الشيوعي المسيحي جورج متحولاً إلى إمام يعلّم المسلمين القرآن!
الكتاب (غيمري- كدت أن أصبح إماما) من إصدارات دار المدى – بغداد 2025. سيرة شخصية للصديق الكاتب (جورج منصور). أراد بها استعادة سبع سنوات من عمره، قضاها طالباً في موسكو سبعينيات القرن المنصرم.
من أشد أجناس الكتابة إرباكاً وصعوبة، كتابة السيرة الشخصية، لأنك ستطل على ماضيك من علو، كنت تراه وتعايشه بزاوية وبنمط أفكار مختلفة تماماً عن زاوية ونمط أفكارك الحالية.. ثم يبدأ الإرباك في الخيار الذي ستتخذه، وأي سؤال ستجيب عنه أهو سؤال (ماذا) أم (كيف)؟
كان الكاتب منتبهاً ومنذ البداية لهذا الفخ. يكتب في مدخل الكتاب (أحياناً الذكريات تتآكل، تختلط الوجوه، وتذوب الأصوات في ضجيج السنين. وما كان حقيقياً يغدو وهماً، وما كان حلماً يُكتب كأنه واقع.. لم أثق تماماً بعدالة ذاكرتي.. فما كنت أراه عادياً في ذلك الزمن، قد يبدو صادماً، أو غير مقبول.. لهذا ترددت: هل أكتب كما عشت، أم كما يفترض أن يُكتب الآن؟ أنه الصراع بين الأمانة والملاءمة)، ثم يكتب بعد سطور قليلة (الرحلة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مسار داخلي يعيد تشكيل الروح ويفتح أبواباً جديدة للفهم والتأمل..)
إذن الكتابة هي رحلة إنما بمسار عكسي وبإنارة جديدة. ماذا بوسع شاب شيوعي عراقي في عشرينات عمره أن يكتب في ذلك الزمن عن موسكو والاتحاد السوفييتي، وهو القادم إليها بمنحة لدراسة فرع من فروع الهندسة من خلال حزبه الشيوعي؟ تبدأ اندهاشاته بالتجربة الشيوعية وهو في الطائرة التي تهبط على مدرج المطار، ينظر من النافذة مأخوذاً للراية الحمراء بالمطرقة والمنجل ترفرف، الراية التي هي حلمه الذي نذر لأجله حياته. لكن السؤال الآخر: ماذا بوسعه هو نفسه أن يكتب الان بعد أن تناوش السبعين من عمره، في زمن لم يعد فيه الاتحاد السوفييتي برايته الحمراء ذلك النبراس الأيديولوجي المبهر سوى ذكرى باهتة تنأى بعيداً في الذاكرة، كما أن الشيوعية نفسها لم تعد بوهجها القديم؟ كيف له أن يتعامل مع هذا وهو بوعي وحمولة من الثقل والتنوع، عاد من دراسته واشترك في كفاح الشيوعيين المسلح ثمانينات القرن المنصرم ضد نظام صدام حسين، ثم جرّب على جسده عذابات سجن (ايفين) الإيراني- الإسلامي، ثم رحلة المنافي قبل استقراره في كندا، ثم عودته إلى العراق بعد سقوط النظام أثر الاحتلال الأمريكي وتسنمه منصباً حكومياً في حكومة الاحتلال الأولى، حكومة (بريمر)، كان أول مدير لشبكة الإعلام العراقي، ثم استيزاره وزيراً في إحدى حكومات كوردستان.. وهو ما زال شيوعياً! أظن هو وأنا وكثيرين غيرنا من الشيوعيين الذين تركوا الحزب، ما زلنا نقول لأنفسنا أننا شيوعيون، كلٌّ بطريقته! ربما لأن البدائل الفكرية المطروحة الديني منها وغير الديني هي من البشاعة والقسوة والظلم بحق الإنسان ما يجعلها واحدة تبز الأخرى بقبحها.
لم تنقص الكاتب ملكة اللغة، يكتب بلغة عربية متينة تنحى في كثير من مفاصلها إلى السرد الروائي أكثر منه السيرية. صياغاته تأخذ القارئ بعيداً لكثافتها وإطلالها على عوالم متعددة غير عالمه الشخصي. لن يمل القارئ ويواصل القراءة. استقطع واحدة من الصياغات الجميلة التي جلبت انتباهي في الوصف وهو يتحدث عن غربته (الغربة، ليست الصقيع الداخلي، وليست المكان فحسب، بل الزمن أيضاً. كنت أحسّ أن في صوتي، حين أتحدث، رنيناً بعيداً، كأن الكلمات تأتي من زمن آخر)!
مر الكتاب على الكثير من المحطات داخل وخارج موسكو، مثل أي طالب يتعلم اللغة ومن ثم يدخل في التخصص. لم ينس أن يخربش خربشات قليلة على سطح التجربة السوفيتية، كما أعتقد من وعيه الجديد وليس الوعي الذي دخل فيه، بإظهار تناقضاتها البنيوية، امتعاض المواطن السوفييتي من القيود الكثيرة المفروضة عليه، افتقار الحياة للألوان والتنوع، قسوة البيروقراطية الحزبية قبل الحكومية على المواطن، كتابة التقارير الكيدية على بعضهم لأقل هفوة من أحدهم خارج السرب وإن كانت رقصة لفتاة على أنغام غربية..! أو شيوعي عراقي يصرّف ورقة خمسين دولاًراً في السوق الموازي..! أو أحدهم يزهو ببنطال جينز وصله هدية من صديق أجنبي.. خلو رفوف دكاكين البقالة الحكومية إلا من بعض الحاجات غير الضرورية والكثير من الغبار، على عكس ما يتوفر في محلات تسمى (البريوزكا) اشبه بالسوق الحرة، متجر كذلك تديره الدولة السوفيتية لبيع البضائع النادرة مقابل العملات الأجنبية، مثل الشوكولاته، الكافيار، أنواع المشروبات والسجائر الأجنبية، أنواع الهدايا.. أوشحة حريرية.. بناطيل الجينز..إلخ وكان يُسمح بالتبضع منه فقط لحاملي الجوازات الأجنبية والدبلوماسية. في بلد متوسط الدخل فيه للمواطن يتراوح بين 120- 130 روبلاً، وهذا مبلغ بدون كوبونات التموين لا يسد حاجة، في بلد كان يغزو الفضاء ويخوض سباق تسلح جنوني بكل أنواع الأسلحة!
غيمري
قرية صغيرة في منطقة نائية من جمهورية داغستان، إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، تبعد عن العاصمة (محج قلعة) 250 كم، يسكنها بحدود 1500 نسمة، يدينون جميعاً بالدين الإسلامي. القرية والطريق إليها نموذج للإهمال الحكومي. طرق غير مزفتة، عجلات النقل بمثابة خردة، وبعد ستين سنة من البناء الاشتراكي ما زال الناس منشدين إلى ماضيهم أكثر من حاضرهم. ما زال سكانها يحتفلون برجل دين مقاوم من القرن التاسع عشر، ويتداولون صوره كالأيقونات، الإمام شامل الداغستاني، الذي حارب روسيا القيصرية على مدى ثلاثين سنة قبل استسلامه أخيراً. لا اثر للدولة إلا في مرفقين، مركز شرطة ومقر الحزب الشيوعي.
كان جورج يعيش في نفس الغرفة مع طالب داغستاني اسمه مالك من قرية غيمري. متزوج في القرية وله ابنة صغيرة، وله كذلك صديقة في موسكو يعيش معها في بيتها، لذا هو معظم الأيام غير متواجد في الغرفة، وهذا ما يجعل جورج يشعر باستقلالية بعيداً عن تكدس الطلاب في الغرف، في كل غرفة من القسم الداخلي يكدسون فيها من ثلاثة إلى ستة طلاب. وعلى عادة طلبة الجمهوريات في العطل المدرسية، يعودون إلى ديارهم. وفي عطلة شتوية طرح على جورج إمكانية أن يأتي معه إلى قريته ويتعرف على عائلته. استقبل جورج العراقي الاقتراح بفرح، هو المحروم من العودة إلى بلده، وبحاجته إلى دفء أحضان عائلة. وكان هناك خبر قد أخفاه مالك عن صديقه في البدء، ولم يصارحه به إلا وهما في القطار المتوجه إلى مدينة (محج قلعة)، أن القرية وعائلته متلهفون لزيارته. يستغرب جورج، ويسأل: لماذا؟ أجابه: لأنك ستقرأ لهم القرآن وتترجم آياته إلى اللغة الروسية! ليرد عليه جورج بغضب وعتاب:
- يا رجل أنا حتى لست مسلماً، بل مسيحياً. رافقتك للتعرف على عائلتك ومشاهدة القرية لا أكثر.
- لكن أبي أخبر المختار وهذا اخبر القرية كلها وهم متلهفون لوصولك. لن تخسر شيئاً شاهدت عندك قرآن وكنت تقرأ فيه.
الواضح بالنسبة إلى مالك وربما كل قريته أن كل عربي هو مسلم بالضرورة. يوضح جورج وهو يريد الضحك:
- الذي عندي ليس قرآن، بل كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب، اقرأ فيه أحياناً.
- ارجوك لا تحرجني أمام قريتي، لقد اخبرتهم، ثم الناس بسطاء وسيفرحون بذلك كثيراً، ومن جانبي لن أخبر أحداً أنك لست مسلماً.
هذا برغم أن في القرية مسجد وفيه إمام اسمه زاهر احمدوف. جورج بين المصدق وغير المصدق، أخذ على عاتقه المهمة التي ورطه بها صديقه. تعرف على عائلته وكان سعيداً برعايتهم ولطفهم واهتمامهم بشؤونه. كل يوم بعد الفطور صباحاً يعج بيت تيمور أبو مالك بالمؤمنين قادمين من بيوت القرية المتفرقة، إلى المضافة المتحولة إلى مسجد. ولكثرتهم جرى تقسيمهم إلى وجبات، واحدة تدخل الدرس والأخرى تنتظر في باحة الحوش..
ينصتون بكل حواسهم للفظ العربي لمفردات القرآن ولترجمة الآيات إلى اللغة الروسية، ثم يجيب على اسئلتهم حول معاني مفردات القرآن. كان بعضهم يحفظ بعض السور القرآنية القصار عن ظهر قلب، لكنه لم يكن يعرف معانيها. وكلما يأتي على آية ويشرح معناها، ينفعلون ويسلطون لعناتهم على ملا القرية الإمام زاهر أحمدوف. يقولون أن قراءاته وخطاباته ونصائحه تشعرهم بالضجر والملل.
حتى جاء اليوم الذي بدا مسار (المزحة) يسير باتجاه الجد. جاءه وفد رسمي من كبار شيوخ القرية على رأسهم المختار((جئنا لنشكرك اولاً ولنطلب منك شيئاً ونرجوك أن لا ترفض طلبنا، نحن بحاجة إلى إمام جديد شاب ومتعلم ويتقن اللغة العربية، ونريدك أن تبقى معنا في القرية وسوف نرشحكم لدى مجلس شورى المسلمين ومقره في العاصمة محج قلعة، ولدى موافقة المجلس سوف نرسلكم إلى دورة تأهيلية قصيرة لتتولوا المهمة، وسيتم تكليفكم بإمامة المسجد ونعدكم أننا سننفذ كل طلباتك وأن أهالي غيمري يتطلعون بشوق إلى مجيئكم إلى القرية في المرة القادمة للمكوث فترات أطول..))، ليعقب هذا التطور المحرج تهديد يصل إلى بيت تيمور من الإمام زاهر بضرورة أن يغادر الملا الجديد وإلا... كادت تقع مشكلة داخل القرية قبل أن يصل وقت الإجازة إلى نهايته ويغادر الثنائي إلى موسكو ملحوقين بلعنات الملا زاهر أحمدوف ومحملين بما لذ وطاب من خيرات القرية..
***
كريم كطافة








