة، وكانت بعمر عشرة سنوات، لكن الأب أصابه مرض (الربو) والسعال الحاد، وصحته أخذت تتدهور أكثر، كان يطلب المساعدة من شقيقه الذي يعمل في سلك الشرطة، ويتاجر في الظلام بالمحظورات والتهريب، وكان يحمل الصناديق المقفلة ويخفيها في بيت شقيقه مقابل معونة شحيحة، وكان حينما يدخل البيت، يدخل معه الخوف والرعب والمعاملة الوحشية إلى (الأم والبنت) وعندما توفى والد (حياة) سارت الأمور المعيشية أكثر سواءً، وبرز تسلط العم المخيف، وعندما يدخل ترتعش خوفاً وهلعاً، ولم يتوانى بضربها مع أمها، و يكيل الشتائم البذيئة لهما، ليجعل حياتهم عبارة عن عذاب (العذاب.. بل بدايته، فقد أصبحنا تحت رحمة ذلك العم، الذي كان ظله وحده كفيلاً بأن يصادر الدفء من البيت) ص68، حتى وصل الأمر ان يتحين الفرصة المناسبة للاغتصاب الطفلة (حياة) وفعل الفحشاء المحرمة رغم توسلاتها المريرة (عمي.. أرجوك.. أنا حياة ابنة المرحوم أخيك.. أستحلفك بالاخوة.. بالدم) ص77، لكنه فعل الفحشاء المحرمة في الاغتصاب، تلك اللحظة شعرت بأن السماء اظلمت في وجهها، وان حياتها انتهت تلك اللحظة (مات شيء كبير في داخلي، لم تكن مجرد لحظة اعتصاب.. كانت لحظة موت) ص85، وهدد العم الفاحش وتوعد بالقتل، ان كشفوا سر الفضيحة، وسيقوم بقتلها بدواعي الشرف وغسل العار بالدم، ويكرر فعل الاغتصاب عدة مرات ومع امها ايضاً، ومرت الشهور و(حياة) قررت ان تدافع عن شرفها المغتصب بقتله، وانها مستعدة لجريمة قتل العم الفاحش بقولها (انني اريد قتله)، لكن الام هدأت من روعها وان تترك التهديد، لانه لن يتوانى عن سفك دماء الاثنتين، وان ترضخ لقدرها المشؤوم، وبعد ذلك أجبر زوجة شقيقه المتوفي على الزواج، كجارية متعة جنسية، وانتقلوا الى بيته، ولتغطية على جريمة الاغتصاب، وجد العم الزوج الذي يهمه المتعة الجنسية، بالصفقة المقايضة، ويرغمها على القبول مرغمة على الزواج، من بهيمة على شاكلته ولكن وفق الشريعة، لم تستطع تحمل الوحش الجديد زوجاً، فقد أحدث نزيفًاً خطيراً في مهبلها، ونقلت الى المستشفى في حالة حرجة، ولكن العم ظل يطاردها حتى داخل المستشفى، مما استنجدت بحماية الممرضة (ايفا) أن تنقذها من العم الوحش بعد تهديده العنيف بأنه سيأتي في اليوم التالي، لكي يأخذها حتى لو كانت على فراش الموت (- خلصيني منه يا ايفا.. من عمي.. قبل أن يأتي.. انه قريب.. اشعر بظله يزحف نحوي.. إن هذا الباب هو فم الجحيم نفسه. ارجوك.. خلصيني. بأي وسيلة.. حتى لو بالموت.. الموت اهون من أراه يدخل) ص38، وسهرت الليل تنتظر بزوغ الوحش من الباب، وعند أواخر الليل، جاء وكانت معركة غير متكافئة في سبيل خطفها، قاومت بما تملك من قوة وضربته بالقلم على خده الأيسر، وعندما شاهد الدم ينزف من خده، سحب مسدسه وافرغ ثلاث طلقات في جسمها وهرب من المستشفى، وهو يحمل جرحاً عميقاً في خده، حدثت هذه الجريمة في مستشفى حكومي،كأن الحماية والحراسة غائبة عنه وبعد جريمة القتل، شعرت الممرضة (ايفا) أن في عنقها عهداً ووعداً اً ومسؤولية، في نشر رواية مأساة (حياة) حتى لا يبقى المجرم حراً وطليقاً، وتكلفت بالقيام بالدور المطلوب بكل امانة (حياة غابت جسداً، واخرى تولد في أثرها، أراني هي، لاني لا اريد لقصتها ان تنتهي، شعرت أن ما سلمته لم يكن ورقاً، بل عهداً: ان اروي قصتها كما أرادت، بلا تزييف، بلا تخفيف، بلا صمت.. رأيت الخرز في يدي يدعوني إلى اكمال ما بقي من حكاية معجونة بالدم) ص116.
***
جمعة عبد الله







