منذ مدة، وبعد العدوان الإسرائيلي- الأمريكي على إيران، اتسعت في المشهد العراقي تجاذبات حادة وحرجة. رأت شريحة من المجتمع أنّ المصالح الوطنية العراقية يجب أن تتقدم على أي موقف ديني- عقائدي آخر، وأن مصلحة البلد ومكتسباته أهم من أي دافع إيماني، بينما رأت شريحة أخرى أنّ الرؤية الإيمانية- الأخلاقية تسبق حدود الجغرافيا. وهكذا انقسم الناس (بمختلف مللهم وأذواقهم وو) بين من ينتصر للأرض المطوّقة بهوية البلد، ومن ينتصر للعقيدة. وهذه المقالة هي محاولة للنظر في المسألة من زاوية أخرى؛ فالتراب وطينه يمثلان الوجدان والثقافة، ولا خلاف في ذلك، لكن ثمة مفهومًا أعلى وأكثر قيمية منهما هو الحقانية والإنسانية.
ولكي نتأمل في ذلك لا بد من أن ندرك أولًا أنّ الوطنية ليست فكرة بريئة كما تبدو في الخطب والأناشيد والأهازيج. إنها تمنح الإنسان وتضفي عليه شعورًا دافئًا بأنه ينتمي إلى مكان لكنها قد تسلبه في الوقت نفسه حريته الأخلاقية. فالوطن، بما فيه من ذاكرة ولغة وجغرافيا ووجدان ومصير مشترك، حاجة حقيقية، فالإنسان لا يولد كائنًا مجردًا ينشئ قيمه من العدم، إنه يُلقى في عالم مأهول بلغة سبقته وأعراف شكلت حدوس الخير والشر في وعيه قبل أن يتمكن من مساءلتها. وبهذا تكون الوطنية استجابة مشروعة لحقيقة أنطولوجية: أن الذات تتكوّن داخل نسيج تاريخي، وأن الاعتراف بالدَّين لهذا النسيج ضرب من الأمانة. أما من يحتقر جذوره باسم الكونية فيمارس عمىً من نوع آخر، إذ يتوهم أن الإطار الإنساني يُبنى بلا أرض، وأن الشمول يُنال بمحو الخصوصية. إِلَّا أنّ الانتماء، وإن كان شرطًا للمعنى، لا يصلح أنْ يكون معيارًا للحقانية. وهنا تقع الزلة المنطقية في الخطاب الوطني: الانتقال من " هذا وطني" إلى " هذا محق"؛ فالأولى قضية وصفية عن موقعي في العالم، والثانية قضية معيارية عن العدل والإنسانية، ولا جسر استنتاجيَّ بينهما. ومن ثمَّ، يتألف السؤال المعتبر: هل الوطنية قيمة أخلاقية عليا؟ أم رابطة انتماء مشروطة بما هو أسمى منها، أي الحقانية والإنسانية والعدالة؟ ولنا في غزو الكويت عام 1990م عبرة: فالغزو لم يصبح حقًا، لمجرد أن الفاعل عراقي. ومن قال يومها " هذا ظلم" لم يخن العراق، وإنَّما أنقذ حقانيته وإيمانه ومعناه. ولم يصبح الكويتي المظلوم أقلّ استحقاقًا للنصرة لأنه خارج الحدود.
وقد تعلمت أوروبا هذا الدرس بكلفة باهظة وموجعة. فبعد قرون من المواجهات القومية وحروبها الجوالة اكتشفت أنّ الوطن يمكن أن يتحول إلى إلهٍ حديث؛ وبالتعبير الإسلامي " وثن" إذ مع صعود الدولة القومية في القرن التاسع عشر لم تعد الكنيسة وحدها تمنح الناس المعنى والإيمان، فقد صار الوطن نفسه عقيدة سياسية وروحية. وهنا تحولت الوطنية إلى طاقة تعبئة فائقة، دفعت ملايين البشر إلى الموت في الحربين العالميتين باسم الشرف القومي والمجد الوطني وو. وقد وصف بندكت أندرسون- المؤرخ والسياسي- الأمم بأنّها "جماعات سياسية متخيَّلة"، بمعنى أنّ الرابطة التي تجمع أناسًا لن يلتقوا أبدًا هي صورة تُصاغ في الأذهان؛ وما يُصاغ يمكن أن يُوظَّف، فتغدو الذاكرة الجمعية مادةً للمعنى ومادةً للتعبئة في آنٍ معًا . ويذهب إرنست غلنر أبعد من ذلك حين يقرر أن «القومية ليست يقظة الأمم على وعي ذاتها؛ إنها تخترع الأمم حيث لا وجود لها» وبالتالي يمكن أن تكون الأمة الحديثة آلة باردة تُخضع المجتمع لمنطق القوة وتُفرغ الروابط الإنسانية من دفئها. وعند هذا المفصل بالذات ظهر النقد الفلسفي الجاد، فقد رأى فريدريك نيتشه(ت1900م) أن القومية الأوربية الحديثة جنون جماعي، وأن الدولة "وثن جديد"، تذيب الفرد في الجماعة، وسخر من التعصب للأوطان داعيا إلى أن يكون المرء " أوربيا صالحا" لا ابن قبيلة. يقول: « يمكن لي أن أتخيل أعراقًا خافتة متأنية تحتاج، حتى في قارتنا الأوربية العجول، إلى نصف قرن من أجل أن تتغلب على نوبات من ذلك القبيل، نوبات حنين ترجعها إلى التقوقع الوطني والالتصاق بتراب الوطن، ومن أجل أن تعود من ثم إلى رشدها، أو قل إلى الأوربية الصالحة.»
ثم أكدت كوارث القرن العشرين هذا النقد، إذ إنّ الهوية الوطنية عندما تكون معيارا للشرعية السياسية يترك من هو خارج الجماعة ناقص الحقوق، وأن الأخلاق حين تطوق داخل حدود الأمة يصبح الآخر تهديدًا لا إنسانًا مساويًا. فالوطنية حين تفقد بعدها النقدي لا تبقى حبًّا للأرض، بقدر ما تصبح عبادة للجماعة.
وبالتالي: هل الوطنية فضيلة؟ يبدو أنها كذلك ما دامت داخل إطار أخلاقي أوسع يحدّها ويهذّبها، فإن انفلتت منه انقلبت رذيلة؛ فكأنها وسطٌ بين هاويتين: هاوية الاقتلاع التي تُسقط المسؤولية عن الجماعة، وهاوية التأليه التي تُسقط المسؤولية أمام الإنسان. هذا هو الاحتدام أو التوتر الذي يعصف في الإنسان، احتدام البلد والحقانية والعدالة، انه احتدام يُمزَّق الإنسان بين انتمائه العاطفي لوطنه والتزامه الأخلاقي بالحقيقة وبالإنسان.
وما جرى في العراق يكشف هذا المأزق بوضوح. فكثيرًا ما قُدّمت المسألة كأنها خيار بين طرفين: إما الأرض وإما العقيدة، إما مصلحة البلد ومكتسباته وإما الواجب الإيماني. لكن هذه الثنائية على شيوعها، تخفي سؤالًا أعمق منها. فالأرض وحدها لا تصلح معيارًا؛ إذ لو جعلنا "المصلحة القُطرية" الحكم الأخير لصار الوطن صنمًا، وصار الصمت عن الظلم حكمة ما دام يحدث خارج الحدود أو يوافق الحسابات. والعقيدة وحدها قد لا تصلح معيارًا كذلك، إذا انقلبت إلى هوية جماعية مغلقة تُبرر كل ما تفعله الجماعة، فتتحول من طلب للحق إلى عصبية بثوب مقدس. وهكذا يتشابه الصنم الترابي والصنم العقائدي، لأن كليهما يجعل الجماعة هي المقياس. أما الحقانية فهي أن يكون الحق هو المحور والمقياس، لا الأرض ولا الجماعة ولا الطائفة، والإنسانية هي أن تُصان كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا، أيًّا كان موقعه على الخريطة وأيًّا كان مذهبه وتخندقه. وبهذا الميزان تُسأل الوطنية: هل تقف مع المظلوم أم مع المصلحة فقط؟ وتُسأل العقيدة: هل تخدم الكرامة الإنسانية والعدل أم تخدم العصبية؟ وفي هذا المقام يصبح النقد أرقى صور الوفاء ؛ فمن أحبّ وطنه بصدق أراده جديرًا بالحب، ومن أراده كذلك لم يحتمل صمته على جراحه ، أما المداهن فلا يحب الوطن بل نفسه. فليس المطلوب أن نختار بين الجذر والسماء، بل أن نجعل الحق يحكم الاثنين. وبهذه الرؤية لا يلغي الانحياز للحق حبّ الوطن ولا الإيمان، بقدر ما يمنحهما شرفهما، ويحميهما من أن يصيرا أداة في يد من يرفع العلم أو الراية ليغطي بهما ما لا يُغطّى.
ويزداد هذا المطلب إلحاحًا في عالمنا اليوم، فثورة الاتصالات والعولمة وصعود خطاب حقوق الإنسان جعلت الفرد يعيش في أفق أوسع من الدولة القطرية وحتى القومية. لم يعد ممكنًا تبرير الظلم لأنه يقع "خارج حدود وطني" أو "داخلها"، ولا اختزال الأخلاق في الولاء السياسي، فقد صار الإنسان يرى المأساة الإنسانية في أي مكان كأنها تخصّه. وتعاطف أغلب دول العالم مع القضية الفلسطينية أو الدفاع الإيراني عن مشروعه النووي شاهد لذلك. ومع ذلك فالخطاب الإنساني نفسه ليس بلا إشكال، لأن الإنسانية المحضة أو المجردة قد تنقلب هي الأخرى إلى خطاب نخبوي بلا تربة أو جذور، يتعالى على واقع الناس وتاريخهم. ولذلك فالمعضلة الحقيقية ليست في الاختيار بين الوطنية والإنسانية كأنهما نقيضان، المعضلة الحقيقية هي في إعادة بناء الوطنية على أساس أخلاقي وإنساني وروحي: وطنية تعترف بأن الإنسان (بنزعاته الإيمانية) أسبق من الدولة، وأن العدالة والحقانية أسمى من الجماعة، وأبعد من الجغرافيا، وأن الوطن يفقد معناه حين يتحول إلى آلة ضد الإنسان. وعندئذٍ يمكن أن تغدو الوطنية أولى درجات الكونية: نتعلم الواجب حيث نقف، ثم ندرك أن ما نطلبه لأنفسنا حقٌّ لكل إنسان.
وعلى هذا الأساس، أو هذه المقاربة فإن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في قدرته على أن يكون فضاءً للحقانية والكرامة والمعنى. أما حين يصبح ذريعة للهيمنة والعصبية الحزبية، فإنه يتحول إلى سجن كبير، ويغدو الدفاع عنه دفاعًا عن القوة والعصبية.
***
د. حيدر شوكان السلطاني
جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة








