الحرية والإنسان: أسئلة الذات والمجتمع والوجود (5): أخلاق السادة والعبيد
في تحليله لنشأة القيم، يميز نيتشه بين نمطين من التقييم الأخلاقي، يطلق عليهما أخلاق السادة وأخلاق العبيد. ولا ينبغي فهم هذا التمييز باعتباره وصفا بسيطا لصراع بين طبقتين اجتماعيتين، أو دعوة مباشرة إلى تمجيد الأقوياء واحتقار الضعفاء. المسألة عنده تتعلق، على نحو أعمق، بكيفية نشوء الأحكام الأخلاقية وبالموقع الذي يحتله الإنسان من الحياة والقوة والرغبة.
النمط الذي يسميه أخلاق السادة، يبدأ التقييم من شعور بالقدرة والإمتلاء، فتصف الذات نفسها بأنها جيدة قبل أن تحدد ما هو سيئ أو وضيع في نظرها. أما أخلاق العبيد، كما يحللها نيتشه، فتبدأ من استياء تجاه قوة لا تستطيع مواجهتها مباشرة، ثم تعيد بناء المعايير الأخلاقية بحيث يصبح ما تمتلكه القوة موضع إدانة، وما يعجز عنه الضعيف موضع استحقاق أخلاقي. عندئذ لا يعود العجز مجرد عجز، بل يتحول إلى فضيلة، ولا تعود القدرة مجرد قدرة، بل تصبح علامة على الشر.
المفهوم المركزي هنا هو «الرِّسِنْتِيمَانRessentiment»، أي الإستياء المتراكم الذي لا يجد سبيلا مباشرا إلى الفعل، فيعيد توجيه نفسه إلى عالم القيم والأحكام. لا يستطيع الإنسان أن يواجه ما يشعر نحوه بالعداء، فيبحث عن طريقة تجعل الطرف الآخر مذنبا، وتجعل عجزه هو دليلا على التفوق الأخلاقي. وما لا يستطيع امتلاكه يعلن أنه لا يستحق الإمتلاك، وما يخشى مواجهته يصفه بأنه شر، وما يحول بينه وبين رغباته يعيد تفسيره بوصفه دليلا على نقائه. وفي هذا التحليل جانب مزعج بامتياز، لأنه يذكرنا بأن اللغة الأخلاقية قد تستخدم أحيانا لتغطية مشاعر لا نرغب في الإعتراف بها. فقد يهاجم المرء نجاح الآخرين باسم التواضع، ويصف استقلالهم بالأنانية لأنه يشعر بالعجز عن اتخاذ قراراته الخاصة، أو يطالب الجميع بالتضحية لا إيمانا بقيمة التضحية، بل لأنه لم يعد قادرا على احتمال رؤية الآخرين يختارون لأنفسهم حياة مختلفة. وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة في التواضع أو التضحية أو النقد الأخلاقي في ذاتها، بل في احتمال أن تتحول هذه المعاني إلى أدوات لتبرير الإستياء وإدانة ما لا نستطيع بلوغه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نختزل تحليل نيتشه في قاعدة نفسية سهلة تزعم أن كل من يدافع عن قيمة أخلاقية يخفي وراءها الحسد أو الضعف. مثل هذا التفسير سيكون هو نفسه نوعا من الإختزال الذي يحرمنا من التفكير. السؤال الأهم غير مرتهن بالمتكلم، ضعيفا كان أو قويا، بل بكيفة عمل القيمة التي يدافع عنها، وماذا تتيح وما الذي تمنع، وهل تصدر عن فهم حر أم عن رغبة في الإنتقام الرمزي من عالم لا يستطيع صاحبه التأثير فيه، كما لا ينبغي اختزال مفهوم القوة عند نيتشه في العنف أو السيطرة على الآخرين. فالقوة قد تظهر في القدرة على تحمل الحقيقة، وفي الإستعداد لمراجعة الذات، وفي تحويل التجربة المؤلمة إلى معرفة بدل تحويلها إلى ضغينة مستدامة. وقد يكون الإنسان الذي يسيطر على غيره أسيرا لخوفه، فيما يكون الإنسان الذي يرفض الإنتقام أكثر استقلالا من خصمه. لذلك لا تكمن قيمة هذا التحليل في تصنيف البشر إلى أقوياء وضعفاء، بل في كشف اللحظة التي تتحول فيها أحكامنا الأخلاقية إلى وسائل لتبرير عجزنا أو حماية صورتنا عن أنفسنا.
يترك نيتشه أمامنا سؤالا مفتوحا حول رفض الأشياء، هل نرفضها لأنها ظالمة فعلا، أم لأن وجودها يذكرنا بما لم نستطع تحقيقه؟ وهل نتمسك بفضيلة لأنها تجعل الحياة أكثر عدلا وثراء، أم لأنها تمنحنا شعورا بالتفوق على أشخاص لا نستطيع منافستهم في مجالات أخرى؟ لا توجد إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، لكن طرحها يكشف أن نقد القيم يبدأ أحيانا من نقد الدوافع التي تجعلنا نتشبث بها.
إذا كانت القيم تكتسب سلطتها من التاريخ الإجتماعي الذي صنعها، فكيف تستقر داخل الإنسان إلى الحد الذي تجعله يراقب نفسه حتى في غياب أي مراقب؟ كيف يتحول المنع الخارجي إلى شعور داخلي بالذنب، ويصبح الإنسان قادرا على معاقبة نفسه باسم القواعد التي تعلمها، حتى عند غياب من يطالبه بالإمتثال؟
في في جينيالوجيا الأخلاق، يربط نيتشه نشأة الضمير السيئ بتاريخ طويل من كبح الغرائز وإعادة توجيهها إلى الداخل. فالإنسان الذي يعيش داخل جماعة لا يستطيع أن يطلق جميع دوافعه بلا قيد، حيث تفرض الحياة المشتركة حدودا على العدوان والرغبة والسلوك، وتحتاج الجماعة إلى قواعد تجعل التعايش ممكنا. لكن هذه القوى التي كان الإنسان يعبر عنها في الخارج قد تنقلب حين تمنع من التعبير إلى الداخل، فتتحول إلى عداء للذات، وإلى شعور بالذنب، وإلى حاجة إلى معاقبة النفس حتى دون وجود ضرورة واقعية للعقاب. فنحن لا نتعلم فقط أن بعض الأفعال ممنوعة، بل قد نتعلم أيضا أن مجرد الرغبة فيها يجعلنا سيئين، كما لا نكتفي بمعرفة إحتمال رفض المجتمع سلوكا معينا، بل نبدأ في النظر إلى أنفسنا باحتقار إذا اكتشفنا أننا نميل إليه. وبدل أن نفحص الرغبة ونفهم أسبابها ونقرر كيف نتعامل معها، نتعلم أن نخفيها عن الآخرين وعن أنفسنا، كأن تجاهلها كاف لمحوها.
هكذا قد يصبح الضمير ساحة صراع لا تنتهي، لأن الإنسان لم يعد قادرا على التصالح مع جوانب من طبيعته وإن لم يرتكب فعلا يستوجب المساءلة، بل وقد يختلط الندم على إيذاء الآخرين بالعار من مجرد الوجود، ويختلط الشعور بالمسؤولية بالإعتقاد بأن الإنسان لا يستحق الإحترام إلا إذا طابق نموذجا مثاليا يستحيل بلوغه.
إن التمييز بين الذنب والعار مهم هنا، فالذنب في صورته الأخلاقية المعقولة، يتعلق بفعل يمكن فهمه ومراجعته وتحمل المسؤولية عنه، أما العار فيجعل الفعل دليلا على فساد الذات كلها.
قد يقول الإنسان: أخطأت، وينطلق من ذلك نحو الإعتذار والإصلاح، أو يقول: أنا خطأ في جوهري، فيرى في نفسه مشكلة لا يمكن حلها إلا بإلغائها أو إنكارها. في الحالة الأولى يمكن للمساءلة أن تكون طريقا للنضج، أما في الثانية فقد يتحول النقد إلى عقوبة مستمرة لا تتيح التعلم.
نيتشه لا يدعو إلى التخلص من كل شعور بالذنب أو إلى إعفاء الإنسان من مسؤولية أفعاله. ما يثيره هو كيفية نشأة هذا الشعور، وما نوع الإنسان الذي يصنعه؟ هل يجعلنا أكثر قدرة على فهم آثار أفعالنا وإصلاحها، أم يحولنا إلى خصوم لأنفسنا؟ هل يساعدنا على الإعتراف بالضرر الذي سببناه، أم يدفعنا إلى الإنشغال بمعاقبة ذواتنا حتى ننسى مسؤوليتنا الفعلية تجاه من تضرروا؟
من هنا تتضح إحدى صور السلطة التي تستقر في الداخل: قد لا يعود الإنسان محتاجا إلى من يهدده بالعقاب، لأن الخوف صار جزءا من علاقته بنفسه. وقد لا يعود محتاجا إلى من يفرض عليه صورة مثالية، لأنه أصبح يراقب كل انحراف عنها باعتباره دليلا على فشله الشخصي. إنه يظن أنه يمارس حريته في محاسبة نفسه، في حين أنه يعيد إنتاج أحكام لم يخترها ولا يعرف كيف نشأت، ولا يملك حتى اللغة التي تمكنه من مساءلتها.
إن تحرير الذات لا يعني إسكات الضمير، بل التمييز بين ضمير يساعدنا على تحمل المسؤولية وصوت داخلي لا يعرف إلا الإدانة. وليس المطلوب أن يصبح الإنسان بلا حدود، بل أن يفهم حدوده وأسبابها، وأن يميز بين ما يفرضه احترام الآخرين وما يفرضه الخوف من أحكامهم، وبين المسؤولية التي تقوده إلى الفعل والذنب الذي يشل قدرته على التغيير.
***
عبد الرحيم الجرودي








