هكذا افتتحت الأستاذة الفاضلة نصيرة القيسي مذكراتها الموسومة بـ "ذكريات من زمن الفجيعة"، ثم أردفت قائلة:
"لست أزعم أني حكيمة أو أكتب بطريقة أبوية، وإنما أقدم تجربتي أمام الآخرين ليختاروا هم أفضل طريق يجنبهم أخطاءً ورّطت آخرين من قبلهم".
ثم تقول في موضع آخر:"أحاول أن أتخلص من عزلتي تلك عبر هذه المذكرات".
جعلتني هذه الكلمات القليلة أمعن النظر طويلًا، في صمتٍ عميق، وأتأمل كم للكتابة من فضل في انتشالنا من مرارة العزلة. فالكتابة تمنحنا حياة أخرى، معها ننسج آلامنا، ونطرّز جراحنا، ونحاول أن نوقف نزيف أرواحنا. هي رفيقة وفية وجميلة، لا تتضجر من بوحنا الكبير، ولا تملّ من تنقيبنا في ما حملناه من كتلة ألم تراكمت ونمت فينا بالفقد والحزن والدموع.
والكتابة ليست فقط أداة نعبر بها عن أفراحنا وأتراحنا، بل غدت وسيلة لصناعة أثر طيب وكريم، يحمل عطر تفاصيلنا ومواقفنا وشواهد الأيام التي عشناها. قد نرحل نحن، لكن تبقى هذه الرفيقة تخبر الآخرين أننا مررنا من هنا، وأننا عشنا هذه الرحلة، وأن لنا فيها أثرًا وشواهد.
أبهرني وصف الكاتبة لبيت طفولتها، تلك الباحة الواسعة التي تلتف حولها غرف البيت والإيوان. رحلت مع هذه النصوص إلى طفولتي، وسافرت بعيدًا إلى هناك، إلى نشأتي الأولى، إلى بيتٍ يشبه بيتها في تفاصيله ودفئه وذاكرته.
وبكيت وأنا أغوص بهدوء بين أسطر ما كتبته الأستاذة نصيرة، وهي تصف بصدقٍ وجع فقد الأم، وقبلها الجدة الطيبة، وغياب الأخ واستشهاده، وفصلها من الوظيفة، وتروي ما عاشته من قسوة الواقع، مستحضرةً قول الجواهري:
"إن الحياة سريعة وجريئة لا تُغلب… وتدوس من لا يستطيع اللحاق بها وتؤدبه".
وحلّقت معها في تفاصيل بغداد، وشعرت أنني أمشي في درابينها وشوارعها وعقودها، منبهرةً وممتلئةً وأنا أقرأ وصفها لبغداد ذلك الزمن، وكأن المدينة خرجت من بين صفحات الكتاب لتقف أمامي بكل تفاصيلها وذاكرتها. ولكم أبهرتني هذه الذكريات وألهمتني، حتى إنني حدثت بناتي عنها، فطلبن مني أن أرسلها إليهن ليقرأنها.
لقد جسدت هذه السيدة بطولة فائقة النظير، وهي تتنقل من بلد إلى آخر هربًا من ملاحقة النظام الذي أعدم والدها وغيّب أخاها، حتى إنها اضطرت إلى ترك ابنتها وهي لم تكمل عامها الأول، مهاجرةً ومتسلحةً بإيمان عميق بانتمائها وقيمها ومبادئها.
ومن بين صفحات سيرتها، توقفت عند مجموعة من العبارات التي تبدو كأنها خلاصة عمر وتجربة طويلة:
"إذا قابلت الشر بالشر، فمتى ينتهي الشر؟
الطريق الأسرع إلى الهدف هو الطريق المستقيم.
ما يجعلك سعيدًا في الحياة هو أن تكون مفيدًا للآخرين.
أعظم ما اتكأت عليه في محنتي هو شعوري بالسلام الداخلي.
أسهل شيء في الحياة أن نخطئ.
لكي أفهم الحياة، عليّ أن أتواصل معها.
كل شر ينبعث من الأنا.
أفضل من علّمني الحياة هي التجربة.
أكثر شيء خفت منه هو أن أخاف.
أجمل شيء في الحياة هو المحبة.
أسوأ شيء في الحياة هو الحسد.
أكبر سر في الحياة هو الموت."
ثم تأتي تلك الكلمات التي شعرتُ أنها تختصر وجع امرأة حملت في قلبها وطنًا من الذكريات:
"إن ثمة خفافيش تترصد مهاجع الطيبين، فترد عليه: اصبري… ولكن أي صبر؟! أنا اليوم.. بعد أن توزعت عائلتي المنافي قسرًا لا رغبةً، يؤلمني أن أزمنة المحبة ولّت، وبقيت وحدي، امرأةً يستوطن قلبها الجليد وبعضٌ من ذكريات. أعرف أنها تثير وجعي، فأعذروني أحبتي إن أنا انتميت لمدن اليباب، والتحفت رماد العمر".
ثم تصرخ من أعماق الفقد:
"آخ… يا أبي! أبكيك دومًا، لأن ليس ثمة شاهد يشير إلى قبرك، يُذكّر العابرين من أمامه، وهم يسألون: لمن هذا اللحد؟ ولكن يحف به صمت من لا يتكلمون". عند هذه الكلمات شعرت أن هذه السيرة تقرؤني أنا أيضًا. شعرت أن بيني وبين كاتبتها خيطًا خفيًا من الألم، نلتقي في النفي، والسجون، وفقد الأحبة، وفي ذلك الوجع الذي يبدو كأنه خرج من جذر واحد، ثم تفرع في حياتنا بمسارات متشابهة.
ورغم هذا التشابه في الوجع، فإن هذه السيرة العميقة لم تزدني ألمًا، بل منحتني شعورًا بالقوة. شعرت بقوة الحروف، وبصمود بطلتها الأستاذة نصيرة، وبصبرها وجلادتها أمام محن الزمان.
لقد أخذت نصيبها من الألم والحزن والهجرة، واختبرت سنوات من السجون المتوالية التي طالت والدها، ذلك الطبيب المثقف، الطيب والدافئ، كما وصفته. كان رجلًا آمن في زمنه بأفكار وشعارات ومبادئ الحزب اليساري الشيوعي، فانجذب شيئًا فشيئًا بعيدًا عن عالمه وأسرته وعيادته، إلى عالم السجون والزنزانات، حتى انتهى به الأمر إلى الإعدام.
ولامس قلبي، بل التقى مع قناعتي، ما خلصت إليه الكاتبة بعد رحلة طويلة من الانتماء والملاحقة والسجون، حين أدركت أن كثيرًا من الأحزاب التي رفعت شعارات المعارضة والنضال لم تكن، في نهاية المطاف، معنيةً بالإنسان والشعوب بقدر ما كانت تتطلع إلى السلطة ومكاسبها. وكان هذا الاكتشاف، بعد سنوات طويلة من الإيمان بالمبادئ والانتماء إليها، واحدًا من أكثر دروس تجربتها مرارةً وصدقًا، إذ أدركت أن الشعارات مهما علت، تفقد معناها حين تتحول السلطة إلى غاية، ويصبح الإنسان مجرد وسيلة في طريق الوصول إليها.
وتقول:
"إن الطريق الذي سلكه والدي في حياته السياسية، سواء في العهد الملكي أو في العهود الجمهورية، أدى به لأن يكون زائرًا مزمنًا لسجون تلك الأنظمة، واتضح أن جميع الأحزاب المعارضة تطمح للسلطة ومكاسبها، وليس لخدمة الجماهير. وقد أفسدت هذه الأحزاب بتنافرها الحياة السياسية، ونتج عنها اضطراب اجتماعي تحملت نتائجه الكثير من العوائل العراقية البريئة".
وفي الصفحة السابعة والتسعين من هذه السيرة التي تمتد على مئة وثمانين صفحة، تستحضر الكاتبة الشاعر والكاتب جبران خليل جبران، فتقول: استلهمت جبران خليل جبران، شاعر المهجر، في وصيته الأخيرة وهو يحتضر.. فيقول: " لا تحملوني الى الجبانة، لأن الزحام يزعج حالتي، والجماجم تسلب سكينةَ رقادي، إحملوني الى السرو، وأحفروا لي قبراً في تلك البقعة، حيث ينبت البنفسج بجوار النرجس، وإغمروني بالتراب الناعم، وألقوا مع كل حفنه من بذور السوسن والياسمين، فتنبت على قبري، ممتصه كل عناصر جسدي، ولتنمو في محفور من الصخور بذور البنفسج، بجوار الشقيق، ناثرةً في الهواء نحيب قلبي ".
وقد توقفت طويلًا عند هذا الاستحضار، فحتى في حديثها عن الموت، كانت الأستاذة نصيرة القيسي تبحث عن صورة أخرى للحياة، عن مكان أكثر رحمة، عن قبر تحيط به الطبيعة، وينبت فيه البنفسج والنرجس والسوسن والياسمين، وكأنها تريد أن يتحول الموت نفسه إلى امتداد للجمال، لا إلى نهاية للوجود.
وأنا أختم قولي، أجدني أعود إلى البداية…
لقد تعرفت إلى السيدة الفاضلة نصيرة القيسي في أحد النوادي الاجتماعية في بغداد، ومنذ الوهلة الأولى شعرت بودّ كبير نحوها، وبشيء ما في شخصيتها العذبة لامس روحي، فحملت لها في قلبي مكانةً خاصة، واحترامًا وتقديرًا كبيرين.
واليوم، بعد أن قرأت سيرتها، أشعر أنني تعرفت إليها من جديد، ليس فقط بوصفها السيدة التي التقيتها في أحد نوادي بغداد، وإنما بوصفها امرأةً حملت تاريخًا من الفجيعة، وعبرت محنًا كثيرة، وظلت رغم كل شيء قادرة على أن تكتب، وتتذكر، وتمنح تجربتها للآخرين.
لقد أدركت من مذكراتها أن الكتابة ليست ترفًا، ولا حقًا شخصيًا فحسب، بل قد تكون فعل نجاة، وشهادة على زمن، وحفظًا للذاكرة، وطريقًا لصناعة أثر يبقى بعد الرحيل. وهذه السيرة، بالنسبة لي، لم تكن مجرد ذكريات من زمن الفجيعة، بل كانت نافذةً رأيت من خلالها وجع الإنسان، وذاكرة الوطن، وقوة المرأة، وقدرة الروح على أن تنهض من تحت ركام الفقد.
خرجت من صفحاتها وأنا أشعر أن الحياة، مهما أثقلتنا، يمكن أن تمنحنا فرصة أخرى، فرصة لأن نعيد كتابة ما تبقى منها، وأن نصنع من الألم معنى، ومن الذكريات نورًا، ومن التجربة طريقًا نحو حياة جديدة.
شكرًا للأستاذة نصيرة القيسي، لأنها لم تكتب مذكراتها لتروي لنا ما حدث لها فحسب، بل تركت لنا فيها جزءًا من روحها، وشهادةً على زمنٍ لا ينبغي أن يُنسى، وإلهامًا لنا كي نصنع، رغم كل ما مررنا به، حياةً جديرة بالحياة.
***
د. حميدة القحطاني








