للباحثة الهولندية هيلين موريه- فان دن بيرغ
تأتي دراسة «الهوية السريانية في العصر الحديث» للباحثة الهولندية هيلين موريه ـ فان دن بيرغ بكونها محاولة مكثفة لقراءة التحولات التي مرت بها الجماعات السريانية في الشرق الأوسط والشتات منذ بدايات العصر العثماني وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين. نُشرت الدراسة سنة 2018 ـ الفصل الثامن والثلاثين من الكتاب الأكاديمي الجماعي «العالم السرياني» الذي حرره الباحث دانيال كينغ، وصدرت ضمن الصفحات 770–782. وتتناول الباحثة مفهوم «السرياني» بحذر منذ البداية، مؤكدة أنه لا توجد تسمية واحدة متفق عليها بين الباحثين أو داخل الجماعات نفسها، كونها تتقاطع تسميات السرياني والآشوري والكلداني والآرامي، بينما تختار هي «سرياني» بوصفه مصطلحًا واسعًا يجمع الكنائس والجماعات المرتبطة بدرجات مختلفة باللغة السريانية الكلاسيكية وتراثها الديني والأدبي.
محاور الدراسة
تتحرك الدراسة تاريخيًا من القرن السادس عشر، فتتابع انقسام الكنائس السريانية إلى فروع تقليدية وكاثوليكية، والعلاقات مع روما، وتأثير البعثات الكاثوليكية ثم البروتستانتية، وظهور التعليم الحديث والمطابع والصحافة. وتعطي مساحة خاصة لأورمية في القرن التاسع عشر ولنشاط المبشرين الأمريكيين، وترى أن هذه البيئة ساعدت على توسيع الوعي بتاريخ الكنائس السريانية وعلى ظهور تعبير «الأمة السريانية» ميللات سوريايا قبل شيوع المصطلح القومي «الآشوري» في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. ثم تنتقل إلى مذابح 1915 والتهجير والحرب العالمية الأولى، وأحداث سميل في العراق سنة 1933، وتحولات المسيحيين السريان داخل الدول الحديثة في العراق وسوريا وتركيا ولبنان وفلسطين. وتتابع أخيرًا موجات الهجرة إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا، وما فرضه الشتات من أسئلة جديدة حول اللغة والكنيسة والاندماج والهوية القومية. وتنتهي الدراسة إلى أن الهوية السريانية الحديثة لم تتشكل من عنصر واحد، بل من تفاعل الكنيسة واللغة والذاكرة المشتركة والاضطهاد والهجرة والحداثة، مع استمرار التنافس بين الهويات السريانية والآشورية والآرامية والكلدانية، وبقاء الانتماء الكنسي والعائلي في كثير من الأحيان أقوى من مشاريع الوحدة القومية الحديثة.
تتمحور الدراسة حول سلسلة من التحولات المصيرية التي أعادت تشكيل الجماعات السريانية أكثر من مرة، وتعرضها الباحثة بوصفها تاريخًا متحركًا لا يمكن اختزاله في هوية ثابتة أو تسمية واحدة. تبدأ هذه التحولات بانقسام الكنائس السريانية منذ القرن السادس عشر إلى فروع تقليدية وكاثوليكية، ثم ظهور الإرساليات البروتستانتية في القرن التاسع عشر وما رافقها من مدارس ومطابع وترجمات وصحافة. وتولي الباحثة أهمية خاصة لأورمية، حيث ترى أن الطباعة والتعليم وترجمة الكتاب المقدس إلى الآرامية المحكية، إلى جانب إعادة قراءة التاريخ السرياني القديم، ساعدت في الانتقال من الانتماء الكنسي الضيق إلى تصور أوسع للجماعة، حتى بدأ تعبير «الأمة السريانية» يظهر قبل شيوع مصطلح «الآشوري». ثم تتابع الدراسة التحول من الهوية الدينية إلى خطاب قومي يستحضر التاريخ السابق للمسيحية، فتدخل تسميات الآشوري والآرامي والكلداني في منافسة مستمرة مع السرياني. وتأتي الحرب العالمية الأولى ومذابح 1915 بوصفها نقطة انهيار كبرى؛ إذ تحولت مجتمعات مستقرة إلى جماعات نازحة ولاجئة، وتكونت ذاكرة مشتركة من القتل والتهجير والخوف. ثم تظهر أحداث سميل سنة 1933 في العراق بوصفها محطة أخرى رسخت الإحساس الآشوري بالمظلومية والانفصال عن الدولة الجديدة. وبعد ذلك تنتقل الباحثة إلى مرحلة الاندماج النسبي في سوريا والعراق ولبنان، قبل أن تبدأ موجات الهجرة الكبرى منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، فيصبح الشتات نفسه قوة جديدة تعيد تعريف اللغة والكنيسة والقومية والذاكرة. وتخلص الدراسة إلى أن الهوية السريانية الحديثة نتاج تفاعل طويل بين الكنيسة واللغة والمذابح والهجرة والقومية والاندماج، وأن التسمية الجامعة لم تستطع إلغاء قوة الانتماأت الكنسية والعائلية والمحلية.
لكن إحدى أكثر نقاط الدراسة إثارة للنقاش هي المساحة الكبيرة التي تمنحها للإرساليات الغربية في تفسير «الصحوة» الحديثة. فالمبشرون الكاثوليك ثم البروتستانت يظهرون في السرد بوصفهم حاملي التعليم الحديث والمطبعة والبحث التاريخي وإعادة اكتشاف التراث، حتى يكاد القارئ يشعر أن المجتمعات السريانية كانت تنتظر العامل الخارجي كي تستعيد ذاكرتها وتدخل الحداثة. صحيح أن المدارس والمطابع والإرساليات أحدثت أثرًا مهمًا لا يمكن إنكاره، لكن الدراسة لا تمنح الوزن نفسه للمؤسسات المحلية والأديرة والعلماء والكتبة وشبكات تداول المخطوطات والتقاليد التعليمية التي سبقت الوجود التبشيري بقرون. والأكثر إشكالًا أن الحضور الأوروبي والاستعماري يُذكر غالبًا بلغة هادئة تركز على الحماية الدبلوماسية والتعليم والفرص الجديدة، بينما لا يُفرد للاستعمار نفسه تحليل مماثل بوصفه منظومة قوة أعادت ترتيب المجتمعات وعمقت الانقسامات الدينية والإثنية وربطت بعض الأقليات بالقوى الأجنبية في نظر جيرانها. فالاستعمار لم يكن مجرد مظلة حماية للمسيحيين، بل قوة فرضت مصالحها على المسلمين والمسيحيين معًا، وأسهمت، إلى جانب عوامل محلية كثيرة، في خلخلة توازنات قديمة وإنتاج حساسيات جديدة. ومن هنا تبدو صورة «النهضة التبشيرية» في الدراسة بحاجة إلى قدر أكبر من التوازن بين إسهام الغرب الحقيقي وبين دور السريان أنفسهم، وبين التعليم والحماية من جهة، وبين علاقات القوة والاستعمار وآثارها العميقة من جهة أخرى.
عشرة استنتاجات من عمق الدراسة
1. الهوية السريانية الحديثة ليست امتدادًا بسيطًا لهوية قديمة ثابتة
تكشف الدراسة أن الحديث عن «هوية سريانية» واحدة ممتدة بلا تغير من العصور القديمة إلى الحاضر يختصر تاريخًا أكثر تعقيدًا. فالانتماء الكنسي والعائلي والمحلي كان طويلًا أكثر حضورًا من المفهوم القومي الحديث. أما الهوية الجامعة فقد تشكلت تدريجيًا، وأُعيد تعريفها مرارًا بحسب الظروف السياسية والثقافية والهجرات والتحولات الاجتماعية.
2. كلمة «سرياني» نفسها ليست مجرد اسم إثني محسوم
من أهم ما تكشفه الباحثة أن اختيارها مصطلح «صيرياچ» هو خيار منهجي وليس إعلانًا عن حسم الخلاف التاريخي حول أصل الجماعات. فهي تستخدمه مظلة للكنائس المرتبطة بالتراث واللغة السريانية، بينما تعترف بأن السرياني والآشوري والآرامي والكلداني تسميات متنافسة. وهذا يجعل من الخطأ تحويل اختيار الباحث الأكاديمي للمصطلح إلى دليل لإثبات هوية قومية بعينها.
3. اللغة تمثل مساحة مشتركة أوسع من الانقسام الكنسي
على الرغم من الانقسامات بين كنيسة المشرق والسريان الأرثوذكس والكلدان والسريان الكاثوليك والبروتستانت، بقيت السريانية الكلاسيكية وتراثها الأدبي والطقسي عاملًا يسمح بالحديث عن فضاء ثقافي مشترك. ومن هنا تكتسب اللغة أهمية تتجاوز التواصل اليومي؛ فهي خزان للذاكرة ووسيلة تربط جماعات اختلفت في العقيدة والسياسة والتسمية والانتماء القومي.
4. مفهوم «الأمة السريانية» سبق انتشار القومية الآشورية الحديثة
تقدم الدراسة ملاحظة تاريخية مهمة عندما تشير إلى استعمال تعبير ميللات سوريايا، «الأمة السريانية» قبل شيوع تسمية «آشوري» في الصحافة السريانية الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر. وهذا لا ينفي التاريخ الآشوري القديم، لكنه يفرض التمييز بين آشور التاريخية القديمة وبين تشكل الخطاب القومي الآشوري الحديث ومفرداته ومؤسساته السياسية والثقافية.
5. استعادة آشور وآرام وكلدان كانت جزءًا من البحث الحديث عن هوية علمانية
مع الحداثة لم تعد الكنيسة وحدها قادرة على تقديم جميع أجوبة الهوية، لذلك بدأ استحضار التاريخ السابق للمسيحية. فأصبح الماضي الآشوري أو الآرامي أو الكلداني وسيلة لبناء انتماء قومي يتجاوز العقيدة الكنسية. وهكذا لم تختفِ الهوية المسيحية، بل أضيفت إليها طبقة تاريخية جديدة تحاول نقل الجماعة من مفهوم الطائفة الدينية إلى مفهوم الشعب أو الأمة.
6. المأساة صنعت قدرًا من الوحدة لم تستطع السياسة تحقيقه بالكامل
المفارقة المؤلمة التي تظهر منذ مقدمة الدراسة أن جماعات تختلف في تسمياتها تستطيع أن تتعرف إلى نفسها داخل ذاكرة مشتركة للقتل والتهجير. فالسيفو والحرب العالمية الأولى وسميل والنزوح المتكرر أصبحت عناصر تتجاوز بعض الحدود المذهبية. ولذلك تشكلت أجزاء مهمة من الوعي السرياني الحديث حول ذاكرة الخسارة بقدر ما تشكلت حول اللغة والأدب والكنيسة.
7. الدولة القومية الحديثة لم تحل مشكلة الهوية بل أعادت صياغتها
انهيار الإمبراطوريات لم يؤد تلقائيًا إلى تحرير الجماعات الصغيرة. فقد وجد السريان والآشوريون والكلدان أنفسهم داخل تركيا والعراق وسوريا وغيرها أمام دول تطلب ولاءً قوميًّا جديدًا. وأصبح السؤال: هل يكون الفرد عربيًا أو تركيًا أو عراقيًا أولًا، أم سريانيًا أو آشوريًا أو كلدانيًا؟ ومن هنا انتقلت أزمة الهوية من المجال الكنسي إلى فضاء المواطنة والسياسة.
8. الشتات لم يحفظ الهوية فقط، بل أعاد تصنيعها
الهجرة إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا لم تكن مجرد انتقال جغرافي. ففي الشتات ظهرت الجمعيات والأحزاب والأبرشيات والمدارس ومشروعات تعليم السريانية، وأصبح ممكنا إعادة التفكير في الهوية بعيدًا عن ضغوط دول المنشأ. لكن الحرية الجديدة أنتجت مفارقة أخرى: كلما ازدادت المؤسسات التي تعمل لحماية الهوية، ازداد أيضًا الخوف من الاندماج والذوبان في المجتمعات الغربية.
9. مشروع الوحدة القومية يصطدم بقوة الكنيسة والعائلة والذاكرة المحلية
بعد أكثر من قرن من الدعوات إلى هوية آشورية أو سريانية أو آرامية جامعة، ترى الباحثة أن الكنيسة ما تزال بالنسبة إلى معظم الناس المجال الأول الذي تتكون داخله العلاقات والذاكرة والطقوس والزواج والأسرة. ولهذا لا تستطيع الشعارات القومية بسهولة إزالة الحدود بين الكنائس؛ فالهوية التي تُعاش يوميًا قد تكون أقوى من الهوية التي تصوغها الأحزاب والنخب الثقافية.
10. التاريخ السرياني الحديث لا يمكن تفسيره من داخل الكنيسة وحدها ولا من خلال الغرب وحده
ربما يكون هذا أهم استنتاج يمكن أن نضيفه نقديًا إلى الدراسة. فالتاريخ الذي نقرأه نتج من تفاعل عوامل داخلية وخارجية: الكنائس والأديرة والعلماء واللغة والمخطوطات والعائلات من جهة، والإرساليات والاستشراق والاستعمار والحفريات والمدرسة الحديثة والدولة القومية من جهة أخرى. لذلك فإن نسب «النهضة» إلى المبشرين وحدهم يعيد إنتاج رؤية مركزية غربية، مثلما أن تجاهل أثرهم سيكون تبسيطًا معاكسًا. القراءة الأكثر توازنًا ترى السريان فاعلين في تاريخهم، يتلقون المؤثرات ويقاومون بعضها ويعيدون توظيف بعضها الآخر، وليسوا جماعة ساكنة جاء الغرب ليوقظها.
بين البحث العلمي وفوضى الهويات الجاهزة
تعيدنا هذه الدراسة في النهاية إلى السؤال الذي بدأنا منه: ماذا نعني عندما نقول «السريان» أو «الأمة السريانية»، وكيف يمكن الحديث عن الآراميين والسريان والآشوريين والكلدان من دون إسقاط مفاهيم حديثة على عصور قديمة؟ تكمن المشكلة في أن جزءًا من الخطاب العربي المتداول، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض البرامج والبودكاست، يتعامل مع هذه القضايا المعقدة من خلال عبارات حاسمة وسريعة: هذا يقول إن «السريان علّموا العرب الكتابة»، وآخر يقول إن «المسيح كان سريانيًا»، وثالث يتعامل مع الآرامية والسريانية وكأنهما اسمان متطابقان تمامًا في كل الأزمنة، ثم يأتي من يخلط بين الآراميين والأموريين أو بين اللغة والهوية والدولة والحضارة.
المسألة أكثر تعقيدًا من هذه الشعارات. فالآرامية أقدم بكثير من استعمال مصطلح «السريانية» للدلالة على الصيغة الأدبية والثقافية التي نسميها اليوم السريانية الكلاسيكية. وترجع بدايات الآراميين واللغات الآرامية إلى أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، بينما يظهر حضورهم التاريخي بصورة أوضح منذ القرون الأولى من الألف الأول قبل الميلاد. أما السريانية الكلاسيكية فتبلورت انطلاقًا من لهجة آرامية شرقية مرتبطة بالرها وما حولها، ثم ازدهرت أدبيًا في القرون الميلادية الأولى. ولهذا لا يجوز أن نأخذ كلمة «سرياني» بمعناها الحديث ثم نسافر بها ثلاثة ألف سنة إلى الوراء ونضعها على كل ناطق بالآرامية.
والأمر نفسه ينطبق على مفهوم «الأمة». فقد انتشرت الآرامية على مساحة هائلة وأصبحت، بأشكال مختلفة، لغة للتجارة والإدارة والتواصل بين شعوب متعددة، ثم اكتسبت مكانة استثنائية في الإمبراطوريات الكبرى، ولا سيما في العصر الأخميني. لكن انتشار اللغة لا يعني بالضرورة وجود إمبراطورية آرامية واحدة حكمت هذه المساحة. عرف التاريخ ممالك آرامية متعددة ومراكز سياسية وثقافية مهمة، لكن لم تظهر دولة آرامية استعمارية كبرى توحد كل الناطقين بالآرامية على غرار الإمبراطوريات الآشورية أو البابلية أو الأخمينية.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين انتشار اللغة، وامتداد الثقافة، ووجود جماعات بشرية، وقيام دولة أو إمبراطورية .
وتساعدنا دراسة هيلين موريه ـ فان دن بيرغ تحديدًا على فهم خطورة إسقاط المفاهيم الحديثة على الماضي. فحتى تعبير «الأمة السريانية» بمعناه القومي الحديث لم يكن حقيقة ثابتة عبر العصور، لكنه مر بمراحل طويلة من التشكل، وتداخل مع الانتماء الكنسي والمحلي والعائلي والاستعمار، ثم دخل في حوار وصراع مع التسميات الآشورية والآرامية والكلدانية. وهذا وحده يكفي لجعلنا أكثر حذرًا أمام الروايات الشعبية التي تقدم تاريخ آلاف السنين في جملة واحدة.
ربما تأتي بعض هذه الفوضى من الاكتفاء بما يتكرر في المقاطع القصيرة والبرامج الشعبية بدل العودة إلى الدراسات المتخصصة.
والمفارقة أن الإنتاج العلمي حول الآراميين والسريان والآشوريين والكلدان واللغات السامية والمسيحية الشرقية شديد الكثافة والنشاط. فهناك جامعات ومراكز بحثية ومجلات وموسوعات ومؤتمرات دولية تنشر باستمرار دراسات جديدة، كما يكشف كتاب «العالم السرياني» نفسه، وهو عمل جماعي ضخم شارك فيه متخصصون في مجالات متعددة، وكانت الدراسة التي ناقشناها مجرد فصل واحد منه.
ولا يعني ذلك أن كل دراسة غربية صحيحة أو مكتملة أو فوق النقد. لقد وجدنا في هذه الدراسة نفسها نقاطًا تستحق المناقشة، وفي مقدمتها المساحة الكبيرة التي منحتها الباحثة للإرساليات الغربية في تفسير النهضة الحديثة، مقابل حضور أقل لتحليل الاستعمار بكونه قوة سياسية أعادت تشكيل المنطقة وعلاقات جماعاتها. لكن هذه الملاحظات لا تلغي قيمة الدراسة؛ حيث إن القدرة على مناقشتها هي جزء من قيمتها.
فالباحث لا يكتب كي يجد من يصفق له، وإنما يطرح فرضيات ونتائج وينتظر من يختبرها ويناقش مصادرها ويكشف ما أغفلته، وربما يقدم تفسيرًا مختلفًا. ومن دراسة جيدة قد تولد دراسة تعارضها، ومن سؤال صغير قد ينشأ مشروع بحث كامل. هكذا تتقدم المعرفة في الجامعات والمراكز البحثية الحية: بالتراكم والمراجعة والاختلاف، لا بتحويل الباحث أو الكتاب إلى سلطة مقدسة.
وما نفتقده عربيًا في كثير من الأحيان ليس غياب المصادر، بل ضعف الوصول إليها وكسل في ترجمتها وعرضها ومناقشتها خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة. لذلك نسمع أحيانًا بثقة كبيرة الكثير من الادعاء عن «السريان» و«الآراميين» و«الآشوريين» و«الكلدان»، بينما توجد خلف هذه الكلمات مكتبة دولية ضخمة ومتجددة لا تكاد تدخل النقاش الثقافي العربي العام.
والأجدى بدل البحث عن جملة تمنح هذه الجماعة أو تلك مجدًا مطلقًا أن نعود إلى التاريخ كما تكشفه النصوص واللغات والآثار والدراسات المقارنة. فالتاريخ السرياني والآرامي لا يحتاج إلى المبالغة كي يكون عظيمًا؛ إنه أكثر ثراءً وإثارة عندما نراه بتعقيداته الحقيقية. وما تزال الدراسات المتعلقة بالسريان والآراميين والآشوريين والكلدان وغيرهم نشطة بصورة مدهشة، وكلما قرأنا منها أكثر اكتشفنا أن الأسئلة المفتوحة أكبر بكثير من الإجابات السهلة التي تقدمها لنا وسائل التواصل الاجتماعي.
***
حميد عقبي
..................
نبذة عن الباحثة هيلين موريه-فان دن بيرغ
(Heleen Murre-van den Berg)
باحثة هولندية متخصصة في المسيحية الشرقية والدراسات
السريانية وتاريخ كنيسة المشرق والمجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط. اهتمت في أبحاثها بتاريخ اللغة السريانية والآرامية الحديثة، والإرساليات الغربية، وتحولات الهوية السريانية والآشورية، والهجرة والشتات. ولها عدد من الكتب والدراسات المتخصصة التي تجعلها من الأسماء المعروفة في حقل الدراسات السريانية والمسيحية الشرقية المعاصرة.
نُشرت دراستها «الهوية السريانية في العصر الحديث» سنة 2018 ضمن الكتاب الجماعي The Syriac World
«العالم السرياني»، بتحرير دانيال كينغ، في الصفحات 770–782. وصدر الكتاب عن دار روتليدج الأكاديمية في لندن ونيويورك، ضمن مشروع موسوعي واسع شارك فيه عدد كبير من الباحثين المتخصصين في التاريخ واللغة والأدب والكنائس والتراث السرياني.
* رابط سماع مداخلة نقدية عن الكتاب








