قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: بين المفاتيح واللابيت
قراءة نقدية وجودية – هيرمينوطيقية في قصيدة جهينة العبدلله
تقدّم هذه القصيدة القصيرة للشاعرة جهينة العبد الله نموذجاً مكثفاً للشعر الوجودي الحديث، حيث تُبنى التجربة الشعرية على مفارقة حادّة بين امتلاك الوسائل وغياب الغاية، وبين وفرة الإمكان وهشاشة التحقق. على الرغم من قصر النص، إلا أنه ينفتح على أفق تأويلي واسع، ويشتغل بوصفه بنية رمزية مكتفية بذاتها، تستدعي قراءة تتجاوز المستوى الانطباعي إلى التحليل الدلالي والهيرمينوطيقي والأسلوبي.
أولًا: المفارقة الوجودية وبؤرة الدلالة
منذ السطر الأول تعلن الذات المتكلمة امتلاكها «كلّ المفاتيح»، غير أن هذا الامتلاك لا يقود إلى اكتمال، بل ينكشف فوراً عن فراغ صادم:
«ولا بيت…»
هنا تتشكّل البؤرة الدلالية للنص: وفرة الأدوات في مقابل غياب المعنى. البيت لا يُقدَّم بوصفه مكاناً مادياً، بل يتحول إلى استعارة للانتماء، وللاستقرار الداخلي، وللقرار الوجودي. إن تكرار النفي لا يحيل إلى فقر خارجي، بل يفضح اغترابًا داخليًا تعيشه الذات رغم اكتمال الإمكانات. المفاتيح، في هذا السياق، تفقد وظيفتها العملية لتتحول إلى علامة وعي: وعي بالانغلاق لا بالفتح.
ثانياً: النوافذ والذكرى – انفتاح يتحوّل إلى أسر
في مقابل غياب البيت، تظهر صورة «نوافذ الروح المشرّعة»، وهي صورة توحي بانفتاح كامل على الداخل الزمني للذات. غير أن هذا الانفتاح لا يمنح امتداداً، بل يتحول إلى شكل آخر من أشكال الأسر:
«تأسرني الذكرى / ولا امتداد لها»
الذكرى هنا ليست ملاذاً حميمياً، بل قيداً ناعماً؛ تمارس سلطتها عبر الجذب لا عبر العنف. الماضي لا يُقدَّم بوصفه زمناً منقضياً، بل كقوة فاعلة تعرقل الحركة إلى الأمام. وبهذا يتحول الانفتاح من قيمة إيجابية إلى مأزق وجودي، وتغدو الذاكرة عنصر تعطيل لا استمرارية.
ثالثاً: الطريق بوصفه سؤالاً أنطولوجيًا
يتحوّل السؤال: «إلى أين تمضي بنا الدروب؟» من استفهام جغرافي إلى قلق أنطولوجي عميق. الطريق، في هذا النص، ليس مساراً صامتاً، بل كياناً متكلماً، ومع ذلك لا يمنح يقيناً:
«يقول الطريق: ما دمتَ ترى أمامك سرًّا»
السر هنا لا يحمل وعد الكشف، بل اعترافاً بتأجيل المعنى. المعرفة ليست غاية قابلة للتحقق، بل حالة ترقّب دائمة. وحتى «الدروب الملتوية» لا تُدان أخلاقياً أو معرفياً، بل تُقارب «بحذر العارف»، في إشارة إلى أن الالتباس ليس عائقاً للفهم، بل شرطاً من شروطه. الحقيقة، في هذا التصور، لا تُنال في خط مستقيم، بل في مسار متشعب.
رابعاً: الدائرة التأويلية والنهاية المفتوحة
من منظور هيرمينوطيقي، يرفض النص تقديم معنى مغلق. العلامات الأساسية (البيت، المفاتيح، النوافذ، الطريق) تبقى مفتوحة على تعدد الدلالات، وتعمل داخل دائرة تأويلية مستمرة. كل مقطع يعيد تفسير ما سبقه ويعيد إضاءة ما يليه.
«إلى أين تريد الوصول:
إلى النهاية أم البداية؟
لا فرق
لا فرق»
لا تعبّر عن استسلام، بل عن لحظة وعي دائري. البداية والنهاية تتلاشيان داخل فعل السير ذاته. القيمة لا تكمن في الوصول، بل في التوتر المستمر بين السؤال والخطوة. النص لا يحتفي بالحل، بل بحركة البحث.
خامساً: البنية الرمزية المكانية
يقوم النص على ثلاثية مكانية كثيفة:
البيت: رمز الهوية المتخيَّلة والاستقرار المفقود.
النافذة: رمز الوعي، لكنها حين تُفتح على الذكرى فقط تتحول إلى أداة احتجاز زمني.
الطريق: رمز الزمن والمعنى المؤجَّل، كيان متحرك يتكلم دون أن يحسم.
هذه الثلاثية تشكّل خريطة وجودية مصغّرة للذات الإنسانية الحديثة، التائهة بين وهم الامتلاك وعجز التحقق.
سادساً: الاشتغال الأسلوبي والاقتصاد اللغوي
أسلوبياً، يعتمد النص على اقتصاد لغوي صارم. الجمل قصيرة، شبه تقريرية، لكن تحت هذه البساطة يعمل إيقاع داخلي قائم على التكرار والتقابل. تكرار «سرّاً» و«لا فرق» يخلق لازمة إيقاعية تتحول إلى نبض فلسفي. كما أن التقابلات (كثرة الأبواب/غياب البيت، انفتاح النوافذ/أسر الذكرى، رؤية الطريق/غياب الوصول) تولّد المعنى من احتكاك الأضداد. البلاغة هنا ليست زخرفاً لغوياً، بل بلاغة مفهوم، حيث الصورة هي الهيكل البنيوي للدلالة.
خاتمة:
على الرغم من قصر القصيدة، فإنها تشتغل كنص مرآوي يعيد القارئ إلى أسئلته الوجودية الخاصة: المعنى، والانتماء، وإمكان الوصول. إنها لا تقترح حلًاً، بل تجعل من الضياع شكلًاً من أشكال الوعي، ومن السؤال وطناً مؤقتاً للذات السائرة. بهذا المعنى، لا تُكتب القصيدة عن الطريق فحسب، بل تُكتب كطريق، يُطلب من القارئ أن يسير فيه لا أن يصل إلى نهايته.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.......................
لبيتي أبوابٌ كثيرة
كلُّ المفاتيح معي
ولا بيت...
لروحي نوافذُ مشرّعة
تأسرني الذكرى
ولا امتدادَ لها
إلى أين تمضي بنا الدروب؟
يقول الطريق:
ما دمتَ ترى أمامك سرًّا
وماذا عن الدروب الملتوية؟
سرًّا بحذر العارف
لكن هل من وصول؟
إلى أين تريد الوصول:
إلى النهاية أم البداية؟
لا فرق
لا فرق







