بقلم: وين جريدي
ترجمة: د. محمد غنيم
***
نورما الخاطئة، بقلم آن كارسون، نيو دايركشنز بوكس، 2024.
وُلدت آن كارسون في كندا وتُدرّس اليونانية القديمة كمهنة لها. تعيش جزءًا من العام في ريكيافيك، آيسلندا. شاعرة وباحثة في الكلاسيكيات، درّست في جامعة نيويورك، وجامعة برينستون، وجامعة ميشيغان. نشرت دار نيو دايركشنز مجموعتين من شعرها، نوكس (2010)، والزجاج والسخرية والإله (1995)، فضلًا عن مسرحيات وترجمات. نشرت دار بنجوين راندوم هاوس كندا فلوت (2016)، وريد دوك (2013)، وجمال الزوج: مقال خيالي في 29 رقصة تانجو (2002).
في "1 = 1"، القصة الأولى في كتاب نورما الخاطئة، مجموعة آن كارسون الكندية من القصص القصيرة جدا والقصائد المجتزأة، نُنبَّه مسبقًا إلى الثيمات التي تتكرر في الكتاب: تذهب "هي" للسباحة في بحيرة، لكنها تخرج منها بعد وقت قصير. تكتب كارسون: "يظن الناس أن السباحة نشاطٌ خالٍ من الهموم"، لكنها "في الواقع، مشحونةٌ بالقلق". أليس السباحُ نفسه هو من يعتوره القلق؟ "ربما يكمن الأمر في ذلك الصراع المألوف لمعرفة الجمال..." نتساءل: بالنسبة لمن تُعد معرفة الجمال "صراعاً مألوفاً"؟ الجواب: بالنسبة لملايين البشر على هذا الكوكب؛ السجناء، والمحتجزين، والفقراء والمُهجَّرين؛ وهؤلاء هم محور اهتمام كارسون في هذه المجموعة المكثفة والمُقلقة.
في «أغنية كلايف»، كان صديقها كلايف يعمل لصالح سجناء جوانتانامو منذ 35 عامًا:
موكّله الحالي، رجل مغربي،
حُدِّد له الإفراج
وأُبلغ أيضًا
أنه لن يرحل أبدًا.
كلايف، المحامي، يتساءل عن منطق هذا.
يظهر جوانتانامو، أو أماكن شبيهة به، مرة أخرى. في «عزيزي كريتو»، يكتب سقراط إلى صديقه شاكرًا إياه على سم الشوكران: إذ يقبع سقراط في سجن يطغى فيه أزيزٌ مستمر "يطمس كل صوت آخر. هل تذكر الأيام الخوالي حين كانوا يشغّلون موسيقى ’إيجي بوب‘ طوال الليل لكسر عزيمة السجناء؟" في قصيدة" إيدي" ، تعمل الراوية على سلسلة سوناتات عن الاحتجاز، "تفكّر في معاناة الآخرين". وفي "إعادة مزج الفقر"، تسأل كارسون: لماذا يوجد الفقر؟ لأن البخل موجود. الفقر، كما تكتب، "كبش فداء"، مع الاستنتاج الضمني بأن جميع ضحايا العنف، الشخصي أو الرسمي، كباش فداء : يُضربون بأغصان التين ويُطردون من المدينة، "يُضحّى بهم كتكفير عن الآخرين أو لتطهير جماعة"، محكوم عليهم بالمعاناة حتى لا نعاني نحن. وصف الطقس الشاعر هيبوناكس، شاعر القرن السادس قبل الميلاد الذي اخترع وزنًا شعريًا يُسمى "الإيامبوس الأعرج"، وهو قبيح الإيقاع عن قصد. غير أن مفهوم "كبش الفداء" يظل باقياً عبر الزمن: "كيف كان ينام كبش الفداء، في الليلة السابقة للطقس، فوق شريحة الكرتون تلك الممدودة على شبكة تهوية مترو الأنفاق...؟".
بالنسبة لكارسون -التي تجمع بين كونها شاعرة ومتخصصة في الدراسات الكلاسيكية- تُعد الكلمات أسلحةً يمكن أن تنقلب ضدنا بسهولة. فالكلمات "قد تنطلق جانبًا، صامتةً ومجنونة؛ تظنها أدواتٍ أو ألعابًا أو أشياءَ مُروَّضة، وفجأةً تحرق ملابسك عن جسدك، فتقف هناك متفحّمًا ومثيرًا للسخرية تحت وهج البرق". (قصة "Snow") وتشير الكاتبة إلى أن كلمة "idea" (فكرة) كانت تعني في الأصل "الرؤية"، وتذكر في قصة "Thret" أن كلمة "threat" (تهديد) الإنجليزية مشتقة من الكلمة الإنجليزية القديمة "thret" (بمعنى الإكراه) والكلمة الألمانية العليا الوسطى "dröz" (بمعنى الإزعاج)، مما يربطنا بمفهوم "كبش الفداء": "فالناس الذين يتعرضون لمثل هذا الضغط يغادرون البلدة لفترة -ستة أشهر أو عام- ثم يعودون بهدوء، ليروا كيف ستسير الأمور". (قصة "Thret Part 1") .ونادرًا ما تسير الأمور على ما يرام: تجري القصة في مستقبل غير بعيد تدفع فيه المدارس أموال حماية حتى لا يُقتل الطلاب برصاص الرشاشات.
تتخلل قصص المجموعة مقاطع من قصيدة تتكرر فيها الأسئلة في نسقٍ أشبه بالتعويذة، وتُقابل بإجابات لا معنى لها، مما يضفي على القصيدة طابع الإلحاح الملازم لعمليات الاستجواب: (ص 49)
كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟
الشعور بالذنب اللوثري
كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟
البوربون
كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟
ابتسم فحسب
كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟
قد تساعد الحبوب
من الواضح أن كارسون مهتمة بـ "مصير الأرض. مصيري أنا. ومصيرك أنت" (في قصيدة "القدر، المحكمة الفيدرالية، القمر")، وبكيفية تشابك مصائرنا وارتباطها عبر المكان (سواء كان ذلك في جوانتانامو، أو قطاع غزة، أو المدن الأمريكية — ففي قصيدة "لقد بدأنا للتو"، يتعرض زوجان من الطبقة الوسطى للتعذيب والضرب على يد مقتحمين لمنزلهما، إلى أن تنقذهما أفعى "البايثون" الأليفة الجائعة) وعبر الزمان (إذ يمر الخُطّاب الذين يطمعون في الزواج من بينيلوبي — وهم في طريقهم إلى العالم السفلي "هاديس" — بـ "خزانة ملفات ضخمة تحوي كل الأحلام التي تنتظر، مرتبةً أبجدياً، لتتسلل إلى عقول البشر ليلاً")*. ومثل سيلفيا بلاث، التي كانت تؤرقها صور "الهولوكوست"، لا تغيب أبداً عن ذهن كارسون صورُ المعذَّبين وضحايا المجازر. ففي كتابها "المرأة الصامتة" وهو سيرة ذاتية تتناول حياة سيلفيا بلاث وتيد هيوز تكتب جانيت مالكولم قائلة: "إن القول بأن بلاث لم تكن محقة في استحضار أسماء معسكرات مثل داخاو وأوشفيتز وبيلسن هو قولٌ مجافٍ للصواب؛ فنحن من نقف في قفص الاتهام، ونحن من نقصر في حق أنفسنا، ونحن من لم نقبل خوض غمار التحدي المتمثل في تخيّل ما لا يمكن تخيّله".
لقد قبلت آن كارسون ذلك الرهان؛ لا لتكون كبش فداء، ولا لتعفينا نحن من خوضه، بل إنها تتخيل ما لا يمكن تخيله كي لا نتمكن من صرف أنظارنا عنه. وكما تذكّرنا قائلة: "بالمعاناة نتعلم" (في قصيدة "يا لها من ليلة").
من هي "نورما الخاطئة"؟ في القصة الأخيرة، وهي أيضًا القصة التي تحمل العنوان، هناك إشارة إلى نورما ديزموند، شخصية في فيلم جادة الغروب (1950)، الذي تشاهده كارسون حتى تبدأ بالتفكير في محيطها: "ليلة خاطئة، مدينة خاطئة، فيلم خاطئ، سيارات إسعاف خاطئة تموء مارّة وتُغرق حوار نورما ديزموند الخاطئ…" تُطفئ الفيلم، وهي تفكر: "أنا بأمان لكن ذلك لن يدوم." مثل السبّاحة في القصة الأولى، لا تستطيع كارسون الاستمتاع بأبسط الملذات دون أن تدرك العنف والحرمان من حولها.
(انتهى)
***
....................
الكاتب: وين جريدي/ Wayne Grady روائي وكاتب مقالات ومترجم حائز على جوائز، يتقاسم وقته هو وزوجته ميريلين سيموندز بين كينجستون، أونتاريو، وسان ميجيل دي أليندي، المكسيك.








