قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية هيرمينوطيقية لقصيدة الشاعرة التونسية هنده السميراني:
«نِداءٌ.. إلى الفجر البعيد»:
يأتي نصّ «نِداءٌ.. إلى الفجر البعيد» للشاعرة التونسية هندة السميراني بوصفه تجربة شعرية مشبعة بالقلق الوجودي، ومترعة بنبرة المناجاة والانتظار، حيث تتحول اللغة إلى فضاء اعتراف، ويغدو الشعر فعلاً للبحث عن المعنى وسط عتمة الذات والعالم. فالقصيدة لا تكتفي بتسجيل حالة وجدانية عابرة، بل تؤسس لبنية رمزية عميقة، تتقاطع فيها ثنائية الليل والفجر، بوصفهما علامتين على الانكسار والتجاوز، على التيه والولادة، وعلى الألم والأمل.
تنطلق هذه الدراسة من منظور نقدي هيرمينوطيقي يسعى إلى قراءة النص في طبقاته المتعددة: لغويًا وبلاغيًا، جماليًا وفنيًا، فكريًا وفلسفيًا، نفسيًا واجتماعيًا، وسيميائيًا ومنهجيًا، من أجل الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وتتبع مسارات الدلالة الظاهرة والمضمرة. كما تهدف إلى بيان قدرة الشاعرة على توظيف الأدوات الإيقاعية والبلاغية والصورية لتشكيل خطاب شعري يجمع بين الصياغة الكلاسيكية وروح الحداثة، وبين الموسيقى الخارجية والنبض الداخلي للغة.
إن هذه المقاربة لا تسعى إلى تفكيك النص تفكيكًا تقنيًا فحسب، بل تروم الإنصات إلى صوته العميق، واستنطاق أسئلته الوجودية والإنسانية، وفهم علاقته بالسياق الثقافي والنفسي الذي وُلد فيه، بما يجعل من القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الذات مع العالم، واللغة مع الوجدان، والجرح مع الحلم بالفجر البعيد.
قصيدة «نداءٌ.. إلى الفجر البعيد»، تمثل نصاً غنائياً مشحوناً بطاقة وجدانية عالية، تتقاطع فيه ثنائية الليل/الفجر بوصفها بنية رمزية مركزية تُجسِّد الصراع بين القهر والأمل، بين الانكسار والتجاوز. تنبني القصيدة على خطاب مناجاة، يتجه فيه الصوت الشعري إلى الليل، إلى القلب، إلى الذات، وإلى “أنت” الغائب/الحاضر، ليصوغ سردية وجدانية تتأرجح بين التوق والخذلان، وبين الخوف والتوق إلى الانبعاث.
النص ليس مجرّد بوح عاطفي، بل بناء رمزيّ تتجاور فيه اللغة الموسيقية، الصورة الكثيفة، والبعد التأويلي الذي يفتح النص على طبقات من المعنى.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب
القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة، محافظة على القواعد النحوية الأساسية، مع توظيفٍ واعٍ للأسلوب الإنشائي والخبري. نلاحظ هيمنة:
أسلوب النداء:
«يا ليل ارحل»، «يا نبض قلبي»، «يا ليل عمري» وهو أسلوب يشي بعلاقة حميمية مع المجرد، حيث تتحول المفاهيم إلى كائنات تُخاطَب.
الاستفهام الإنكاري والوجداني:
١- «إلام الحزن يعزفني؟»
٢- «هل تطرب الروح لا ينتابها الشغف؟»
الاستفهام هنا ليس طلباً للجواب، بل تكثيف للحيرة والاحتجاج الداخلي.
من حيث التراكيب، تعتمد الشاعرة الجمل الفعلية لتكثيف الحركة:
«ارحل»، «اشرب»، «داوِ»، «يعزفني»، «جال»، «سافر»، «هام»
وهو ما يمنح النص دينامية داخلية رغم كونه نص تأمل وبوح.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ منتقاة بعناية:
(الشجون، الجرح، النبض، الحلم، البوح، الأماني، اليقين، الصبر، الظنون)
وهي مفردات تنتمي إلى الحقل الوجداني-الروحي.
التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ فلا نجد حشوًا لغوياً، بل كثافة دلالية. مثال:
«كم جاب حرفي دروب الحلم نائية»
اللفظ «جاب» يوحي بالمشقة، و«نائية» تعمّق الإحساس بالبعد الوجودي، لا المكاني فقط.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
القصيدة مكتوبة على وزن خليلي واضح، مع التزام نسبي بالقافية الموحدة (فُ):
ينكشف – الشغف – يعتكف – ينخسف – يرتجف – يعترف – نلتحف – أصف – ينجرف – تقتَرِف
هذا التوحيد يمنح النص وحدة موسيقية داخلية، ويعزز الشعور بالانتظار والدوران في الفكرة ذاتها.
الجرس الصوتي قائم على:
تكرار الحروف الرخوة: (ن، م، ل، ف)
كثرة المدود: (ليــل، فـجــر، حــلــم، نــور)
وهو ما ينسجم مع الجو الحزين المتأمل.
ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:
1. البنية الفنية للنص:
القصيدة ذات بنية غنائية، لا سردية، تعتمد التراكم الشعوري لا التسلسل الحكائي. الزمن فيها دائري: ليل يتكرر، خوف يتكرر، سؤال يتكرر، مقابل حلم بالفجر.
المنهج الوصفي يظهر في تصوير الحالات النفسية:
«يعرى يقيني ويبكي الصبر»
والمنهج التحليلي يظهر في مساءلة الذات:
«إلام الحزن يعزفني؟»
2. الرؤية الفنية:
رؤية الشاعرةهنده السميراني للعالم قائمة على:
١- عالم مأزوم
٢- ذات مجروحة
٣- أفق خلاص يتمثل في «الفجر»
الانسجام بين الشكل والمضمون واضح:
الإيقاع الحزين، الصور المظلمة، والنداءات المتكررة تخدم رؤية وجودية قلقة تبحث عن ضوء.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:
الانزياح حاضر بقوة:
«الحزن يعزفني» - تشخيص للحزن كعازف، والذات كآلة.
«البوح أسرابًا» - تحويل المعنوي إلى بصري متحرك.
«ينحني نجم» - كسر المألوف في صورة النجم المتعالي.
هذا الانزياح ينتج الدهشة ويكسر النمط المباشر للبوح.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري للنص.
النص يطرح أسئلة وجودية:
١- معنى الانتظار.
٢- جدوى الألم.
٣- علاقة الأمل بالخوف.
ليس النص سياسياً أو اجتماعياً مباشراً، بل وجودي وجداني، يلامس سؤال: كيف نحيا في ظل القلق؟
2. الأفق المعرفي
يحاور النص:
١- تراث المناجاة الصوفية
٢- أدب الشكوى الوجداني
٣- ثنائية الظلام/النور ذات الجذور الدينية والفلسفية
3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):
في العمق، الليل ليس زمناً فقط، بل:
١- رمز للخذلان
٢- رمز للواقع القاهر
٣- رمز للذات المأزومة
والفجر ليس مجرد صباح، بل:
١- خلاص
٢- ولادة جديدة
٣- معنى متجاوز للألم
القصيدة إذاً نص انتظار وجودي، لا غزلاً عاطفياً فقط.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
كُتبت القصيدة في جانفي 2021، زمن عالمي مأزوم (جائحة، قلق إنساني، اضطراب وجودي). لا تشير الشاعرة هنده السميراني مباشرة إلى الحدث، لكنها تعبّر عن روحه: الخوف، الانتظار، التوق للخلاص.
النص يقع ضمن الشعر الوجداني الحديث الذي يمزج بين:
الشكل الكلاسيكي (وزن وقافية)
الروح الحديثة (القلق، الاغتراب، السؤال الوجودي).
خامساً: الأسس النفسية:
1. البنية الشعورية
يسيطر على النص:
١- الحزن
٢- الحنين
٣- القلق
٤- الرجاء المتردد
2. الذات الإبداعية
الذات:
١- جريحة.
٢- مترددة.
تبحث عن حضن، عن نور، عن معنى
3. النبرة النفسية:
النبرة مزيج من:
١- الشكوى
٢- التوسل
٣- الأمل الخافت
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
رغم طغيان البعد الفردي، يمكن تأويل النص اجتماعيًا:
الذات هنا تمثل إنسانًا مأزومًا في عالم مضطرب
١- الليل يمكن أن يرمز إلى واقع خانق
٢- الفجر إلى أمل جماعي بالخلاص.
الشاعرة السميراني تؤدي دوراً وجدانياً نقدياً: لا تصرخ سياسياً، بل تفضح الألم الإنساني بلغة شعرية.
سابعاً: الأسس السيميائية
1. الرموز المركزية
١- الليل: القهر، التيه، الانتظار
٢- الفجر: الخلاص، التجدد
٣- النجم: الأمل البعيد
٤- الجرح: الذاكرة المؤلمة
٥- الصوت/الهمس: حضور الغائب
2. الثنائيات الدلالية
١- ليل / فجر
٢- خوف / أمل
٣- صمت / غناء
٤- جرح / شفاء
3. النظام الرمزي
الفضاء كله يتحول إلى مسرح رمزي: الليل، الحلم، النجم، الحرف، كلها علامات على الداخل الإنساني.
ثامناً: الأسس المنهجية:
القصيدة قابلة للقراءة عبر:
١- المنهج الأسلوبي: في الإيقاع والتكرار.
٢- المنهج النفسي: في البنية الشعورية
٣- المنهج التأويلي: في رمزية الليل والفجر
٤- المنهج السيميائي: في شبكة العلامات.
وتحافظ الدراسة على صرامة منهجية عبر:
١- تفكيك المستويات
٢- ربط الشكل بالمضمون
الانطلاق من النص لا من إسقاطات خارجية
- خاتمة:
«نداءٌ.. إلى الفجر البعيد» ليست قصيدة شكوى عابرة، بل نص وجودي كثيف، يجمع بين جمال اللغة، وعمق الرمز، وصدق التجربة. الشاعرة هندة السميراني تنجح في أن تجعل من الألم مادة جمالية، ومن الانتظار طقسًا شعريًا، ومن الفجر وعدًا لا يُرى بالعين بل يُلمَس بالروح. النص يؤكد أن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة إنسانية لمقاومة العتمة بالمعنى.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
...........................
نِدَاءٌ..إِلَى الْفَجْرِ الْبَعِيدِ !!
يَا لَيْلُ ارْحَلْ فَلِي فِي الصُّبْحِ أُغْنِيَةٌ
وَاشْرَبْ شُجُونِي ودَاوِ الْجُرْحَ يَنْكَشِفُ
*
يَا نَبْضَ قَلْبِي، إِلاَمَ الْحُزْنُ يَعْزِفُنِي؟
هَلْ تَطْرَبُ الرُّوحُ،لاَ يَنْتَابُهَا الشّغَفُ؟
*
كَمْ جَابَ حَرْفِي دُرُوبَ الْحُلْمِ نَائِيَةً
وَاشْتَاقَ صَدْرِي لِحِضْنٍ فِيهِ يَعْتَكِفُ!
*
كَمْ سَافَرَ الْبَوْحُ أَسْرَابًا لِأُمْنِيَتِي
وَانْسَابَ لَحْنًا لِعِشْقٍ كَادَ يَنْخَسِفُ!
*
كَمْ هَامَ حِسِّي بِذِكْرَى كُنْتَ تُوقِدُهَا
وَارْتَابَ سَمْعِي لِهَمْسٍ مِنْكَ يَرْتَجِفُ!
*
يَا لَيْلَ عُمْرِي، إِلاَمَ الْخَوْفُ يَلْبَسُنِي؟
يَعْرَى يَقِينِي وَيَبْكِي الصَّبْرُ، يَعْتَرِفُ
*
سَاءَلْتُ دَمْعِي وَقَدْ جَادَتْ بِهِ مُقَلٌ
حَتّامَ نَأْسَى، بِنَزْفِ الْجُرْحِ نَلْتَحِفُ؟
*
حَتَّامَ نَشْكُو ونَقْفُو دَرْبَ مُعْجِزَةٍ
يَا أَنْت، يَا أَرْضَ أَوْجَاعِي لَهَا أَصِفُ؟
*
إِنِّي أَرَى ضَوْءَ نَجْمٍ يَنْحَنِي، حُلُمًا
يَنْسَابُ نُورًا، يُزِيحُ الْعَتْمَ، يَنْجَرِفُ
*
فَامْنَحْ ظُنُونِي سَلامًا، يَنْجَلِي وَجَلِي
وَاتْرُكْ حُرُوفِي تَثُرْ، لِلْحُلْمِ تَقْتَرِفُ
***
هنده السميراني - (جانفي 2021-)







