للكاتب الإعلامي جورج منصور
وأنا اتصفح أخر كتاب للكاتب العراقي الإعلامي الاستاذ جورج منصور المُتَـوّج بعنون "غيمري، كدت أصبح إماماً" بقراءة بعض اللقطات وفق عناوينها الفرعية، خامرني الشك للمرة الثانية على ما عشته بقراءتي لكتابه الأول "إيفين.. حفرً في الذاكرة" الذي كان بمثابة السيرة الذاتية التي نوهت عنها ـ نوعاً ما ـ في احدى كتاباتي التقييمية عنه. وهنا استملكتني الذاكرة بأن الكاتب الفطن قد عزم على مسايرة ما أقدم عليه الرحالة ابن بطوطة أو ربما كولومبوس في تجوال اكتشافهما، مما يشدك سعيهما لمتابعة ما ينشداه ويهدفا اليه، وتصوراتهما يحتذى بها، وكذلك بذات الشبه عما أقدم عليه أيضاً الرحالة الياس الموصلي الى أمريكا وكأول رحلة الى العالم الجديد 1668 ـ 1683 إضافة لرحلة سكماني الألقوشي 1869 ـ 1871 ودورهما التنقلي بين العديد من المناطق مروراً بالعديد من الدول، وهذا ما انتابني حين مطالعتي لرحلة كاتبنا جورج منصور من خلال سياقاته في سفر "إيفين". ومنذ أن جذبني عنوان الكتاب الثاني "غيمري" بعبارته الغريبة المضافة ”كدت أصبح إماماً" وكأنه هنا هو الآخر مكتشفاً ما. نعم، بدا لي فيما بعد انه اكتشف العادات والتقاليد التي عايشها في مدن الاتحاد السوفيتي. علماً بأن تلك اللقطات التي استحوذت على مشاعري بأسلوبها الرقيق والسلس في استيعاب فحوى مضامينها، قادني الشوق في رحلة القراءة منذ الصفحة الأولى، مستدرجاً فيما يتبعها من الأحداث المتتالية بعملية الأقدام على السفر من بغداد الى موسكو وبجواز سفر مزور يدعه أن يعيش حالات من الاضطرابات النفسية من عملية التزوير لتجاوز عملية السفر. إذن دعني انعتها بالمعضلة في تلك الأجواء الرهيبة الخاصة بأزلام الأمن والسلطة الرهيبة في حال اكتشاف الحقيقة، والويل من نتائجها المخيفة.
لذا يستوجب القول: بأن أسلوب الكاتب جورج بما يعرضه منذ الوهلة الأولى بإقدامه على السفر بغية الدراسة في بلد الأحلام من خلال زمالة دراسية كان قد وفرها له الحزب الشيوعي، كونه كان من المنتمين اليه، غير آبه لما سينتابه من معصيات الأمور الخفية طالما عاناها في تجربته بايران لاحقاً وفق ما بينه في كتابه "ايفين.. حفر في الذاكرة" لحين اجتيازه الحدود بمشقات كبيرة وعودته الى دمشق فالعراق ثانية، ليبدأ رحلته المشابهة في رواية السيرة الذاتية الثانية الموسومة بإسم "غيمري" الغريب على القارئ.
على أية حال في كلتا الحالتين كانت مجازفاته الأساسية من خلال جواز سفره المزور الذي حقق تنفيذ امله بحكمة وقناعة نادرة ورباطة جأش بهواجس مخيفة. وباجتيازه للمصاعب نراه يتنفس الصعداء في أجواء موسكو وهو يقدم أوراقه الثبوتية بغية الالتحاق في الدورات الأساسية لتعلم اللغة الروسية، وفي ذات الوقت ملائمة البيئة المعيشية من حيث الأجواء ذات البرد الشديد.
من الملاحظ وأنا اجتاز بعص الفصول من الكتاب، كانت تحضرني مواقفه الإيجابية (ناهيك عن السلبيات الطفيفة) على تخطي الإشكالات واثبات ما يتمناه، وهذا ما وجدته في بدايات دراسته في موسكو على مقاعد الدراسة وانسجامه مع من زاملوه في القسم الداخلي والمجتمع الروسي، رغم الإشكال اللغوي في البدايات التي اجتازها بنجاح وطمأنينة كما يؤكده في شروحاته تباعاً.
ومما يبعث على الحيرة من الغرائب التي يرويها الكاتب بانسيابية مشرقة، يتصوره القارئ بأنه في رحلة فكرية لاستكشاف ما ينوي الإفادة عنه في كل فكرة تنتابه سواء في القسم الداخلي أو السفريات وبالأحرى الرحلات المباغتة بين الحين والآخر رغم المتاعب برفقة زملاء الدراسة أو الدعوات الخاصة المتمثلة على سبيل المثال لا الحصر كتلك التي حفزه عليها زميله مالك بمرافقته لزيارة اهله في قرية غيمري في داغستان، التي استوحى منها عنوان كتابه، وكأول عراقي تطأ قدماه تلك القرية العبقة في التاريخ، وكأبرز حدث كاد يقضي على حياته بدافع اهتمام أهل القرية الذين يدينون بالإسلام أن يكون لهم إماماً عوضاً عن الإمام الذي لا معرفة له بالمفاهيم القرآنية بشكل مستفيض والجشع الذي يتمثل به للاستفادة من براءة اهل القرية، ولكون الزائر منصور كان قد بدأ بشرح وتفسير بعض النصوص القرآنية بناءً لطلب أهل القرية كونه يتقن العربية، رغم تحفظه بمسيحيتيه واسمه الحقيقي الذي حوره زميله مالك الى جوهر، حيث لم يشهر بذلك علناً سوى لصديقه مالك وعلى أثر ذلك نراه يتلقى تهديداً مباشراً في دار زميله بين اهله على الاكتفاء بما يعمله، وإلا فالنتائج ستكون وخيمة. وهنا ضاق الامر بمالك وعائلته حين أقدم المعتدي بأعلاء صوته ومواصلة تهديد الضيف جوهر، وهنا اضطر مالك وبغضب شديد اقدم على توبيخ المعتدي، ليتفضل فيما بعد والد مالك تيمور ازيموفتش الذي اتجه نحو الرجل الغاضب ودفعه الى الخارج وصفق الباب بوجهه.
ومن الجدير ذكره والاشارة اليه بأن الثقة المتبادلة بين جورج ومالك كانت قوية في حفظ اسرار بعضهما الخاصة. وهنا رغم المخاوف التي اعترت الضيف جورج، دعته خيالاته أن يستشهد بالعديد من المقولات ذات التأثير المباشر على تصوراته ومنها لديكارت على سبيل المثال بقوله: (ليس كافياً أن تمتلك عقلاً جيداً، فالمهم أن تستخدمه جيداً) ليستبعد القلق الذي يساوره، وكذلك مقولة تولستوي: (الوطن ليس قطعة من الأرض ولا مجموعة من البشر، الوطن هو المكان الذي تُحفظ فيه كرامة الانسان). ومن أجمل ما تشبث به منصور في نفسه مقولة جان جاك روسو: (إذا تعرضت للإساءة يوماً، لا تفكر في أقوى رد، بل فكر في أفضل رد، فالأخلاق السامية شيء رائع). واخيراً وبلطف حتم عليه البقاء اكثر زيادة الخطورة والاصلح التفكير بالمغادرة وبأسرع ما يمكن حيث يختتم مقولته عن جورج برناردشو بقوله: (المجادلة مع الناس الأغبياء تشبه محاولة للتخلص من بعوضة وقفت على خدك، قد تتخلص منها أولاً، لكن في كلتا الحالتين سينتهي الأمر بك أن تصفع نفسك). ومن جراء احساسه الغريب والتوجس والقلق والارتباك يبدو عليه التهوين والحذر والاسترخاء بالعديد من الأقاويل بشأن الحدث المفاجئ بالقتل حيث يستشهد بمقولات ذات اهمية لشكسبير وجلال الدين الرومي وآخرين مختتماً بتشيخوف قائلاً:
"حين لا تحب المكان استبدله،
حين يؤذيك الأشخاص غادرهم،
حين تمل ابتكر فكرة جديدة،
حين تحبط اقرا بشغف..
المهم في الحياة ألا تقف متفرجاً ".
نستنتج من امثاله التي يستذكرها عن الموقف المشين كدلالة لاهتماماته الفكرية والثقافي من مطالعاته الواسعة وبلغات متفاوتة ومنها التراجم العربية. ويبدو لنا هنا بأن الموقف الذي اعترى الكاتب جورج أضاف تجربة جديدة في حياته، مضيفاً أياها الى العديد من المعايشات اليومية بما مضى عليها في حياته الخاصة التي مهدت له مواقفاً صلدة لتحدي ما يوقف مسيرته الحياتية، وبما يواجهه من دون أي انتظار. أي بالمصادفة. ومنها ما جعله في حيرة اثناء سفره الى منطقة ألما آتا لزيارة صديقته ايرينا على بعد خمس ساعات بالطائرة وبمسافة 3913 كيلومتراً من موسكو باتجاه جبال الاورال في سهوب اسيا الوسطى. وباقتراب موعد اقلاع الطائرة كان جورج في طابور المسافرين، تقدمت منه إحدى الموظفات لتنتشله من بين الركاب، طالبة منه أن يتبعها فانتابته المخاوف والدهشة من تصرفها وهي تقتاده الى داخل الطائرة، مضطراً ليسالها إن كان هناك أي خطأ؟! لتجيبه بالإيجاب موضحة بأن الغرباء من أصحاب جوازات السفر الأجنبية يتم احترامهم كسفراء لبلدانهم ليس إلا. فتهللت اسارير وجهه وانبسطت سرائره بارتياح. ومن المفاجآت التي آلمت جورج ما صرحت به صديقته ايرينا وهي تجهش بالبكاء حين هددها أبوها بأنه سيكف عن دعمها مادياً إن لم تترك علاقتها مع جورج ويحرمها من دخول بيته، وكان جوابها كردة فعل، بانها ستقطع علاتها به، علماً بأنها كانت تعيش مع جورج في شقته، ومن طيبة جورج نصحها أن تنتقل الى شقة صديقتها لحل الازمة العائلية. ولإيضاح موقف والد ايرينا، كونه عمل فترة ما في العراق وله نظرته الخاصة عن بعض الطبائع السلبية لسلوكية أبناء البلد.
كان هذا الحديث بعد أن سافر جورج وايرينا وساشا في قرار مفاجئ، وعلى حين غرة للسفر وقضاء يومين في لينينغراد بعد أن كانوا في جلسة خاصة يحتسون أنواع متفاوتة من الفودكا والبيرة والنبيذ والشمبانيا، وما لذ وطاب من المأكولات. وما أن تصاعد تأثير الكحول في رأس الصديق ساشا(اليوشا) الذكي والخجول كالأطفال واشتاط حماساً ليعلن دعونا نسافر الى لينينغراد ورغم المعارضة كان الإصرار شديداً، عمدوا تحقيق حلم السفر مساءً والوصل في السادسة صباحاً، وعودتهما بعد قضاء ليلتين وانقطاعهم عن الدوام الجامعي في مكان دراستهم، وبعد عودتهم تم اجراء التحقيق عن غيابهم. ومصادفة معرفة أبو ايرينا بذلك واتخاذ موقفاً سلبياً من ابنته وفق ما اشرنا سابقاً.
وفي حال التوغل في المغامرات البريئة للمؤلف جورج بما كان يدونه بدقة وشفافية في كتابه دون إخفاء التفاصيل فيما يعيشه من علاقات ومواجهات بدلالة الثقة التي يتمتع بها بصدقه واعتباراته الوجيهة مع نفسه ومع زملائه، تدعونا أن نتغلغل أكثر في ذلك، ولهذا أود القول هنا بما يلي:
ولكي أكون أكثر وضوحاً بما طرحه الكاتب جورج في مسار حياته اليومية كطالب ملتزم وبما تشوبه من الذكريات عادة ما يدع القارئ متلهفاً لمتابعة القراءة بشوق واهتمام بإسلوبه الأخاذ وتعابيره المرنة ، بحيث يمكننا أن نحصر أهم طروحاته مؤكدين اياها بملاحظاتنا المحصورة في النقاط التالية:
- اعتماده عملية الوصف الدقيق لكافة الاحداث التي تقابله، ومنها على سبيل المثال الفكرية والأدبية وبوصف الأمكنة التي يصادفها بزياراته، وشخصيات متفاوتة وغير ذلك، ومن يتابع ما نذكره، يتصور وكأنه يلتقط صوراً حية بكامرته.
- الذاكرة القوية التي يتمتع بها فيما يخص الأماكن التي يعتمد زيارتها وتأكيده لأسمائها ومسافاتها واهميتها وما تتصف به. وعادة ما تكون هكذا ظاهرة من النوادر، إن لم يدونها الكاتب في مذكراته اليومية كملاحظات ليستذكرها فيما بعد. واعتماده بوصف أخاذ لكل موقف، بحيث يجتذب القارئ في متابعة القراءة متذوقا كما شعرت أنا بذلك.
- استعماله لأسماء المناطق باللغة الروسية وكأنه على معرفة بها من كثرة تكرار زيارتها وللكثير من المفردات التعبيرية، اقدامه على تفسير معانيها باللغة العربية. ومن إيجابيات هذه الملاحظة، أن يستغل قارئ الرواية على تعلم معاني أهم العبارات الروسية وكأنها طريقة حديثة ومشوقة لمن يود اثراء معلوماته اللغوية.
- والادهى من كل ذلك مفاجئتي أثناء القراءة أهمية مقابلته لأصدقاء لي بتواجدهم في موسكو، لتعود بي الذاكرة عنهم أثناء تواجدنا في الوطن الأم وعملنا في مجالات الصحافة أمثال القاص سعدي المالح والكاتب المسرحي داود زيا "الملقب "ديفد" والمسرحي زهير عبد المسيح والباحث قسطنطين ماتييف الذي زارني في السويد وزرته في موسكو ولندن. رحمهم الله جميعاً ما عدا الزميل المترجم نينوس سوريشو الذي لا زال في السويد ونتواصل دوماً لاهتماماته الأدبية والفكرية بالعربية والآشورية والروسية، وكذلك بعض الأسماء الاشورية التي كنت قد التقيتها في فترات متفاوتة في موسكو أثناء مشاركتي في مؤتمرين لغويين. وورد اسم جونا الشهيرة التي كنت على معرفة بها فيما كانت تعده لي من جلسات فخمة اثناء زيارتها في اربات من العمارة المكتظة بالمراجعين والمطبقين والمرضى لتلقي العلاج الخاص بهم ومن خلال مساعديها أيضاً ودورها في معالجة شخصيات كبيرة وذات الشأن في موسكو. وأهمية هذه اللمحة سببها الكاتب الذي دعاني بشكل غير مباشر ومن دون معرفته عن علاقاتي بهم.
- استعمال تعابير في غاية الأهمية لكبار الادباء والفلاسفة تماشياً ومضامين نصوص تعابيره من أمثال: دوستوفيسكي وفان كوخ وغابريل غارسيا ماركيز وهاروكي موراكامي ومحمود درويش وانطون تشيخوف والعراقي سعدي يوسف وجلا الدين الرومي. والأهم صفحات عناوين الفصول الأربعة التي يذيلها بأقاويل الادباء والحكماء.
- تدوين اللفتات البديعة من اللطائف بما عاشه في القسم الداخلي بنتائجها المخيبة للآمال بالغرابة ومنها على سبيل المثال لا الحصر عن شوي لحم الكلاب من قبل الطلبة الفيتناميين وانتشار روائحها الكريهة المجحفة وغضب مسؤولي القسم الداخلي والطلبة بشكل عام، والسبب كون العملية من إحدى العادات السنوية المحصورة في فيتنام. وكذلك سرقة ما اعده جورج وصديقه الزائر سعدي المالح أثناء طبخ اكلة البلوف بموادها المتنوعة وتسوقهم اولياتها وتحضيرها في مطبخ القسم الداخلي للطلاب، وبعد ذهابهما للتأكيد من طبخها وهما في غاية الجوع لتناولها، انتابتهم وجهة من الاستغراب حين لم يعثرا على القِدر وبالأحرى "الطنجرة"، فجن جنونهما، فهرع سعدي واخبر الديجورني بمعنى الحارسة الخفر التي بدورها اتصلت بالشرطة، فانفعل جورج من تصرف سعدي، حيث كان طلاب القسم قد عمدوا على فعلهم باتخاذ القدر والتهام ما فيه واخفاء القازان (القدر) تحت سرير أحد الطلبة الذين كانوا ثلاثة من الجناة الروس والقاء القبض عليهم والتحقيق معهم..
- أحياناً يشط الكاتب في الإشارة على استعمال الكلمات العامية الطارئة وفق متطلبات استعمالات التعابير ومنها ما يخطر على بالي مفردة "طز" العراقية وعفارم أي عافية عليك وبحبوحة، وخو ما كوشي؟ واترس حلك العشيرة أي املأ فم العشيرة. والبسطة، ومكتفياً بهذه للضرورة التي يعكف الكثير من الكتاب على استعمالها عفوياً، ولا يمكننا اعتبارها تعمداً، كما يحدث أحياناً عن بعض الأخطاء الاملائية التي ترافق النصوص سهواً.
- ومن الإيجابيات التي عاشها الكاتب جورج سفراته الى العديد من الدول المجاورة بحكم الاستمتاع احياناً، وبحكم المسؤوليات الشخصية بلقاءات خاصة لظروف حتمت عليه ذلك ومن تلك الدول إيطاليا، المانيا الشرقية والغربية، أوكرانيا رومانيا، المجر وبلغاريا واسطنبول، ناهيك عن المناطق الروسية العديدة التي يستصعب علينا لفظها، وحتمت على كاتبنا في بعض الأحيان مقابلة شخصيات ذات شأن في الحقل الأدبي كالروائي العراقي غائب طعمة فرمان والشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة، وبعض المناطق الاثرية كمتحف بيت الكاتب الروسي تولستوي الشهير برواية الحرب والسلام وآنّا كارنينا وغيرها من المؤلفات المترجمة الى عدة لغات ومنها العربية.
- وفي خاتمة المطاف يسرني أن اضيف ما تبين لي بأن الكاتب جورج منصور اتم دراسته بعد الثانوية في معهد اعداد المعلمين لسنتين في أربيل عام 1975، ودفعه طموحه فيما بعد لاتمام دراسته في موسكو في ذات السنة، وذلك منذ عام 1975 ولحد عام 1981 أي مدة ست سنوات حصل من خلالها على شهادة الماجستير من كلية الاختصاص في هندسة تكنلوجيا الطباعة حسب وصية القاص غائب طعمة فرمان، وكذلك بمتابعاته المسائية درس الفلسفة وحصل على شهادة الدبلوم العالي من أحد معاهد موسكو.
- وفي الصفحات الأخيرة من خاتمة الكتاب يوضح أهمية تخرجه وفق المراسم الرسمية المتعلقة بالامتحانات والمناقشات ومآدب الاحتفالات والوداع الأخير. حيث تراه يدون في الخاتمة جميل عباراته بأن كتابه يتضمن سيرة ذاتية وليست مجرد حكاية فرد، بل انعكاس لتقاطع الزمان والمكان، لتجارب الأنسان في بحثه الدائم عن نفسه وسط صخب الحياة وتقلباتها. متلطفا بقوله: (والغربة، وإن كانت مؤلمة فقد منحتني عيناً ثالثة أبصرت بها المعاني خلف الوجوه). وما أجمله وعياً وادراكاً حين يختتم الرواية بمقولة الايرلندي الشهير جورج برناردشو بقوله: (غالباً الكلام الذي تخشى أن تقوله هو الكلام الذي ينبغي أن يقال).
- وختاماً فإن رواية غيمري تقع في 315 صفحة من الحجم المتوسط مطعمة بمجموعة من الصور التذكارية الخاصة والعامة ، (276 صفحة السيرة + 39 ملحق الصور والفهرس بمجموع 315 صفحة وهي الطبعة الأولى لعام 2025 الصادرة عن دار المدى في بغداد العراق. بتقديم الكاتب العراقي علي بدر صاحب العديد من المؤلفات الروائية.
وأخر ما يمكن أن يقال بأن الكاتب جورج منصور استـلذ طعم المطالعة باستدراك تام منذ مراحل دراسته، ووسع من آفاقها بما كان يرصده من نشريات العقيدة التي آمن بها منذ مطلع شبابه، وإلا فكيف به أن يكتب لينشر في الثقافة الجديدة ورفيقاتها ذات الآفاق الواسعة. هذا ما استنتجته من مطالعتي لمفاهيم افكاره التي حتمت عليه أن يصيغها بأسلوب مرن وصياغات فصيحة نادرة الاستعمال بمفردات في غاية الأهمية بما تعكسه من معان مضيئة ومؤثرة لاقتفاء الطريق المنير في أروقة الادب العربي، بدلالة تعدد اللغات التي يتقنها كتابة ونطقاً وفهماً ومنها العربية التي لم تكن لغته الأم، بل لغة الدراسة والتثقيف الذاتي الى جانب الاشورية / السريانية والكردية فالإنكليزية وبالتالي الروسية والفارسية والتركية. وبالأمكان وصفه صاحب بوصلة لا تخفى عليه استعمالاتها. وبقي أن أردف مهنئاً له إمكاناته الفكرية ببصمات صياغاته الأدبية الممتعة التي صاغ من خلالها نهراً جاري المسار وبفروع قنوات متعددة منبثقة من تفرعات الفصول التي كونت دفة الكتاب. وباختصار، من يباشر قراءة سطوره منذ البداية، لا يمل في متابعته، وكأنما يشاهد فيلماً روائياً ممتعاً. فهنيئاً للكاتب الأستاذ الفاضل جورج منصور على اتحافه رفوف المكتبة التراثية وللمزيد من الكتابات.
***
بقلم: ميخائيل ممو ـ السويد








