قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: اللغة بوصفها كائناً حياً.. دراسة نقدية متعددة المناهج في قصيدة

«رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي» لحافظ إبراهيم

تُعدّ قصيدة حافظ إبراهيم «رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي» واحدة من أهم النصوص الشعرية في النهضة العربية الحديثة، لأنها لا تتعامل مع اللغة بوصفها أداة تعبير فحسب، بل بوصفها كائناً حياً مهدداً بالموت. هنا تتحوّل العربية إلى ذاتٍ متكلمة، تشكو، تحتج، تتألم، وتدافع عن حقها في الوجود. إننا أمام نصّ يجمع بين الشعر والبيان، بين الغنائية والخطاب الحضاري، وبين الحنين والإنذار.

القصيدة ليست مرثية للغة بقدر ما هي محاكمة حضارية للذات العربية. وهي تنتمي إلى لحظة تاريخية حساسة شهدت صراع الهوية بين التقليد والحداثة، بين الاستعمار الثقافي والنهضة اللغوية.

أولًا: المنهج الأسلوبي:

(اللغة – التركيب – الإيقاع – البلاغة)

أسلوب حافظ إبراهيم في هذه القصيدة يتكئ على الفخامة الكلاسيكية، ويستعيد نَفَس القصيدة العربية الكبرى. اللغة جزلة، قاموسها فصيح، قائم على الأفعال القوية: رجعتُ – ناديتُ – وسعتُ – أخافُ. هذه الأفعال تُنشئ حركة داخلية تعكس صراعاً حياً.

1. الإيقاع:

القصيدة مكتوبة على البحر الكامل، وهو بحر يتسم بالامتلاء والقوة:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

اختيار الكامل ليس اعتباطياً؛ إنه بحر الخطاب العالي، بحر الاحتجاج. الإيقاع هنا يخدم المعنى: اللغة تتكلم بنبرة مهيبة، كأنها تخطب في محكمة التاريخ.

2. البنية البلاغية:

تقوم القصيدة على الاستعارة الكبرى:

اللغة = أمّ / امرأة / كائن حي

"ولدتُ… وأدتُ بناتي"

هنا تتحول المفردات إلى بنات، واللغة إلى أمّ تئد أبناءها بسبب عجز المجتمع. هذه استعارة مأساوية تُذكّر بما يسميه عبد القاهر الجرجاني «نقل المعنى من صورته العقلية إلى صورته المحسوسة» (دلائل الإعجاز).

3. التوازي التركيبي:

يتكرر البناء الثنائي:

إمّا حياة… وإمّا ممات

هذا التوازي يخلق بنية جدلية تشبه البيان الخطابي، ويعكس طبيعة الأزمة: لا حلول وسط.

ثانياً: المنهج الرمزي:

(تحليل الرموز والمعاني الخفية)

القصيدة قائمة على نظام رمزي متكامل:

١- الرمز

٢- الدلالة

٣- البحر

ثراء اللغة وعمقها الحضاري:

١- البنات

٢- المفردات / الإبداع اللغوي

٣- وأد البنات

٤- قتل التجديد

٥- الغواص

٦- المفكر / العالم

٧- الغرب

٨- الحداثة العلمية

٩- الطير الناعب

١٠- دعاة التغريب

"أنا البحر في أحشائه الدر كامن"

هذه الصورة تجعل اللغة مخزوناً حضارياً لم يُستخرج بعد. وهي قريبة من تصور الجاحظ للغة بوصفها «خزانة المعاني».

الرمز المركزي هو: اللغة بوصفها حضارة كاملة.

ثالثاً: المنهج النفسي:

(البنية النفسية للشخصية المتكلمة)

القصيدة مونولوج نفسي عميق. المتكلم — اللغة — تعيش حالة:

١- قلق وجودي

٢- شعور بالهجر

٣- خوف من الموت

٤- رغبة في الاعتراف

يمكن قراءة النص في ضوء علم النفس الثقافي: اللغة تعاني من صدمة حضارية. إنها تشبه كائنًا يعاني من «قلق الفقد».

التكرار:

لا تكلوني للزمان

يكشف عن خوف الأمّ من التخلي. اللغة هنا ليست أداة؛ إنها هوية مهددة بالانقراض.

رابعاُ: المنهج الاجتماعي والفكري

القصيدة وثيقة من وثائق النهضة. كتبها حافظ إبراهيم في زمن:

١- الاحتلال البريطاني

٢- صعود الصحافة

٣- دخول اللغات الأجنبية

٤- أزمة التعليم

"أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة

وكم عز أقوام بعز لغات"

هذا بيت مفتاحي: اللغة = قوة سياسية. هنا يلتقي النص مع أفكار:

الطهطاوي: اللغة أساس التقدم

الكواكبي: الاستبداد يقتل الفكر

محمد عبده: إصلاح اللغة إصلاح الأمة

القصيدة احتجاج على الاستلاب الثقافي.

خامساً: المنهج الفلسفي:

(الأسئلة الوجودية والقيم)

النص يطرح سؤالًا فلسفياً جوهرياً:

هل تموت اللغة تموت الأمة؟

اللغة هنا ليست وسيلة تواصل، بل شرط وجود. وهذا قريب من فكرة هايدغر:

"اللغة بيت الوجود"

كما يطرح النص ثنائية:

١- الحياة / الموت

٢- النهضة / الانقراض

٣- الذاكرة / النسيان

الخاتمة:

إمّا حياة… وإمّا ممات

هي صيغة وجودية حاسمة: لا حياد في مصير اللغة.

قصيدة حافظ إبراهيم ليست مجرد دفاع عن العربية؛ إنها بيان حضاري يرى في اللغة روح الأمة. النص يجمع بين الجمالية البلاغية والرؤية الفكرية، ويقدّم نموذجاً للشعر بوصفه فعلاً ثقافياً مقاوماً.

إنها قصيدة عن اللغة، لكنها في العمق قصيدة عن الهوية والكرامة والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي

وَنادَيتُ قَومي فَاِحتَسَبتُ حَياتي

رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني

عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي

وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي

رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي

وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً

وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ

وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني

وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي

فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني

أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي

أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً

وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ

أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً

فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ

أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ

يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

وَلَو تَزجُرونَ الطَيرَ يَوماً عَلِمتُمُ

بِما تَحتَهُ مِن عَثرَةٍ وَشَتاتِ

سَقى اللَهُ في بَطنِ الجَزيرَةِ أَعظُماً

يَعِزُّ عَلَيها أَن تَلينَ قَناتي

حَفِظنَ وِدادي في البِلى وَحَفِظتُهُ

لَهُنَّ بِقَلبٍ دائِمِ الحَسَراتِ

وَفاخَرتُ أَهلَ الغَربِ وَالشَرقُ مُطرِقٌ

حَياءً بِتِلكَ الأَعظُمِ النَخِراتِ

أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً

مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ

وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةً

فَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي

أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ

إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ

سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى

لُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ

فَجاءَت كَثَوبٍ ضَمَّ سَبعينَ رُقعَةً

مُشَكَّلَةَ الأَلوانِ مُختَلِفاتِ

إِلى مَعشَرِ الكُتّابِ وَالجَمعُ حافِلٌ

بَسَطتُ رَجائي بَعدَ بَسطِ شَكاتي

فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيتَ في البِلى

وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي

وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ

مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ

 

في المثقف اليوم