عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

أنمار الدروبي: مراجعة أكاديمية لكتاب د. فاخر جاسم

لمحات تاريخية من تطور الفكر السياسي الشيعي.. جدلية الثورة والسلطة

مقدمة: يمثل كتاب الدكتور فاخر جاسم محاولة أكاديمية جادة لدراسة تطور الفكر السياسي الشيعي من خلال تحليل العلاقة الجدلية بين مفهومي السلطة والثورة، بوصفهما من أكثر المفاهيم تأثيراً في تشكيل التجربة السياسية الشيعية عبر التاريخ. ويكتسب الكتاب أهميته من معالجته لإشكالية لا تزال حاضرة في النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة، وهي كيفية الانتقال من مفهوم الإمامة بوصفه أصلاً عقدياً إلى ممارسة السلطة السياسية بصيغها المختلفة.

إشكالية الكتاب وأهدافه

ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن الفكر السياسي الشيعي ليس بنية جامدة، بل منظومة فكرية شهدت مراحل متعددة من التطور تبعاً للظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية. ويبحث الكتاب في الكيفية التي تشكلت بها مفاهيم الإمامة والولاية والثورة، ومدى انعكاسها على مواقف الشيعة من السلطة والمعارضة عبر الحقب التاريخية المختلفة.

كما يسلط الضوء على التباين بين اتجاهين رئيسيين داخل الفكر السياسي الشيعي؛ الأول يتمسك بمركزية الإمامة وارتباط الشرعية السياسية بوجود الإمام المعصوم، في حين يرى الاتجاه الثاني أن نظرية ولاية الفقيه تمثل تطوراً فقهياً وسياسياً أتاح تجاوز حالة الانتظار المرتبطة بغيبة الإمام ومهد لممارسة السلطة بصورة مباشرة.

المحتوى العلمي للكتاب

يعرض المؤلف تطور مفهوم الإمامة باعتبارها محوراً أساسياً في بناء النظرية السياسية الشيعية، موضحاً التمييز بين الإمامة السياسية والإمامة الروحية، وكيف انعكس هذا التمييز على مسارات الفكر الشيعي وأهداف أئمة أهل البيت ووسائلهم في التعامل مع السلطة.

كما يتناول الكتاب الأبعاد الفلسفية للإمامة من خلال عرض إسهامات الفلاسفة المسلمين، وفي مقدمتهم الفارابي وابن سينا، في بناء التصورات النظرية المتعلقة بالقيادة والسلطة والمجتمع السياسي.

ويمنح المؤلف مساحة مهمة لدراسة ثورة الإمام الحسين، باعتبارها حدثاً مفصلياً في الوعي السياسي الشيعي، لما تركته من آثار فكرية وروحية وسياسية أسهمت في ترسيخ ثقافة المعارضة ومقاومة السلطة غير الشرعية، فضلاً عن دورها في تشكيل الهوية السياسية للحركات الشيعية اللاحقة.

ومن أكثر الفصول أهمية تلك المتعلقة بنشأة نظرية ولاية الفقيه وتطورها التاريخي، حيث يربط المؤلف ظهورها بالتحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم الشيعي، موضحاً العوامل التي أدت إلى تنامي الدور السياسي للفقهاء وإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة.

وبالعودة إلى موضوع ولاية الفقيه والظروف الفكرية والاجتماعية لنشوء هذه النظرية المعاصرة، فإنها تمثل مرحلة مهمة من مراحل تطور الفكر السياسي الشيعي، حيث نقلت هذا الفكر من مرحلة السلبية والانتظار التي سادت بعد غيبة الإمام الثاني عشر لدى الشيعة، المهدي المنتظر سنة (329هــ 941 م)، إلى مرحلة الفاعلية والنشاط السياسي والفكري، التي تُوجت بإقامة شكل جديد من أشكال الدولة الدينية تحت قيادة الولي الفقيه.

ولما كانت الأفكار السياسية للمفكرين تتأثر بمعتقداتهم التي تتشكل عبر تجاربهم الحياتية والظروف التاريخية التي يعيشون في ظلها، فإن نظرياتهم السياسية الجديدة لا بد أن تتأثر بالظروف السياسية والفكرية والاجتماعية، سلبًا أو إيجابًا. ومن هذا المنطلق، لا تخرج نظرية ولاية الفقيه المطلقة، التي أُنتجت في ظروف تاريخية معينة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، عن هذا السياق. فهي نظرية استفادت واستندت إلى الأفكار التي طرحها فقهاء الشيعة السابقون، والمتمحورة حول دور الفقهاء ومهامهم في المجتمع.

وبناءً على ما تقدم، ألقى الكاتب الضوء على الظروف الفكرية والاجتماعية التي ترعرعت فيها نظرية ولاية الفقيه المعاصرة.

الظروف الفكرية

تُعد نكسة حزيران عام 1967 وما ترتب عليها من تأثيرات فكرية وسياسية في أوساط المثقفين الشباب، ولا سيما المنحدرين من الأصول الريفية، من أهم العوامل الفكرية التي أسهمت في ظهور هذه النظرية.

كما أسهم تصاعد النفوذ السياسي والفكري والاجتماعي للتيار العلماني بشقيه الماركسي والقومي في بداية النصف الثاني من القرن العشرين في خلق حالة من الصراع بين التيارات السياسية، كرد فعل من جانب بعض طلاب المدارس الدينية في النجف، مع تمسك المرجعيات الشيعية بمبدأ عدم الانخراط المباشر في السياسة، وهو الشرط الذي ارتبط بعودتها من المنفى في إيران عام 1924.

كما أن ظهور تكتلات سياسية دينية بزعامة سياسيين ورجال دين من الطائفتين الشيعية والسنية بعد ثورة 14 تموز 1958، أسهم في بروز شعور لدى كثير من رجال الدين الشباب بضعف دور المرجعية الدينية وعدم أهليتها لقيادة الطائفة الشيعية، خاصة مع نشوب الخلافات بين المراجع الشيعية الرئيسة مطلع ستينيات القرن الماضي، فضلًا عن تنامي النزعة الداعية إلى إقامة الدولة الإسلامية لدى قطاع واسع من رجال الدين الشباب.

الظروف الاجتماعية

أما أبرز الظروف الاجتماعية لنشوء نظرية ولاية الفقيه المعاصرة، فتتمثل في انضمام الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة إلى الأحزاب والحركات السياسية العلمانية، الأمر الذي عمّق مخاوف رجال الدين الشباب.

كذلك أدى انقطاع بعض مصادر التمويل المالي للمرجعية الدينية بعد ثورة 14 تموز 1958، نتيجة إصدار قانون الإصلاح الزراعي، إلى تعزيز تلك المخاوف.

وفي السياق نفسه، أسهمت الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن الثورة البيضاء التي أطلقها شاه إيران عام 1963 في إثارة معارضة واسعة من مختلف شرائح المجتمع الإيراني، بما في ذلك رجال

المنهجية

اعتمد المؤلف منهجاً تاريخياً تحليلياً يجمع بين تتبع تطور الأفكار السياسية ورصد السياقات الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في تشكلها. وقد مكنه هذا المنهج من الربط بين النظرية والتطبيق، ومن تفسير التحولات التي شهدها الفكر السياسي الشيعي بعيداً عن الأحكام المسبقة أو القراءات التبسيطية.

وبناء على ذلك يمكن تسجيل أهم العناصر الإيجابية في الكتاب، من أبرزها:

1. عمق التحليل التاريخي والفكري، إذ يقدم رؤية متماسكة لتطور الفكر السياسي الشيعي ومراحله المختلفة. مع تحليل علمي رصين لمختلف القضايا والإشكاليات التي تناولها.

2. المنهجية العلمية الرصينة في عرض الأفكار ومناقشة القضايا الخلافية.

3. الربط بين الفكر والواقع السياسي، من خلال تفسير الأفكار السياسية في ضوء ظروفها التاريخية والاجتماعية.

4. الابتعاد النسبي عن الطرح الأيديولوجي المباشر والتركيز على البعد الأكاديمي والتحليلي.

5. الإضافة المعرفية التي يقدمها للمكتبة العربية في مجال دراسات الفكر السياسي والإسلام السياسي الشيعي، لما يتضمنه من معالجة تحليلية معمقة لقضايا الفكر السياسي الشيعي وتطوراته التاريخية والمعاصرة.

الخاتمة

يُعد كتاب الدكتور فاخر جاسم مساهمة علمية مهمة في دراسة الفكر السياسي الشيعي المعاصر، لما يقدمه من تحليل تاريخي وفكري متوازن للعلاقة بين الإمامة والسلطة والثورة. ويتميز الكتاب بقدرته على تفسير التحولات التي شهدها الفكر السياسي الشيعي وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية، مما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بدراسات الفكر السياسي الإسلامي وتطوراته المعاصرة، باعتباره كتابا أكاديميا رصينا يقدم قراءة تحليلية معمقة لتاريخ الفكر السياسي الشيعي ومسارات تطوره ويعّد بحق محاولة ناجحة في هذا الإتجاه، وسعياً للإجابة على الكثير من التساؤلات التي أشهرها الواقع علّينا بخصوص صعود الفكر السياسي الشيعي.

تقييم عام

يقدم كتاب الأستاذ الدكتور فاخر جاسم، أستاذ العلوم السياسية، والصادر حديثاً عن دار "فكرة" المصرية، إسهامًا مهمًا في فهم الأحداث والتفاعلات السياسية المرتبطة بالفكر السياسي الشيعي، كما يبرز قدرة المؤلف على الربط بين النظريات الأكاديمية والسيناريوهات المحتملة لديناميكيات الإسلام السياسي الشيعي.

وأخيرا إن الأفكار التي تضمنها الكتاب، تدعو الكتاب والباحثين إلى توسع أكبر في المقارنات مع مدارس الفكر السياسي الإسلامي الأخرى، سواء السنية أو الحديثة، بما يسهم في إبراز الخصوصية النظرية للفكر السياسي الشيعي بصورة أوضح.، اضافة إلى مواصلة التعمق بدراسة بعض القضايا النظرية المعقدة، مثل العلاقة بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية، التي تستحق معالجة أكثر تفصيلاً من منظور مقارن تفتح آفاقاً بحثية جديدة مستقبلاً.

***

الدكتور أنمار نزار الدروبي

 

في المثقف اليوم