قراءة في كتاب
غزلان هاشمي: كتاب "بعد السماء الأخيرة حيوات فلسطينية لإدوارد سعيد كصوت للهامش
يعتبر كتاب "بعد السماء الأخيرة حيوات فلسطينية" لإدوارد سعيد توثيقا لتفاصيل يومية فلسطينية، إذ يروي حكاية وجع، ويقدم توصيفا لوطن لا يمكن الإمساك به إلا عبر ذاكرة تقاوم الغياب والنسيان، ولربما الكتاب هو محاولة لإخراج الفلسطيني من التنميط الجاهز وتخليصه من الإنجاز الخطابي الذي قد يتهم بالتحيز أو التلفيق، وجعله ظاهرة عيانية تشاهد كما تقرأ، وهو ما انعكس في الجمع بين الصورة والسرد، وقد أثنى سعيد على المصور جان مور فقال: "أسلوب مور شفاف: هو يمكننا من رؤية الفلسطينيين في خضم عملية المحافظة على وجودهم، وربما حتى إعادة تقديم أنفسهم خارج القيود المنهكة لوضعهم الحقيقي بشكل عفوي مدهش في قوته... صور مور هنا هي دليل على بيئة فلسطينية متكاملة لا هي رمزية ولا تمثيلية بطريقة وطنية مبتذلة.. "ص179.
بين مترجم الكتاب"أحمد دياب" في مقدمته سبب تأليفه، حيث وضح أن إدوارد سعيد شارك كمستشار للأمم المتحدة في تحضير مؤتمر يختص موضوعه بالقضية الفلسطينية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1983، وقتها قدم اقتراحا يقضي بعرض صور قام بالتقاطها المصور السويسري جان مور توثق الحياة اليومية الفلسطينية بتفاصيلها المختلفة، لكن تم الترحيب بالصور و اشترط عرضها دون شرح أو مسميات تظهر أن من فيها فلسطينيون، المفارقة تمثلت في محاولة محو ذكر الفلسطينيين من مؤتمر يناقش مصيرهم، اجتمع سعيد ومور وشفيق الحوت ونوبار هوفسبيان، واتخذوا قرارا بمقاومة هذا التغييب والإقصاء المتعمد، من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي يعتبر مقاومة سردية.
وقد انبنى الكتاب على سؤال محوري يحمل مفارقة مقلقة على حد تعبير المترجم: "كيف يحضر الفلسطيني بكثافة في الصور والخطاب، ثم يظل غائبا عن الفهم؟ كيف يحضر الفلسطيني ولكن تغيب روايته لذاته وراء روايات الآخرين عنه؟"ص7.
الكتاب قدم الفلسطيني ليس بوصفه ضحية أو مدانا، ولا بوصفة رمزا جامدا، فقد كان بعيدا عن التنميط، لذا قدمه كإنسان بتجارب متعددة وملامح متباينة، أو كما يقول المترجم "نراه في المنفى كما في الداخل، في الضفة الغربية كما في غزة، حاضرا في تفاصيل حياته، لا في الاستعارات الفنية"ص8.
اختار الكاتب والمصور جنس الكولاج الذي يمزج بين النص والصورة، بعد أن وجد سعيد في تجارب سابقة لمور مع بيرجر تصويرا لحياة المهمشين بطريقة صادقة بعيدا عن المأساوية الرومانسية التي تستدر المشاعر، فقد كان هذا الجنس الهجين حسب رأيه قادرا على مقاومة التاريخ الرسمي وتقديم سردية المسحوقين المضادة لسرديات التقدم، من خلاله يتم تصوير حياة الفلسطينيين في المنافي والتعبير عن تنوع حياتهم وثرائها. وقد وضح هدفه في آخر الكتاب بقوله "كان هدفي هنا، مع جان مور، أن أنقل إحساسا عن ماهية عدم اكتمالنا الوطني في الوقت الحالي، وهو إحساس اعتقدت أنه لا يمكن تقديمه إلا من الداخل، بقدر كبير من التعاطف والتشارك. غياب الحسم في هذا الكتاب هو غياب حقيقي: إنه ينبع من المنفى.. "ص201.
يذكر سعيد في مقدمة طبعة 1999 لكتابه أنه كتاب منفى، فهو يجسد حياة الفلسطينيين من منظور ذات بعيدة عن فلسطين، حيث عاد بعد 45 عاما لفلسطين ليجد كل شيء تغير، الأماكن التي صارت مراكز إسرائيلية بشكل كامل، وحتى الفلسطينيين الذين صار الكثير منهم يتحدث العبرية في الوقت الذي لم يهتم الإسرائيليون بتعلم العربية.
وقد صدره ببيت شعر لمحمود درويش الذي وجه له شكرا مع مجموعة أسماء ساعدته في هذا الكتاب، يقول فيه:
إلى أين تذهب بعد الحدود الأخيرة،
أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟".
عن الصورة التي صورها الغرب وعلى رأسهم أمريكا يتحدث سعيد في مقدمة كتابه عن إساءات التمثيل، وعن ذلك التنميط الجاهز الذي يقدم صورة مضللة ومسيئة للآخر الفلسطيني، فيقول: "الصور المستخدمة لتمثيلنا لا تقوم إلا بتقليص واقعنا أكثر. بالنسبة إلى معظم الناس، يظهر الفلسطينيون بشكل أساسي كمقاتلين وإرهابيين ومنبوذين خارجين عن القانون. قل كلمة إرهاب وسرعان ما يبرز أمام عينيك رجل يرتدي كوفية وقناعا ويحمل كلاشنكوفا. إلى حد ما، تم استبدال صورة اللاجئ العاجز البائس بذلك الذي يبعث على التهديد والوعيد كرمز حقيقي لما تعنيه كلمة فلسطيني"25.
والإشكال هنا أن هذه الصورة النمطية مركبة من قبل الإسرائيليين وحتى بعض العرب كذلك، يقول: "إن كنت تبحث عن إرهابي، وبما أن جميع الفلسطينيين الذين عارضوا إسرائيل في لبنان إرهابيون، فإن أي فلسطيني تجده هو إرهابي، إرهابي خالص"ص93.
يذكر سعيد أن موضوع المناقشة المطروح بين الفلسطينيين اليوم يتمثل في الطريقة السيئة التي يعاملون بها، سواء من قبل العرب أو من قبل الإسرائيليين خاصة في مخيمي صبرا وشتيلا، الكتاب يحاول أن ينفي التمثيلات المسيئة للفلسطينيين، وأن يحيط بواقعهم المعقد، وشكل الكتاب الجامع بين الصورة والنص يوافق حالة المنفيين من خلال استخدام أشكال تعبيرية هجينة ومتشظية لتمثيلهم، وقد كان المصور جان مور موافقا هذه الرؤية التي ذكر في مقدمة الكتاب أنها دفعته لهذه المغامرة بعد أن رأى معاناة الفلسطينيين بعين الرائي غير الخاضع لتحيزات الغرب، أو بعين الرائي المتجرد، المعاين حقيقة لا انصياعا.
تحت عنوان"أحوال" يقدم سعيد قراءة في صورة زفاف فلسطينيين لاجئين في دولة عربية، حيث التقطت صورة خارج المدينة الباهتة، يقول: "مفارقة التنقل وانعدام الأمن. أينما نكن نحن الفلسطينيين فإننا خارج فلسطيننا التي لم تعد موجودة. تسافر العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، ترتحل في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين وأستراليا وتجد فلسطينيين مثلك. ومثلك يخضعون لقوانين خاصة وأوضاع قانونية خاصة هي علامات سلطة وعنف من غير أن يكونوا منتمين لها. هم منفيون في الوطن وخارجه"ص34.
والمنفى عنده يتحول إلى سلسلة من الصور الشخصية المبهمة الأسماء، صور صامتة تجردت من سياقها، أو كما يقول: " صور خرساء بلا تفسير وبلا أسماء. أنظر إليها دون معرفة دقيقة بقصصها، ولكن مع ذلك فإن دقتها الواقعية تترك انطباعا أعمق من مجرد ما تفضي عنه من معلومات "ص35.
رصد الكاتب تحولات كثيرة في الوطن العربي، حتى الخلافات التي وقعت بين الدول العربية، وكأن بذاكرة الشتات تصبح قدرا عاما، نفسيا وسياسيا وليس جغرافيا فقط، وهو ما يثقلها بوجع الانفصال الدائم وخطر الاجتثاث واللااستقرار، يقول: "لقد اختفى تماما استقرار الجغرافيا واستمرارية الأرض من حياتي وحياة جميع الفلسطينيين. إذا لم يتم إيقافنا على الحدود، أو اقتيادنا لمخيمات جديدة، أو منعنا من العودة والإقامة، أو منعنا من السفر من مكان إلى آخر، فإنه يتم الاستيلاء على المزيد من أرضنا، والتدخل في حياتنا بشكل تعسفي، ومنع بعض أصواتنا من الوصول إلى بعضها الآخر، وتقييد هويتنا بجزر صغيرة خائفة في بيئة غير مضيافة تطغى عليها القوة العسكرية المتفوقة.. "43.
يذكر سعيد بكثير من الأسى أن الرؤية التي تعتبر الفلسطينيين مشتتين مقطعين بينما سكان إسرائيل مهيمنين يلتزم بها عدد من الدول العربية والدول الأخرى التي تتواجد بها تجمعات فلسطينية كبيرة، من هنا يغدو أي مكان مهجور أو هيكل متروك أو أنقاض الحرب ساحة للعب الأطفال، فالتاريخ الفلسطيني محظور وهو ما يجعل السرديات نادرة، مغيبة، تختفي منها قصص الأصول والبيت والأمة لتصبح سرية محكومة بالاحتجاب، تاريخ فلسطين إذن عندما يظهر ـ حسب قوله ـ"فإنه يظهر مبتورا، غالبا في أقصى درجات التعرج والجموح، مشفرا على الدوام، عادة في أشكال صارخة ـ ملاحم تهكمية، هجائيات، أمثال ساخرة، طقوس عبثية ـ لا يفهمها الغرباء إلا لماما. وهكذا فإن الحياة الفلسطينية مبعثرة ومتقطعة، علاماتها الفارقة هي الترتيبات المصطنعة والمفروضة التي تخلق مساحات محصورة ومشرذمة، وهي الانخلاعات والإيقاعات الناشزة للزمن المضطرب.. كل إقامة هي منفى.. "ص44، 45.
تحت عنوان"دواخل"يشرح سعيد القصد بلفظة "الداخل" وكيف تغير من سياق زمني لآخر فيقول: "إنها تشير، أولا، إلى مناطق داخل إسرائيل، وإلى أناس وأراض لا تزال فلسطينية على الرغم من محظورات الوجود الإسرائيلي. لذلك، وحتى عام 1967، كانت تعني الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل، بعد 1967 توسعت العبارة لتشمل سكان الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان، ومنذ عام 1982 صارت تعني أيضا الفلسطينيين واللبنانيين في جنوب لبنان"ص77، لقد تغيرت قيمة دلالة هذه اللفظة، ففي أوائل السبعينات تم النظر إلى الفلسطينيون الإسرائيليون على أنهم من سلالة خاصة من البشر، إذ كانوا محل شك وريبة من قبل فلسطينيي الشتات أو اللاجئين الذين أقاموا خارج إسرائيل، فختم الكيان على جوازات سفرهم وكذا إتقانهم للعبرية، واعترافهم بإسرائيل وإشارتهم لها كدولة وليس ككيان صهيوني، غيرهم وجعلهم مختلفين عن العرب داخل الوطن العربي المسكونين بهاجس الانتصارات القومية وكل مآسيها، يقول: "كنا نحيا حياة مستقلة عن الإمبريالية والصهيونية. كانوا مختلفين عنا بما يعني الاختلاف من ازدراء للآخر. هم الآن مازالوا مختلفين، لكنهم أصحاب امتياز. يحتفى بأهل الداخل باعتبارهم فلسطينيين موجودين على الأرض بالفعل.. "ص77.
هذا ما يخلق اختلافا في الرؤى وحتى في مفهوم العودة، إذ تتحول من سعي سياسي من أجل تقرير المصير لدى الفلسطينيين إلى دلالة تنبني على التغاير، فتنحو عند البعض منحى آخرا، ليصبح معناها العودة إلى دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بينما تعني للبعض الآخر العودة إلى فلسطين كلها"79.
تحت عنوان "انبثاق"تحدث عن كيفية تأسيس دولة لليهود من قبل هذا الكيان اللقيط، وكيف تم النظر إلى الصهاينة كرواد أوائل أو كآباء مؤسسين، وعن محاولات صهينة فلسطين، ثم ختمه ختمه بطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الذات ووجودها دون شعارات قومية أو نماذج ثورية غيرية، فيقول: "يجب أن ننظر إلى شبابنا، الذين لأنهم ولدوا بعد عام 1948 من دون بلد، لا يجسدون مصيرا فلسطينيا بسيطا، وإنما يقفون عادة عند نقطة التقاء، مهما كانت غريبة، بين القديم والجديد، العربي وغير العربي، التقليدي وغير المألوف. عندها تصبح الأسئلة الكبرى: أي أجزاء من هويتنا وتاريخنا ينبغي الحفاظ عليها، وأي أجزاء ينبغي التخلي عنها، في سبيل تحقيق جدلية بين الذات والآخرين تكون أكثر قابلية للتطبيق؟ وهل يمكن لهذه المعرفة أن تربط ماضينا ومستقبلنا بشكل نشط وخلاق، أم أننا سنسمح بشكل قدري للقوانين الدنيوية والمقدسة بأن تعمل عملها في توجيه تاريخنا؟"ص157.
ضمن عنوان"ماض ومستقبل"بين سعيد أن الفلسطيني شخص في حالة عبور دائم، غير ثابت متأهب للرحيل أينما حل، يحمل حقيبته أو حزمة فقط من مملكاته في يده، كل عائلة إذن تتخلى عن أراضيها لآخرين، وكم يقول: "حتى عند عبور حدود جديدة، وخلق فرص جديدة، وإقامة حقائق جديدة. يمكن للمرء أن يحاجج أننا قابلون للتنقل والتكيف أكثر مما ينبغي"ص163.
وجد سعيد أن هناك ارتباط وثيق بين فكرة إسرائيل وأمريكا من وجهة نظر إلياس صنبر، حيث تتوحد رؤيتهما حول تدمير السكان الأصليين للأرض بعد الادعاء بأنها فارغة وتحتج لمن يعمرها، يقول: "يبدو الأمر كما لو أن فلسطين كانت موقعا جغرافيا مبهما أخلي من سكان أصليين مجهولي الهوية، إلى أن حن عليها الأمريكيون وملؤوها بصهاينة جديرين بها"ص166، وقد سمى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري هذا الفعل بالاحتلال الإحلالي، حيث جزم أن فعل الإخلاء بعد الإبادة الكلية من أجل إحلال شعب آخر بدل السكان الأصليين أو الاستيطان قد تم في ثلاثة دول: أمريكا وفلسطين والجزائر إبان الاحتلال الفرنسي.
بين سعيد الأساس المتهاوي لخطاب حقوق الإنسان وتلك الازدواجية والتناقض بين الشعارات والفعل، فوضح كيف تم تهميشهم رغم أن إسرائيل أقيمت بدعوى تعويض اليهود على كل أشكال التهميش والقهر الذي تعرضوا له زمن المحرقة، هذا وعرض الصور النمطية التي تحمل تحيزا إيديولوجيا واضحا من خلال تركيب صورة مزدوجة عن الفلسطينيين الإرهابيين والإسرائيليين الخيرين، يقول: "عندما نسمع الإرهاب يناقش كظاهرة عالمية، كما هي الحال كل يوم، فإنه يحق لي أن أظن أن التلميح إلى تورط الفلسطينيين هو كامن دائما بين السطور، وأن إسرائيل تتخذ مكانها إلى جانب الخير"ص172.
لقد انشغل سعيد بصورة الأنا التي ركبها الآخر الغربي، وكيف تضمر تحيزا كبيرا لإسرائيل، هي صورة يتقصد من خلاله تسويغ الاستيطان، حيث يتم شيطنة الفلسطينيين واتهامهم بعرقلة كل محاولات السلام، ومن خلال هذا التنميط يصبحون الطرف الأضعف داخل الصراع العربي الإسرائيلي، بل "الجانب المتصلب والمبالغ في مطالبه. وبما أننا ضعفاء، تطلب منا مقدما أكبر التنازلات.. نحن ضحايا عملية تدمير لمجتمعنا لما تتوقف منذ أن بدأت، ونحن أهداف متكررة لنوايا إبادة جماعية، ويتوقعون منا ألا نقاوم وأن نصغر خانعين، بالإضافة إلى ذلك، يلقون علينا المواعظ حول الحاجة إلى نبذ العنف، والحاجة إلى التوقف عن الإصرار على اختيار ممثلينا بأنفسنا، والحاجة إلى التخلي عن رغبتنا في إقامة دولة مستقلة خاصة بنا، والحاجة إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية من أجل السلام. وفي الوقت نفسه، تزود أمريكا عدونا بكل شيء وترفض إدانة إجراءات إسرائيل الصارخة في مخالفتها للقوانين ضدنا مثل استخدام الأسلحة الأمريكية.. ”ص196.
هذا ويعتبر أن أفضل طريقة لفهمهم من قبل أنفسهم ومن قبل الغرباء اعتبارهم معادلا رياضيا أو فوتوغرافيا دقيقا لما عايشوه، يقول: "فإن أصدق تجل لحقيقتنا الصرف، في الواقع، هو الطريقة التي نقطع بها المسافة من مكان إلى آخر. نحن مهاجرون وربما نكون مزيجا هجينا في أي موقف نجد أنفسنا فيه، ولكنها ليست هجانة بين المواقف المختلفة. هذه هي أعمق استمرارية لحياتنا كأمة تعيش في المنفى وكأمة دائمة الترحال.. "ص200.
هذا الكتاب هو اختبار للقارئ أيضا حسب رأي سعيد، فالفلسطينيون ليسوا مجرد موضوع للآخرين، بل يمتحنون الآخرين ويحاكمونهم ويقيمونهم، حتى لا يسمحون لأن ينظر إلى الفشل أنه من صنع أيديهم وحدهم وبأنه نصيبهم فقط.
ينهي سعيد الكتاب بملحق عنوانه "سقوط بيروت"، يبين فيه التحولات الحاصلة في لبنان ويصور التعاسات الماثلة داخلها، يقول: "يمكنني بشكل عام أن أغامر بتقديم رد بالنيابة عن المنفيين أمثالي ـ الفلسطينيين الذين وفرت لهم بيروت وطنا بديلا. مهما أمعنا في الحديث عن الفساد والسطحية والعنف اللبناني، فإننا نشعر الآن خارجها بأننا أصبحنا للأسف في العراء. كانت عبقرية بيروت هي أنها استجابت على الفور لاحتياجاتنا كعرب في عالم عربي صار استبداديا ورتيبا وباهتا بشكل لا يطاق. لبضع سنوات، كان يمكن للمرء، في بيروت، أن يحترق بلهب متوهج متقد كحجر كريم، حتى رذيلة المدينة وفجورها كان لهما تألق لا يمكنك رؤيته في أي مكان آخر. الشيء الوحيد الذي لم تقدمه لنا بيروت المعاصرة هو القدرة على الاستمرارية، أو ما يكفي من مشاعر الاهتمام بالأسس الهشة التي غطت عليها ضيافتها المبهرة. العزاء الرئيسي في هذه الأوقات المظلمة هو الشعور بأنه كما نهضت بيروت ذات مرة من غياهب الغموض، يمكنها أن تظهر مرة أخرى من بين دمارها الكارثي، ومعها مواطنون أكثر حنوا وثباتا.. "ص212.
يمكن أن نعتبر الكتاب صوتا للهامش والمقصي، أو يمكن أن نعده احتجاجا انبني على انفلاتات خطابية، وتعاليا عن التأريخ السطحي، حيث التشظي ليس قدرا للمعنى فقط وإنما لهوية سردية فارقت المألوف، لتعبر عن ثوريتها الخاصة بعيدا عن المركزيات بكل أشكالها: ثقافية وسردية وتاريخية...
***
د. غزلان هاشمي ـ جامعة سوق أهراس ـ الجزائر







