عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد غاني: جذوة الاضطرار.. حين يجيب الحق عبده قبل أن يتم سؤاله

قال الله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾ [النمل: 62]

اعتاد القارئ أن يضع هذه الآية في باب الدعاء وكشف الكرب، وهو فهم صحيح لا غبار عليه، فكم من مكروب فرج عنه، وكم من ضائق وسع عليه. غير أن في الآية جذوة أخرى لا تنطفئ بمرور القرون، وهي أن الاضطرار حال وجودية تسقط فيها دعاوى النفس وتنكشف فيها الحقيقة العارية للعبد، فإذا صدق القلب في هذه الحال لم يجب بقضاء حاجته فحسب، بل أجيب بفهم ونور وقبس. فالجواب الأعلى ليس دائما أن يتغير ما حولك، بل أن يتغير ما في قلبك فترى ما كنت لا تراه.

المضطر: من انقطعت به الأسباب

جاء لفظ المضطر معرفا بالألف واللام، كأن الآية تشير إلى حقيقة الاضطرار لا إلى عارض منه. والمضطر من ألجأته الحال إلى باب لا يملك سواه، فتجرد من حوله وقوته، وبقي له الله. وفي هذا التجرد يكمن سر الإجابة، لأن القلب المملوء بالأسباب لا يتسع لما يرد عليه من فضل، فإذا فرغ منها امتلأ بما هو أعلى.

ثم قال تعالى: ﴿ويكشف السوء﴾، والسوء أوسع من الضر الظاهر، فمنه سوء الجهل وسوء الغفلة وسوء الحجاب، وهو كله مما يكشفه الله عمن اضطر إليه. ثم ختمت الآية بقوله: ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن الاستخلاف يأتي بعد الافتقار، فمن عرف فقره إلى ربه صار أهلا لحمل الأمانة، ومن ادعى الغنى حجب عن الاستخلاف الحقيقي.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسورة الحاقة

يروى في سيرة إسلام عمر رضي الله عنه، فيما أخرجه الإمام أحمد في المسند وإن تكلم أهل الحديث في إسناده، أنه خرج قبل إسلامه شديد العداوة للمسلمين، فتبع النبي صلى الله عليه وسلم ليلا ليرى ما يصنع، فوجده قد سبقه إلى المسجد الحرام يصلي ويجهر بالقراءة. ونورد الخبر هنا مورد الاعتبار والتأمل، لا مورد الاحتجاج في الأحكام.

وقف عمر يستمع إلى عذوبة القرآن ونظمه، فقال في نفسه: والله إن هذا لشاعر كما قالت قريش. فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ [الحاقة: 41]

فصعق عمر وقال في نفسه: إذن فهو كاهن يقرأ ما في نفسي. فأتبعها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:

﴿ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين﴾ [الحاقة: 42-43]

قال عمر واصفا تلك اللحظة: فوقع الإسلام في قلبي.

في هذا المشهد دروس لمن تأمل. فعمر لم يرفع يديه بدعاء، ولم يكن في صورة المضطر الداعي، بل كان خصما يتربص. لكن فطرته كانت حية تحت ركام العداوة، فكان في داخله سؤال صادق يبحث عن جواب. وحين خطر الخاطر جاء الجواب مطابقا له في موضعه، فكأن الآيات تلتقي بالخواطر وتجيب عما في الصدور قبل أن ينطق به اللسان. وتأمل كيف صنع الخطاب القرآني: إنه ينفي أن يكون الكلام صادرا عن شاعر، وينفي أن يكون صادرا عن كاهن، ثم يرد الأمر إلى أصله: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾. فكل خاطر ينسب الخطاب إلى مخلوق يعيده القرآن إلى مصدره الأول. وتلك صنعة التربية العليا: أن ترد الأشياء كلها إلى الله.

ولاحظ كذلك لفظ عمر: وقع الإسلام في قلبي. والوقوع نزول شيء ثابت في موضعه. فالإسلام هنا لم يكن نتيجة جدال طويل، بل كان فتحا قلبيا جاء حين استعد القلب للتلقي. وسورة الحاقة نفسها، واسمها يدل على الحقيقة الثابتة التي لا مفر منها، كانت الباب الذي دخل منه الحق إلى قلب الفاروق.

موسى عليه السلام: النار والقبس

ومن اضطر اضطرارا إلى الحضرة الإلهية ولم يدر، موسى عليه السلام حين اتجه نحو طور سيناء. فقد ذكر المفسرون أنه ضل الطريق في ليلة باردة مظلمة، وكانت معه أهله في حال شديدة، فهو رجل اجتمعت عليه ضرورات الطريق والبرد والظلمة والمسؤولية. فرأى نارا، فقال لأهله:

﴿امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى﴾ [طه: 10]

طلب موسى شيئا صغيرا من هذه الدنيا، قبسا يدفئ به أهله أو يدله على الطريق. ولفظ الإيناس يدل على أنس بعد وحشة، فالقلب الذي تعب في الظلمة يأنس بأقل بصيص. غير أن العطاء جاء أعظم من الطلب بما لا يقاس:

﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ [طه: 11-12]

ذهب يطلب قبسا فجاءه النداء، وسعى إلى نار فوجد نورا، وقد كان يرجو أن يجد على النار هدى فإذا الهدى قد وجده الله له. وفي هذا قاعدة من قواعد السلوك: أن العبد يطلب ما يظنه حاجته فيعطى ما هو حقيقة حاجته.

وللنداء أمر بخلع النعلين، وقد ذكر أهل الإشارة في ذلك وجوها على سبيل الاعتبار، لا على وجه التفسير الذي يلزم أو ينقض ظاهر الآية، منها أن القلب إذا أقبل على ربه خلع عنه ما يحمله من أثقال الاعتماد على الأسباب والعلوم والأحوال، وجاء حاضرا خفيفا عاريا من دعاويه. وأما الوادي المقدس فليس الوادي بذاته هو أصل القداسة، بل هي قداسة لحظة الإقبال والنداء. وبهذا المعنى يصير كل موقف من مواقف الحياة واديا مقدسا لمن أقبل عليه بقلب حاضر.

السبورة الكونية والتعلم الذي لا ينقطع

إذا جمعنا بين مشهد عمر ومشهد موسى ظهر لنا معنى عميق: عمر خطر له خاطر فجاءه الجواب في صلاة نبي، وموسى رأى نارا فجاءه النداء في الوادي. وفي الحالين كان ثمة كتاب مفتوح أمام عين القلب، وكان ثمة معلم يعلم من وراء الحجاب.

وكل مسلم من يوم ولادته إلى يوم وفاته قائم أمام سبورة كونية كبرى، لا تمسح ولا تطوى. تكتب عليها الأيام مواقفها: مرض وعافية، وفقد ولقاء، وضيق ورزق، وخذلان ووفاء، وفرح وانكسار. وكل موقف منها كلمة تحتاج إلى قراءة، وكل قراءة صادقة تفتح بابا من أبواب المعرفة بالله. وقد قال تعالى:

﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: 53]

فالآيات لا تتوقف عن الظهور، والتعليم لا ينقطع. ويحسن هنا أن نضبط العبارة بما يليق: فقد انقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وختمت النبوة، وتم التشريع، ولا يقبل في ذلك زيادة ولا نقصان. لكن لم ينقطع التعليم الرباني للقلوب التي تتقي، من فهم يفتح ونور يقذف وتذكير يرد وفرقان يجعل، كما قال تعالى:

﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: 282]

﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ [الأنفال: 29]

وما يرد على القلب من هذه الفهوم يعرض دائما على ميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل وانتفع به صاحبه في خاصة نفسه، وما خالفهما رد على صاحبه. وبهذا الضبط يبقى باب التلقي مفتوحا دون أن يختلط بالأوهام، ويبقى الذوق في خدمة الشرع لا في منازعته.

حفظ الفطرة شرط الاستقبال

كيف يحافظ المسلم على استعداده لهذا التلقي؟ بحفظ الفطرة التي قال فيها الله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: 30]. فالقلب مرآة خلقت صافية، وما يعتريها من غبار الذنوب والغفلة والتعلق بالأغيار يحجب صورة الحقائق عنها. وعمر رضي الله عنه نفسه كان ذا فطرة قوية، فلما كشف الله عنها غبار العداوة بدت صافية وتلقت الجواب في لحظة.

وحفظ الفطرة يكون بأسباب معروفة عند أهل الله: إقامة الصلاة بحضور، وملازمة الذكر، والاستغفار الصادق، وقلة الفضول في الكلام والنظر، وصحبة أهل الصدق، وتعظيم الأوامر والنواهي. ومن حافظ على ذلك أخذ في الترقي، فلا يقف عند حال، لأن باب المزيد مفتوح، وقد أمر الله نبيه بقوله: ﴿وقل رب زدني علما﴾ [طه: 114]، وقال سبحانه: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: 17].

المواقف: مدرسة الألم ومداواة الجراح

ومن أعلام العارفين الذين بنوا مصنفا على هذا المعنى النفري، محمد بن عبد الجبار، من أهل القرن الرابع الهجري، في كتابه المعروف بالمواقف والمخاطبات. فمدار الكتاب على فكرة الموقف، وهي أن يوقف العبد في حال من الأحوال فيتلقى فيها معنى لا يتلقاه في غيرها. وهو كتاب ذوق وإشارة، يقرأ بميزان وبرفق، ويؤخذ منه المعنى الذي يهذب القلب لا الظاهر الذي قد يلتبس على غير أهله. غير أن أصل الفكرة صحيح في الجملة: أن الحياة كلها مواقف، وأن كل موقف يحمل خطابا لمن أحسن الاستماع.

وهنا يظهر البعد العلاجي لهذا الفهم. فالإنسان تعتريه الجراح: فقد حبيب، وظلم قريب، وخيبة أمل، وسقم في البدن أو في النفس. فإذا قرأ جرحه بوصفه عقوبة مجردة أو عبثا بلا معنى، تعمق جرحه واتسع. أما إذا قرأه بوصفه موقفا من مواقف التعليم، وسأل: ما الذي يريد الله أن يعرفني به في هذه الحال؟ فإن القلب ينفتح على فهم عن الله يغسل الألم ويحوله إلى معرفة، فيصير الجرح بابا، وتصير الشدة مدرسة. وهذا هو العلاج الذاتي الذي تحدثنا عنه: أن تتلقى في كل موقف معنى ربانيا يرمم ما انكسر. وقد قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: 82]، وقال: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: 28]. ولا يغني هذا عن الطب والاستشارة المختصة حين تدعو الحاجة إليهما، فالتداوي بالمعاني مكمل للأخذ بالأسباب لا بديل عنها.

التصوف وأبيات العارفين والموسيقى الأندلسية

هنا تبرز قيمة التصوف، بوصفه علما وعملا في تزكية النفس وتربية القلب على الإحسان، الذي عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه. وقد قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: 9]. والتصوف في أصله مدرسة تعلم الإنسان كيف يقرأ المواقف، وكيف يحفظ الفطرة، وكيف يتلقى عن الله في كل حال، مع الأدب والاعتدال والتمسك بالشرع.

وقد عبر العارفون عن أذواقهم في أبيات تختزل الحال في كلمات قليلة، فيها رقة الإشارة وصدق التجربة، كأبيات الششتري وغيره من شعراء السماع والمديح الذين غنى بهم المغاربة قرونا. وهذه الأبيات ليست زينة أدبية، بل هي خلاصة مواقف عاشها أصحابها، فإذا سمعها القلب العطشان وجد فيها مرآة لحاله ودواء لسقمه.

ومن عبقرية الثقافة المغربية أن الموسيقى الأندلسية، بنوباتها وطبوعها وميازينها، جعلت من هذه الأبيات مادة لقصائدها. فالنوبة الواحدة تبدأ بميزان البسيط الوقور البطيء، ثم تتدرج في الميازين حتى تبلغ القدام الخفيف السريع، وكأن النفس تصعد درجة بعد درجة، من ثقل الغفلة إلى خفة الحضور. وتنتقل الطبوع بالمنصت من حال إلى حال، فيسكن ما اضطرب ويلين ما قسا. وحين يلتقي لحن هذه الموسيقى ببيت من أبيات العارفين، في مجلس يحفه الأدب وحضور القلب، يتحول الإنصات إلى عبادة وعلاج، ويرتقي المنصت وقد جاء بقلب عطشان إلى نبع لا ينضب.

ومن الأبيات التي تصلح أن تؤدى في مثل هذه المجالس، وتبين ما قلناه، ثلاثة أبيات نقف عندها. الأول قول الشاعر:

هذا المحبوب إذا أرضى يرضى كل شيء

فرضا المحبوب يغني المضطر عن كل ما سواه. وإذا رضي الله عن عبده أرضاه بما أعطى وبما منع، وسكن قلبه إلى حكمته، كما قال تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [البينة: 8]. وهذا هو الجواب الأخير لمن اضطر ودعا: أن يجد في قلبه رضا يسع كل شيء، فيتحول الاضطرار إلى طمأنينة.

والبيت الثاني قول الشاعر في ذكر الله:

شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني أنا الشارب المشروب

وفيه إشارة إلى أن الذكر علاج ذاتي يستخرج مفعوله من باطنك أيها الإنسان. فالشراب الذي يرويك لا يأتيك من خارجك، بل هو سر أودعه الله في قلبك، فإذا ذكرت الله انفتحت عين ذلك الينبوع الداخلي، وارتويت من معدن فطرتك، ومن هناك تأتي السكينة والشفاء بإذن الله. وهذه من عبارات السكر عند أهل الله، تفهم في ضوء الفناء عن رؤية الأغيار في شهود الحق، مع بقاء التنزيه قائما، فلا اتحاد بين الخالق والمخلوق، والعبد عبد والرب رب. وقد قال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: 21].

والبيت الثالث قول الشاعر في مناجاة الله تعالى:

وتبكيهم عيني وهم في سوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

وفيه مناجاة لطيفة وعتاب رقيق: يبكي العبد على من يظنه بعيدا، وهو أقرب إليه من سواد عينه ومن ضلوعه. فالإنسان يبحث عن ربه في الآفاق والجهات كأنه بعيد، والله في بؤبؤ عين روحه، وهو تائه عنه. وليس هذا قربا مكانيا ولا حلولا، فالله منزه عن المكان، وإنما هو قرب العلم والإحاطة والعناية، كما قال تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: 16]، وقال: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: 4]. فالغربة غربة الغافل، والنوى نوى المحجوب، فإذا رفع الحجاب عاد الباحث إلى ما لم يفارقه قط.

خاتمة

تلك هي الجذوة التي نقتبسها من قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾. فالمضطر لا يجاب في حاجته فقط، بل يجاب في قلبه. أجيب عمر بآيات تنزل على خاطره، وأجيب موسى بنداء من شجرة في الوادي المقدس، ويجاب كل عبد صادق بفهم يفتح عليه في موقف من مواقف عمره. فمن حفظ فطرته وأحسن الإنصات، وجد أن الحياة كلها حضرة تعليم، وأن كل ضيق فيها باب، وكل باب كلمة، وكل كلمة قبس من نار الطور.

﴿أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾

***

د. محمد غاني، كاتب، المغرب

في المثقف اليوم