قراءة في كتاب
ليلى تبّاني: هناك إنسان يتألّم.. قِراءةٌ في كتاب "العَقْلُ والحَنَانُ" لسَعيد ناشيد
تعدّ كتابات المفكّر الباحث "سعيد ناشيد" إبداعات فكرية وفلسفية تجديدية براغماتية، تصبّ في النهاية في مصبّ واحد غايته الأسمى: كيف نجعل من الفلسفة علاجا وشفاء لأسقام البشر؟ يقدّم لنا ناشيد في مؤلّفه القيّم الجديد "العقل والحنان" بعنوانه الفرعي "محاكمة فلسفية للحبّ" ـــــ تجربة فكرية متفرّدة، تجمع بين التأمّل الفلسفي والكتابة الأدبية والمحاكمة الرمزية، في محاولة لإعادة تعريف الحبّ خارج الصور الرومانسية المتداولة وخارج المقاربات النفسية السطحية. إنّه كتاب يضع الحبّ في قلب سؤال المعنى، ويعيد إليه مكانته الأخلاقية والكونية، من خلال المزج بين العقل الذي يمنح الوضوح، والحنان الذي يمنح الجذور. ومنذ الصفحة الأولى، يفتتح كتابه بتحديد إطار الفلسفة بوصفها فلسفة إصغاء للألم الإنساني قبل أن تكون بحثا في التجريدات، فيزحزحها من مجال الميتافيزيقا إلى مجال العناية، التي ستعود لاحقا كمفهوم محوري. لتصبح الفلسفة بهذا ملاذا ومنهجا للحنان والرفق، بسلاسة العارف يضع القارئ مباشرة في قلب أطروحته من خلال تسليط الضوء على الحبّ كمجال اختبار إنساني للفكر ذاته، وأكثر الجدليات الإنسانية طرحا وأقواها ديمومة، فيقول: "الحب ليس ترفا وجدانيا، بل فنّ عملي يقلّل قسوة العالم".
يعلن المؤلف انحيازه الواضح إلى الفلسفة بما هي إصغاء إلى الألم الإنساني قبل أن تكون بحثا في التجريدات. " الفلسفة ليست بحثا عن الحقيقة… بل هي الإصغاء إلى النداء الذي يتردّد في هذه العبارة: هناك إنسان يتألم ". فيبرز منذ الوهلة الأولى كيف تتحدد مهمّتا الفكر والعاطفة، ليس لينتزعا من العالم أسراره، بل ليخفّفا شيئا من قسوته.
يبدأ ناشيد الفصل الأوّل بمشهد مسرحي فلسفي ذكيّ، يخنزل الاتهام كفضح للأسطورة التي انحصرت مزاعمها بأنّ الحب قوة مقدّسة وعمياء، فيظهر فيه الحبّ متَّهَم بمحكمة المشاعر، وتصبّ عليه اتهامات النيابة العامة، بكونه مخدّر قوي يقود الناس إلى الوهم بدل الفهم، فتتّهمه بالجرائم الأخلاقية والوجدانية التي تسبب بها عبر التاريخ من قلق، توتر، جراح نفسية، انتحار، جنون عاطفي وخيبات متراكمة. وهو بهذا الإطار لا يرمي إلى مجرد حبكة فنيّة، بقدر ما يرمي إلى مهمّة فلسفية يريد من خلالها زعزعة التصورات الساذجة عن الحب، ويعيد بناءه كقيمة إنسانية ناضجة.
يتقدّم الحبّ إلى منصة الاتهام. ليس لأنّه مذنب، بل لأنّ البشر حمّلوه ما لا يحتمل. فيذكّرنا ناشيد بأنّنا غالبا ما نتّهم الحبّ بأنّه سبب شقائنا، بينما الحقيقة أنّنا نستخدمه للهروب من شقائنا الداخلي. فيورد اعترافا صريحا: "كم تستخدمون الحبّ للهروب من شقاء أنفسكم ثم تتّهمونه بأنّه سبب بؤسكم"، لينقلب منظور القراءة، على أنّ الحب ليس خلاصا جاهزا، وليس وعدا بالسعادة، بل امتحان للحرية الداخلية. وهو إذ يقحم عبارات الشقاء والبؤس والاتهام، إنّما يرمى بكلامه بأنّ الخوف من الحب لا يعود إلى الحب ذاته، بل إلى خوفنا من أن نكون مسؤولين عن مشاعرنا وقابلين للانكسار. ويبلغ الفصل ذروته حين يقول: "معنى أن تحب أن تتخلى عن أمانك… أن تمشي كالمسرنم لأنّك رأيت نورا لم يره سواك ". كأنّه بقوله يستجلي مغامرة الحبّ، باعتبارها مخاطرة وجودية لا يُقدم عليها إلا من يملك شجاعة خلع درعه الداخلي. فينتصر إذا أدرك بأنّ الحبّ حدث وجودي مفصلي ضدّ التفاهة واختزال العلاقات، وثورة ناعمة ضد القسوة، إعلان حرب فلسفية على الحب الساذج، ومرافعة عقلانية ضد الابتذال العاطفي، وتأسيس لفكرة أن الحب أخلاق ومسؤولية وعناية، كما أنّه فضح للوهم الرومانسي الذي يحكم حياتنا الحديثة، وعودة إلى جوهر إنساني عميق يعيش بمدأ الحنان، ويؤمن بأنّ "الحب يوجع حين يكون خرافة / ويشفي حين يصبح فضيلة ".
أما الفصل الثاني " مرافعات الدفاع "، حيث تستدعى شخصيات فلسفية وروحية من عصور مختلفة للدفاع عن الحبّ، بعد أن وُجّهت له اتهامات ثقيلة الفصل الأوّل، تصل المرافعات إلى أنّ الحبّ ليس مذنبا، بل البشر هم الذين يمارسونه بطريقة سيّئة، وإذا وقفنا عند عتبة تاريخ الفكر البشري، وجدنا الفلاسفة يبرّئونه، فالحبّ الافلاطوني ارتقاء، والرواقي تهذيب، ويراه ابن عربي نور، ويعتبره سبينوزا قوّة، ويصنّفه كانط ضمن الأخلاق، أمّا كيركارد فيعدّه حرية، كما يراه هيجل وحدة خلاّقة، لنخلص مع الكاتب إلى أنّ الحب هو تلك التوليفة التي نبنيها بوعي، فنجعل منها فضيلة نصنعها بالعقل، ونهذّبها بالحنان ونطوّرها بالحرية، في ذات الفصل يدافع العلم عن نفسه أمام قلق العصر. يطرح المؤلف سؤالا جديدا، ماذا لو صارت الآلات قادرة على محاكاة الحنان؟ هل سيبقى الإنسان محتاجا إلى الحب؟. يقرّ ناشيد بصرامة غير مسبوقة: "عندما تصبح الروبوتات قادرة على تقديم المتعة دون شروط… فإنها تهدّد الحق الحميمي للإنسان في أن يحب بوصفه كائنا ناقصا ". هنا يقدّم الكاتب واحدة من أهم أطروحاته تجعل عظمة الحب تكمن في عيوبه، في هشاشته، في كونه لقاء بين كائنين غير مكتملين. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على تقليد كل شيء تقريبا، فإنّه أعجز عن تقليد النقص البشري، هذا النقص الذي يجعل الحب ضروريا وغير قابل للاستبدال.
يحضر الفلاسفة إلى قاعة المحكمة ــــ كفصل ثالث ــــ يدخلون بلا صخب، وتمثلهم شخصية مجازية اسمها "محبّة الحكمة". تتقدّم الفلسفة لتقول إنّ الحبّ لا يمكن أن يفهم دون العقل، وإن العاطفة وحدها لا تبني علاقة صلبة. هنا يقدّم ناشيد الصورة التشبيهية الأقوى في الكتاب، حين يشبّه الحب بشجرة جذورها في الحنان وأغصانها في العقل. فيقول: " الحنان هو التربة التي تمنح الحب جذوره… أما العقل فهو الهواء الذي يمد الشجرة بأفقها ". عبارة تفضي إلى القول بأنّ حبّا بلا جذور يذبل سريعا، وحبّا بلا عقل يشتعل كالنار وينطفئ، أما الحب الناضج فهو ذاك الذي يجمع بين لغة الأمومة الكونية ولغة التبصّر. فينتفي مفهوم الحبّ الذي يوصف بأنّه حالة وجدانية فورية، ويتأسّس مفهومه الصحيح بأنّه بناء يتطلّب يقظة، وتهذيبا للمشاعر، وحماية من فوضى اللاوعي.
في الفصل الرابع، يتكلم الحب نفسه. يتحدّث لا كمنتصر ولا كضحية، بل ككائن هشّ أنهكته توقعات البشر. يقول: "ذنبي الوحيد أنّني لم أستطع أن أدفع عنكم العذاب كما كنتم تتوقعون ". فالحبّ لا يعد بالأمان، ولا يملك عصا سحرية لإلغاء الفقد والموت، لكنّه يمنح معنى للعالم. وهو، رغم هشاشته، مرن بما يكفي ليحمل البشر إلى الأعالي حين ينضجون ويكونون قادرين على احتماله. هنا يتجلىّ الكتاب في أعمق لحظاته، حين يضع الحب أمام القارئ كمسؤولية، لا كحلم. يتوسع الكتاب في ترويض البشر على الحب. ليصفه ناشيد بأنّه " فنّ يحتاج إلى تدريب، وأنّه لا يُولد مكتملا، بل ينمو في التفاصيل اليومية، في الاعتذار، في الصبر، في الإصغاء: "الحبّ ليس حدثا انفعاليا، بل تمارين روحية ". تمتدّ أفكار الكاتب إلى الطفولة، البذور الأول لميلاد مشاعر الحبّ، فيسند مهمّة التهذيب إلى تربية الطفل باللّعب، إذ يعتبر هو مختبر الحب الأول، والحكاية هي مجال زرع الرحمة، فتربية الأطفال على الحنان والحب، ليست رفاهية تربويّة، بل تأسيس لعالم أقل قسوة.
وفي الصفحات الأخيرة، يفتح ناشيد الكتاب على أفق كوني، حين يربط الحب بالسؤال الوجودي الأعمق: لماذا نحن هنا في هذا الكون اللامتناهي؟ يكتب: "عزلتنا ليست نقصا في ضجيج الكون، بل فائضا في المسؤولية" . وبمنطق الحكمة والغاية الأسمى، يصبح الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين، بل موقفا إتيقيا في الحياة نفسها، ضمن هشاشة البشر، وتجاه الكائنات التي نتقاسم معها المصير.
هكذا يقدّم كتاب"العقل والحنان" رؤية فلسفية متكاملة تضبط مفهوم الحبّ على أنّه ليس تملّكا ولا اندفاعا رومانسيا، ولا مجرّد رغبة، بل مقام أخلاقي وروحي يجمع بين عمق الحنان وصفاء العقل، بين الأرض والهواء، بين الحاجة إلى الآخر والحفاظ على حرية. إنه كتاب يذكّر القارئ بالآلية والغائية من الحبّ كقيمة كونية عالية، تعلّمنا كيف نعيش ولماذا نعيش.
***
ليلى تبّاني ــــ الجزائر






