صدر عن دار الفرجاني بالقاهرة كتابٌ جديد بعنوان «ذاكرة مذيع... حكايات وراء المايك» للإعلامي والكاتب الدكتور فؤاد عبد الرازق. يقع الكتاب في أربعة أبواب؛ يضم الباب الأول تسعة فصول، والثاني سبعة، والثالث خمسة، بينما يشتمل الباب الرابع والأخير على فصلين.
يصنف عبد الرازق كتابه ضمن السيرة الذاتية، غير أنه يتجاوز هذا الإطار إلى أدب الرحلات وكواليس العمل الإعلامي، بما يزخر به من حوارات أدبية وفنية وسياسية، فضلًا عن مواقف طريفة وأخرى مثيرة رصدها بعين الصحفي المتمرس، القادر على التقاط التفاصيل التي قد تغيب عن غيره. ويؤكد المؤلف في مقدمته أهمية العناية باللغة، قائلًا: «كن أنيقًا في اللغة كما تتأنق في ملبسك»، ثم يوجز فلسفته بعبارة لافتة: «الأناقة هي البلاغة».
ويستحضر هذا التصنيف تعريف الناقد السويسري جان ستاروبنسكي للسيرة الذاتية بأنها «سيرة شخص يرويها بنفسه»، كما يستأنس بتعريف فيليب لوجون لها بأنها «حكي استعادي نثري يقوم به شخص حقيقي عن وجوده الخاص، مركزًا على حياته الفردية، ولا سيما تاريخ شخصيته»، مع اشتراطه وحدة المؤلف والراوي والشخصية الرئيسة.
يفتتح عبد الرزاق سيرته بالحديث عن أسرته، ولا سيما والده الذي عمل في هيأة البريد المصرية، حتى غدت الأسرة تُعرف بـ«عائلة البوسطجية». ويكشف هذا الفصل أن تفوق المؤلف لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة بيئة أسرية شجعته على الاجتهاد والطموح؛ فالأب والأم والأخ الأكبر كانوا جميعًا مصدرًا للتحفيز والثقة بالنفس. كما ورث عن والده، إلى جانب بعض الملامح، شغفه بالإذاعة والأخبار وحسّه الإعلامي المبكر.
وتغطي السيرة مسيرة زمنية تمتد من مولده في حي المطرية بالقاهرة عام 1955 حتى إغلاق إذاعة BBC العربية في لندن عام 2023، متتبعةً مراحل الدراسة والعمل والتنقل بين البلدان، ومبرزةً في الوقت نفسه جوانب من اهتماماته الشخصية، مثل شغفه بكرة القدم، وتشجيعه نادي الزمالك، وإعجابه بعدد من نجوم الكرة المصرية.
التفوّق الدراسي وهاجس التنوير
يفرد عبد الرزاق مساحة واسعة لمرحلة الدراسة والتكوين العلمي، فيبدأ بكلية الألسن التي آثر الالتحاق بها على كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رغم ما كانت تتمتع به الأخيرة من مكانة مرموقة بوصفها بوابةً إلى السلك الدبلوماسي. وفي الألسن يواصل تفوقه الأكاديمي، حتى يطلق عليه أستاذه الدكتور محمد العشيري لقب «رفاعة العصر»، في إشارة إلى رفاعة رافع الطهطاوي، رائد النهضة المصرية ومؤسس كلية الألسن. تخرج المؤلف عام 1978 بتقدير جيد جدًا، وكان الأول على دفعته، ثم عُيّن معيدًا في الكلية، لينتقل سريعًا من مقاعد الدراسة إلى هيأة التدريس.
ولم تتوقف رحلته العلمية عند هذا الحد، فقد واصل دراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث نال درجة الماجستير في الترجمة الفورية والتحريرية، الأمر الذي عمّق معارفه باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وفتح أمامه آفاقًا ثقافية وفكرية جديدة. ومع ذلك ظل يشعر بانتماء خاص إلى كلية الألسن، التي بقيت الأقرب إلى وجدانه، رغم ما تتمتع به الجامعة الأمريكية من مكانة أكاديمية وثقافية.
ويغدو السفر أحد المحاور الرئيسة في هذه السيرة؛ إذ يتنقل المؤلف بين عدد من البلدان العربية والأجنبية، ويبدأ رحلته العملية في جامعة الملك فيصل بمدينة الخُبَر في المملكة العربية السعودية. ويستعيد في هذا السياق بدايات تكوين أسرته الصغيرة، متوقفًا عند زوجته وولديه سامر وأحمد، كما يرصد بعض التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة خلال العقود الأخيرة، فيربط بين تجربته الشخصية والتغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي.
ثم ينتقل إلى إثيوبيا، حيث عمل مترجمًا في منظمة الوحدة الأفريقية بأديس أبابا، مستعيدًا ذكريات عامين زاخرين بالتجارب الإنسانية والمهنية. ولا يكتفي بوصف طبيعة عمله، بل يقترب من المجتمع الإثيوبي، فيتحدث عن عادات أهله، ومطبخهم، وطرائف الحياة اليومية، كاشفًا عن قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه الخاصة.
وتبلغ الإثارة ذروتها عندما يستعيد حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي واقعة عايش أجواءها عن قرب، فيسرد ملابساتها وما أثارته من تداعيات سياسية، مضفيًا على السيرة بعدًا توثيقيًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية.
كواليس العمل الإذاعي
تصل السيرة إلى محورها الأبرز حين ينتقل عبد الرزاق إلى تجربة العمل في إذاعة BBC العربية، تلك المؤسسة التي ارتبط اسمها بتاريخ الإعلام العالمي، وكانت بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان للعمل؛ فقد أصبحت فضاءً مهنيًا وثقافيًا التقى فيه بأجيال من الإعلاميين العرب الذين تركوا بصماتهم في ذاكرة المستمعين.
بعد اجتيازه اختبار القبول في القاهرة، ينتقل عبد الرزاق إلى لندن، حيث يبدأ رحلته في مؤسسة الإذاعة البريطانية، متنقلًا بين أقسام الترجمة والتحرير والأخبار، قبل أن يقف خلف الميكروفون مذيعًا. ويكشف هذا الجزء من السيرة عن كواليس العمل الإذاعي، وطبيعة المهنة التي تجمع بين الدقة اللغوية والقدرة على التواصل مع الجمهور، كما يرصد المؤلف شخصيات إعلامية بارزة زاملها في BBC، من أمثال حسام أحمد شبلاق، ومديحة رشيد المدفعي، وسلوى الجراح، ورشاد رمضان، وأفتيم قريطم، وغيرهم من الأسماء التي شكّلت جزءًا من تاريخ الإذاعة العربية.
ويقدم عبد الرزاق صورة توثيقية لمؤسسة BBC، مستعيدًا مراحل تطورها وفلسفتها الإعلامية القائمة على الشعار الشهير: «الإعلام يُعلّم ويُثقّف ويُرفّه». كما يتوقف عند بعض القضايا اللغوية والمهنية التي أثارت النقاش داخل المؤسسة، موضحًا حرصها على اختيار المصطلحات والتعابير بدقة، بما ينسجم مع مسؤولية الإعلام تجاه اللغة والجمهور.
ومن خلال هذه التجربة الطويلة، لا يظهر عبد الرزاق بوصفه مذيعًا ناقلًا للأخبار فحسب، بل بوصفه شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام العربي. فقد قدّم عددًا من البرامج التي تركت أثرًا لدى المستمعين، ومن أبرزها برنامج «ذاكرة إذاعة» الذي استعاد فيه وجوهًا وأصواتًا ومحطات من تاريخ العمل الإذاعي.
ويختتم المؤلف رحلته باستعادة ذكريات عدد من الشخصيات الأدبية والإعلامية، وفي مقدمتهم الروائي الطيب صالح، إضافة إلى رموز إذاعية أخرى كرّس لها حلقات خاصة، مؤكدًا بذلك وفاءه للأصوات التي صنعت مجد BBC العربية. وهكذا تتحول «ذاكرة مذيع... حكايات وراء المايك» من مجرد سيرة شخصية إلى وثيقة إنسانية ومهنية تحفظ جانبًا مهمًا من تاريخ الإذاعة العربية، وتقدم شهادة صادقة عن زمن كانت فيه الكلمة المسموعة تحمل مسؤولية ثقافية وحضارية كبيرة.
صبر المذيع المُحترف وآلية الترويض
يمكن القول إنَّ الباب الثاني، بفصوله السبعة، يُعدّ باب اللقاءات المهمة؛ إذ أجرى الراوي خلاله حوارات متعددة استهلّها بلقائه مع الأخ العقيد معمّر القذافي، الذي أطاح بالنظام الملكي في الأول من سبتمبر عام 1969، وبقي في سدة الحكم اثنين وأربعين عامًا كاملة، اتسمت تصريحاته خلالها بإثارة الجدل، إلى أن نصّب نفسه «ملك ملوك أفريقيا».
في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لم يكن اللقاء مع العقيد مألوفًا كغيره من اللقاءات؛ فعندما دخل عبد الرزاق الغرفة وجده واقفًا يتطلع إلى السقف من دون أن يلتفت إليه. وقد جرى الحوار وهو واقف، إذ لم يجرؤ المحاوِر على طلب جلوس العقيد أمام الميكروفون خشية من ردود أفعاله غير المتوقعة. ومع ذلك، أجاب القذافي عن الأسئلة المطروحة، وانتهت المقابلة بسلام. وقد اتسمت إجاباته باستخدام مفردات ساخرة وعبارات مرتجلة، من بينها اقتراح تسمية دولة «أسراطين» التي تجمع بين اسمي إسرائيل وفلسطين.
أما اللقاء مع الزعيم ياسر عرفات، الذي جرت وقائعه في العاصمة النيجيرية أبوجا، فقد اتخذ طابعًا طبيعيًا؛ إذ أجاب الختيار عن أسئلة المحاور بكل صراحة ووضوح. وفي السياق ذاته، زار الراوي إسرائيل، وهي الدولة التي يرى أنها تجعل مغادرتها أكثر صعوبة من دخولها؛ إذ يتعرض الزائر فيها لوابل من الأسئلة المتكررة، بل قد يُسأل عن تفاصيل شخصية فيما إذا دخل في علاقة عاطفية حميمة أم لا في أثناء وجوده في إسرائيل؟
ولا يجد الراوي حرجًا في التعبير عن حقيقة يراها دامغة، مفادها أن بعض رجال السلطة الفلسطينية كانوا يرتادون مطاعم غزة وغيرها من المدن الفلسطينية لتناول سمك البربوني، ثم ينصرفون مؤجلين دفع الحساب إلى وقت لاحق، إن كان هناك دفع أصلًا. وهي طريقة يرى أنها تشبه ما قد يصادفه القارئ في بعض البلدان التي تحكمها أنظمة شمولية وقمعية.
توفي الرئيس ياسر عرفات في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، ونُقل جثمانه من باريس إلى القاهرة، ثم نُقل على متن مروحية عسكرية إلى الضفة الغربية، حيث استقر في رام الله، وليس في القدس التي لم يُكتب له أن يدخلها لا حيًّا ولا ميتًا.
ومن اللافت في لقاء كونداليزا رايس، الذي جرى في فندق تشرشل وسط لندن، حضور كلب الحراسة الضخم المرافق لها، والذي أثار الخوف والرهبة في نفس المحاور. وقد صرّحت رايس خلال اللقاء بأن الولايات المتحدة تتمسك بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنها تدعم إجراء تغييرات سياسية واسعة في المنطقة، كما أشارت إلى تبنّي بلادها لنظرية «الفوضى الخلّاقة».
وفي الفصل الثالث عشر، يحاور الراوي شخصيتين سياسيتين بارزتين هما بطرس غالي وعمرو موسى، اللذان يمثلان بدورهما نموذجًا للتعايش السلمي بين المسلمين والأقباط في مصر عبر العصور.
كما لم يجد الراوي حرجًا في محاورة الأمير السعودي الراحل طلال بن عبدالعزيز في أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ وهو الأمير الذي أسس، في أواخر عام 1958، بالتعاون مع أربعة من إخوته، «حركة الأمراء الأحرار»، التي عُرفت بتوجهاتها الليبرالية ودعوتها إلى إقامة ملكية دستورية في السعودية، وتحقيق المساواة بين الرجال والنساء، وإبعاد الأسرة المالكة في الرياض عن ممارسة الحكم.
واللافت أن اسم الحركة لم يكن من ابتكار الأمراء الخمسة، بل أطلقته وسائل الإعلام المصرية خلال فترة الجفاء التي شهدتها العلاقات بين القاهرة والرياض. ولم تستمر الأزمة داخل البلاط الملكي السعودي طويلًا؛ إذ عاد الأمراء إلى وطنهم بعد أن تنازلوا طواعية عن ألقابهم الأميرية، وحصلوا على عفو أعادهم إلى صفوف المواطنين العاديين، باستثناء الأمير فواز الذي تولى إمارة منطقة مكة المكرمة بين عامي 1970 و1980.
جمالية الحوارات الأدبية والفنية
تبدو الحوارات مع الشخصيات الأدبية والفنية والفكرية أكثر جذبًا وإثارة من الحوارات السياسية التي غالبًا ما تتسم بالتوتر أو البرود؛ فاللقاء المفاجئ مع سندريلا الشاشة العربية كان أكثر دفئًا وحميمية. فقد حضرت سعاد حسني إلى استوديو هيأة الإذاعة البريطانية (BBC) لتسجيل قصائد صلاح جاهين بصوتها، إذ كانت تعدّه الأب الروحي لها. وعلى مدى ستة أشهر، كان عبد الرزاق يرافقها إلى استوديو يعمل بنظام التشغيل الذاتي، حتى أنهت تسجيل القصائد التي رغبت فيها، ثم اختفت فجأة كما ظهرت فجأة.
ومن الجدير بالذكر أن سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني توفيت في 21 يونيو/حزيران عام 2001، عن عمر ناهز الثامنة والخمسين عامًا، ويستبعد الراوي أن تكون هذه الفنانة الرقيقة قد أقدمت على الانتحار.
ويعترف عبد الرزاق بأنه، شأنه شأن بقية الزملاء العاملين في هيأة الإذاعة البريطانية، بأنه لم يتمكن من إجراء حوار مع الأديب نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، وذلك بعد الاعتداء الغادر الذي تعرّض له عام 1994 ومحاولة اغتياله. كما لم ينجح في محاورة «موسيقار الأجيال» محمد عبدالوهاب؛ إذ طلب الأخير أن يجري الحوار معه الإعلامي رشاد رمضان شخصيًا.
ويضم الفصل الأخير من هذا الباب عددًا من اللقاءات المهمة، من أبرزها الحوار مع الشاعر عبدالوهاب البياتي، الذي أكد أن «الشعراء ليسوا خيول سباق يتسابقون لنيل المغانم». أما الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، فقد سألها الراوي عن مدى تأثرها بالشاعر نزار قباني، فأقرّت بأنها تلميذة وفية للمدرسة النزارية، وأنها تأثرت كذلك بالمتنبي وشعراء المهجر، لكنها نفت أن يكون قباني هو من يكتب لها قصائدها، رغم وجود تشابه واضح في الأجواء الرومانسية وبعض السمات الأسلوبية بين تجربتيهما الشعريتين.
كما حاور الراوي الأديب الليبي محمد مصطفى المصراتي، والتقى الشاعرة الموريتانية مباركة بنت البراء، والشاعر الموريتاني محمد الحافظ، ضمن سلسلة اللقاءات التي عكست تنوع المشهد الأدبي والفكري العربي.
حفلات الطلاق في بلاد شنقيط
يتناول هذا الباب مجموعة جديدة من اللقاءات التي أجراها الصحفي فؤاد عبد الرزاق مع عدد من الشعراء والمثقفين العرب، من بينهم الشاعر السوداني محمد الفيتوري، والروائي المصري فتحي غانم، والعلّامة العراقي محمد بهجة الأثري. كما يرصد الكاتب ملامح الحياة في العراق في ظل نظام سلطوي شديد القبضة، ويتوقف عند بعض الأخطاء التي يقع فيها المترجمون العراقيون ممن يفتقرون إلى إتقان الترجمة الفورية.
ويُعد الفصل التاسع عشر، الموسوم بـ«في بلد حفلات الطلاق والدراعة»، من أكثر فصول الكتاب إثارة وطرافة؛ لما يزخر به من مشاهد اجتماعية وثقافية غير مألوفة. ففيه يطلق بعض الموريتانيين على الراوي، على سبيل الدعابة، لقب «فاتح بلاد شنقيط». كما يُجري في يوم واحد لقاءين بارزين؛ الأول مع الرئيس الموريتاني إعلي ولد محمد فال، والثاني مع سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، الذي أصبح أول رئيس مدني يُنتخب انتخابًا شعبيًا في بلد المليون شاعر.
ويتوقف الراوي عند عدد من الظواهر الثقافية والاجتماعية في موريتانيا، ومن أبرزها «التبراع»، وهو لون شعري نسائي تعبِّر المرأة من خلاله عن مشاعرها في الغزل أو المدح أو الهجاء، في صياغة قصيرة مكثفة تشبه الومضة الشعرية. كما يشير إلى المكانة التي حظيت بها المرأة الموريتانية، إذ كانت الناهة بنت مكناس أول امرأة تتولى حقيبة وزارة الخارجية في دولة عربية، كما انتُخبت المغنية والكاتبة معلومة بنت الميداح عضوًا في مجلس الشيوخ.
السُمنة بوصفها معيارًا للأنوثة والجمال
ويعرض الكاتب كذلك بعض الظواهر الاجتماعية المثيرة للانتباه، مثل شيوع حفلات الطلاق والنظرة الإيجابية إلى المرأة المطلقة، فضلًا عن ظاهرة «التبلاح»، وهي عملية تسمين قسري للفتيات منذ الصغر؛ إذ يُنظر إلى السمنة بوصفها معيارًا من معايير الجمال وزيادة فرص الزواج في بعض البيئات الموريتانية.
ثم ينتقل عبد الرزاق إلى تونس، حيث يلتقي عددًا من الشخصيات الدينية والسياسية والثقافية، من بينهم الشيخ هشام بن محمود، إمام جامع الزيتونة، والوزير والدبلوماسي والملاكم السابق محمد صالح دمبري، والصحفي والشاعر الجزائري عزالدين ميهوبي، قبل أن يختتم لقاءاته في المغرب بمحاورة عبدالرحمن اليوسفي، رئيس الحكومة المغربية، الذي ارتبط اسمه بمرحلة الانفتاح السياسي وتهدئة العلاقة مع قوى المعارضة.
ويخصص الراوي فصلًا كاملًا لسلطنة عُمان، يبرز فيه الدور الذي اضطلع به السلطان قابوس بن سعيد في رسم ملامح الدولة الحديثة على مدى خمسة عقود، مشيرًا إلى اهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية، الأمر الذي أسهم في إنشاء أول دار أوبرا في منطقة الخليج العربي. كما يتناول انتقال السلطة بسلاسة إلى السلطان هيثم بن طارق، وإقراره نظام ولاية العهد بإسنادها إلى نجله يزن بن هيثم.
ويقتصر الفصل الأخير على لقاء الراوي بيوسف ديدات، الذي أسهم في نشر ترجمة معاني القرآن الكريم بلغة الزولو، إحدى اللغات واسعة الانتشار في جنوب أفريقيا. كما يختتم الراوي هذا الباب بالإشارة إلى رحلاته في عدد من البلدان الأفريقية، من بينها مدينة كيب تاون، ثم زيمبابوي وزامبيا، بمساعدة الصحفي اللبناني الراحل يوسف حازم.
يقتصر الباب الرابع والأخير على فصلين، يخصص الراوي أولهما للحديث عن ترجمته السيرة الذاتية التي كتبها باللغة الأنجليزية أفتيم قريطم، أحد أبرز مذيعي البرامج الرياضية في هيأة الإذاعة البريطانية، والصادرة عام 2016 بعنوان «أفتيم وأنا والعمّة». والمقصود بـ«العمّة» في العنوان هو هيأة الإذاعة البريطانية (BBC)، وهو اللقب الذي ارتبط بها لما عُرفت به من رصانة ومهنية وتقاليد إعلامية راسخة، وقد أمضى قريطم في العمل بها ما يقارب أربعة عقود.
الإشادة بدقة المُترجم وبراعة أسلوبه
ويلفت الراوي إلى ما حظيت به هذه الترجمة من إشادة عدد من الكتّاب والصحفيين، من بينهم علي أسعد، وقاسم مزرعاني، وهشام البسيوني، الذي رأى أن المترجم صاغ النص «بطريقة أقرب إلى الأدب»، وأنه نقل السيرة «بأسلوب أدبي بديع على طريقة الحكّائين الكبار»، وهو ما يعكس نجاح عبد الرزاق في الجمع بين دقة الترجمة وجمال الأسلوب.
ويختتم الدكتور فؤاد عبد الرزاق سيرته الذاتية باستذكار لحظة إغلاق القسم العربي في هيأة الإذاعة البريطانية، في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2023، وهو حدث ترك أثرًا بالغًا في نفوس العاملين فيه، فاستحضَر بيتًا معبرًا لأمير الشعراء أحمد شوقي، يقول فيه:
قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً
وتهونُ الأرضُ إلا موضعًا
وبهذا الختام يضفي المؤلف على سيرته مسحة وجدانية مؤثرة، إذ يجعل من نهاية مسيرته المهنية خاتمةً لرحلة إعلامية طويلة حافلة بالتجارب والإنجازات.
على هامش السيرة الذاتية
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ السيدة إيمان الفزّاني وبرعاية من مكتبة (الفرجاني) بلندن قد نظّمت أمسية ثقافية وحفل توقيع لكتابيْ "ذاكرة مُذيع.. حكايات وراء المايك" ونسخته المُترجمة إلى الإنگليزية التي تحمل عنوان "المايك مفتوح.. والعالم مُغلق" للصحفي المتفرّد والمذيع الناجح د. فؤاد عبد الرزاق بمشاركة الناقد الأدبي عدنان حسين أحمد فيما تولّت إدارة الأمسية الباحثة والإعلامية المعروفة نوران سلّام التي قرأت هذه السيرة الذاتية قراءة مُعقمة وطرحت العديد من الأسئلة على صاحب السيرة وناقدها اللذَين قدّما إجابات شافية ووافية أثرتْ الأمسية ورسّختها في ذاكرة الحاضرين. ثم وقّع المؤلف نسخًا من سيرته الذاتية التي اعتبرها غالبية الحضور سيرة "من نسيج وحدها" لما تتمتع به من "أناقة لغوية" وأسلوب جذّاب، وعين خبيرة ترى ما لا يراه الآخرون.
***
لندن: عدنان حسين أحمد








