عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

كيف نتعايش مع هاجس الموت؟

إعداد وترجمة: د. علي أسعد وطفة (*)

جامعة الكويت ـ كلّيّة التربية

***

"اعمل ليومك كأنّك تعيش أبدًا، ولآخرتك كأنّك تموت غدًا"

عليّ بن أبي طالب

 ***

نعيش في عالم لا يكترث كثيرًا بالموت. فنحن نعرف الموت بوصفه فرجةً، كما في السينما والأفلام وما تعرضه وسائل التواصل من تدفّق للدماء؛ ونعرفه بوصفه خبرًا آنيًّا، كما في التلفزيون وأخبار الحوادث وصور الحرب والعنف؛ كما نعرفه بوصفه مجزرةً في ألعاب الفيديو. ولكنّ هذا كلّه لا يزال مجرّد فرجة وتمثيل، فالحياة التي تهدر ليست هي حياتنا، في ذاتيّتها الأشدّ حميميّةً وحيويّةً. ولا يكفي ذلك لكي نستخلص منه لأنفسنا درسًا في الحياة. فهذا الموت يظلّ، في الواقع، خارجيًّا أكثر ممّا ينبغي، ومنتميًا أكثر ممّا ينبغي إلى نظام الصورة، بحيث لا يستطيع أن يمسّنا عن قرب.

ومع ذلك، فإنّه يأتي مبكّرًا جدًّا ليطرق بابنا. فالحياة سلسلة من تجارب الفقد التي نُضطرّ إلى تحمّلها: موت أحبّائنا، وموت والدينا، وموت صديق أو أخ، وموت مَن كنّا نحبّه أو نحبّها. وليس الحِداد أمرًا بديهيًّا، بل هو تجربة نعيشها وتمنحنا درسًا في الحياة. ولكن، هل يعني اجتياز تجربة الحِداد أنّنا أصبحنا قادرين على ترويض الموت؟ هل يمكن أن نستخلص من الموت درسًا في الحكمة من أجل الحياة؟

نتجنّب، في معظم الأحيان، التفكير في الموت، ونتصرّف كما لو أنّه لا يعنينا. ولذلك، فإنّ الإجابة الأولى التي ينبغي لنا دراستها تتّصل بالسؤال الآتي: ألا ينبغي أن نعيش كما لو أنّنا لن نموت أبدًا؟

ففي نهاية المطاف، نعتقد، وفقًا للرأي الشائع، أنّه سيكون لدينا متّسع من الوقت للتفكير في الموت حين يحضر؛ أمّا في أثناء الانتظار، فما علينا إلّا أن نعيش وألّا نفكّر فيه! إذن، فلنتصرّف "كما لو" أنّ الموت غير موجود، ولنَعِشْ في لامبالاة، لا نفكّر إلّا في مشروعاتنا، ولذّاتنا الراهنة، أو لذّاتنا المقبلة.

ولكن ثَمّة أنواع من اللامبالاة. فالشكل الأكثر شيوعًا من اللامبالاة إزاء الموت يتمثّل في التظاهر بتجاهله، والتملّص منه، والتصرّف "كما لو" أنّه غير موجود؛ كما لو أنّ علينا أن نظلّ مراهقين إلى الأبد، على نحو يشبه صور الشباب الإعلانيّة التي تظلّ أبديّةً ما إن تُسجَّل. فلنفتخر بشبابنا، ولنسخر من الموت، ولنترك التفكير فيه للمسنّين والمرضى! مثل راعي البقر الوسيم في إعلانات مارلبورو (Marlboro)، الذي مات، في الواقع، بالسرطان. وما يترتّب علينا الآن هو أن نستمتع بالحياة ونسخر من الموت؛ إنّه لا يعنينا، بل يعني الآخرين وحدهم: الذين يتعرّضون لحادث، والمسنّين، والمرضى. أمّا نحن فسالمون منه، ويمكننا أن نستمتع بالحياة وأن نضحك ملء أفواهنا. فلنستمتع، ولنستمتع، ولنَفِرَّ، إذن، من الموت. لا أدري إن كنتم تتعرّفون إلى أنفسكم في هذه الطريقة في النظر، ولا إن كنتم، حين تتأمّلون ما تنطوي عليه، تستطيعون الاستمرار في تبنّيها، حتّى لو سبق لكم أن فكّرتم بهذه الطريقة في وقت ما. فمَن يستطيع أن يختار، بوعي، الانحياز إلى غياب الوعي؟

ومع ذلك، قد تكون ثَمّة وسيلة لإنقاذ الفكرة. ففي أقوال فوفنارغ (Vauvenargues) المأثورة ما يسير في اتّجاه اللامبالاة، ولكن بمسوّغات مختلفة جدًّا. فما يرفضه فوفنارغ (Vauvenargues) هو النزعة القدريّة، والانهزاميّة الناتجة عن الاجترار المتواصل لفكرة الموت: "إنّ التفكير في الموت يخدعنا، لأنّه يجعلنا ننسى أن نعيش". فالتفكير الدائم في الموت لا يمكن إلّا أن يُبعدنا عن تيّار الحياة. والكائن المهووس بفكرة الموت لن يستطيع إنجاز أيّ شيء في هذا العالم. فلكي نعيش، ينبغي أن نمنح المستقبل معنًى؛ وإذا كان المستقبل مغلقًا منذ البداية بالموت، فلن نستطيع أن نحقّق شيئًا. فما جدوى إعداد أيّ مشروع إذا كنّا سنظلّ نضعه في الميزان في مواجهة فكرة الموت؟ إنّ هذا يعني الاستسلام للقدريّة. وإذا كان عليّ أن أتمثّل اختفائي باستمرار، فإنّ حياتي لن تكون سوى عبث؛ ولكي يكون لها معنًى، يجب عليّ، إذن، أن أرفض إبقاء فكرة الموت نُصْب عينيّ على الدوام.

ولكي ننجز أشياء عظيمة، ينبغي أن نتصرّف كما لو أنّنا لن نموت أبدًا. يجب أن نتمثّل الحياة بوصفها مشروعًا غير محدّد النهاية، لا يمكن أن يتوقّف عند أيّ حدّ. وعلينا أن نحسب غاياتنا، وأن ننظّم وسائلنا فيما يتجاوز حدود وجودنا. والأفضل أن نفكّر في أنّ آخرين يستطيعون، بعدنا، مواصلة عملنا. وهذا يشبه قليلًا منطق القائم على رعاية الغابات؛ فهو يغرس أشجارًا لن يراها وقد بلغت حجمها عند النضج. إنّه يغرس للأجيال المقبلة، لا لنفسه. والاستشراف يعني التفكير في توزيع عمليّات قطع الأشجار على امتداد الزمن، لا التفكير على المدى القصير وفق منطق متمركز حول الذات. وعلى النحو نفسه، ينبغي أن نفكّر في مشروعاتنا فيما يتجاوز حدودنا.

ولا يستطيع الرأي الشائع أن يعترف بأهمّيّة الموت. فـ"المرء" الذي يعبّر عن نفسه في الرأي الشائع يُبتذَل الموت على لسانه، ويظلّ عند عبارات سطحيّة من قبيل: "يموت المرء يومًا ما، ولكنّه، إلى أن يحين ذلك، يظلّ سليمًا معافًى". وهذا المرء هو الشخص غير المحدّد: أنتم، وأنا، وأيّ شخص؛ على نحو لا يشعر معه أحد بأنّ الخطاب يعنيه حقًّا. إنّه ذات الابتذال اليوميّ، وذات الوعي المشترك. فماذا يستطيع الابتذال اليوميّ أن يقول عن الموت؟ إنّه نوع من "الحوادث المعتادة"، و"حدث عاديّ"، أو، في بعض الحالات، "حدث يُتحدَّث عنه في التلفزيون والصحف"، عندما تقع كارثة أو حادث. إنّه، إذن، شيء غير محدّد، غامض، لا بدّ من حدوثه، ولكنّه، إلى أن يحدث، لا يعنينا شخصيًّا. إنّه حدث "عامّ" لا يعني سوى الآخر، ولا يعنيني أنا.

وحول المُحتضَر، يطمئنّ الناس ويُطمئن بعضهم بعضًا من خلال ابتذال واقعة الموت؛ لأنّه ينبغي، كما يشرح هايدغر (Heidegger)، ألّا يوقظنا الموت، بأيّ حال، من "لامبالاتنا المهمومة". فنحن ننشغل بتبديد الوقت في أمور صغيرة تستغرقنا كلّيًّا، بحيث لا ينبغي أن يعكّر شيء انتظامنا اليوميّ المعتاد. "ليس لدى المرء وقت للتفكير في ذلك؛ إنّه مستغرَق في إلحاح مشاغله". ولو كان علينا أن نواجه فكرة الموت، لكانت مواجهتها يقظةً مباغتةً من سباتنا اليوميّ.

وهكذا، تبنّى الرأي الشائع، ضمنيًّا، موقفًا لامباليًا إزاء الموت، وحقّق ذلك من خلال تقنين ما هو "لائق" في مواجهته: ما ينبغي فعله حين يأتي، والموقف الذي ينبغي اتّخاذه. وبما أنّ جميع الأقوال والأفعال تُبتذَل سلفًا على هذا النحو، فلا يعود في واقعة الموت ما يثير الدهشة؛ فنحن محصَّنون ضدّ كلّ ما يعكّر صفونا. ونُبقي على فتور لامبالٍ إزاء حقيقة أنّني قد أموت، وأنّ الآخرين قد يموتون، وأنّ صديقي وزوجتي وقريبي لا بدّ أن يموتوا. والرأي الشائع، إذ لا يقبل الموت، يخفيه، ولكن بحيلة لافتة تتمثّل في التظاهر بالتعرّف إليه تحت قناع غير المحدّد: "الموت؟ آه، نعم، المرء يعرفه. إنّه معروف جيّدًا، إنّه أمر عاديّ"! ولكن لا ينتج عن ذلك سوى تهدئة وهميّة، وتهدئة على حساب...

"يظلّ المرء دائمًا أصغر من أن يموت"، هكذا يردّ هايدغر (Heidegger) على أخلاق اللامبالاة. فالموقف غير الأصيل هو الذي يجعل من "التملّص من هذه النهاية" نمطًا للوجود. ومجرّد الفرار من الواقع لا يفعل سوى تعزيز الخوف ممّا نفرّ منه. ويكشف موقف الفرار، منذ البداية، عن وجود وعي بما يجري الفرار منه. "غير أنّ هذا التملّص نفسه هو الظاهرة التي تكشف عمّا يجري التملّص منه؛ أي إنّ الموت يجب أن يُدرَك بوصفه إمكانًا يقينيًّا، يخصّ المرء وحده على نحو مطلق".

إنّ عدم معرفة الموت يزيّف علاقة الذات بعالمها. ولذلك، فإنّ الإنكار يضفي على مواجهة الموت عنفًا مميّزًا. إنّه يُبقيها في وهم "التصرّف كما لو" أنّ الموت غير موجود. ويُظهر حياةً محمومةً في مشاغلها، غارقةً في مصالحها، مع إخفاء فقر الوجود، ذلك الفقر الملازم للهمّ بالوجود نفسه، وفقر الاهتمام.

وهكذا، نستمرّ في عيش حياة مهرّج، ثمّ يثب الموت يومًا في وجوهنا، في صورة مرض خطير أو رحيل قريب؛ وفي تلك اللحظة تحديدًا، يضطرّنا، على نحو مباغت، إلى الاستيقاظ من لامبالاتنا المهمومة، ومن ضروب جبننا الصغيرة وفرارنا المستمرّ. وفوق ذلك، نقضي وجودنا في الاقتناء، وفي امتلاك المزيد، فيكون الموت رهيبًا؛ إذ يضع مباشرةً موضع السؤال نَهَمَ التملّك. فنحن منشغلون جدًّا بالحصول على ما نحتاج إليه لكي نعيش، والموت أعظم المحتالين؛ إنّه يأخذ منّا كلّ شيء. يأخذ منّا أحبّاءنا، ويأخذ منّا تلك الحياة التي اعتقدنا أنّ في وسعنا امتلاكها. إنّه يصيب مباشرةً تماهينا مع التملّك، ويكشف فجأةً خواء الوجود.

وعلى مَن لم يكن همّه الوحيد سوى اللامبالاة بالجوهريّ والانشغال بالتافه، يردّ الموت بصفعة لاذعة. يأتي الإنسان إلى العالم عاريًا، بلا ممتلكات، ويغادر العالم من دون أن يمتلك شيئًا؛ وكلّ ما استطاع أن يقتنيه في حياته لن يفيده أبدًا في شيء عندما يواجه الموت مواجهةً أصيلةً.  بل على العكس تمامًا. فسواء أردنا ذلك أم أبينا، فإنّ الاعتراف بمحدوديّتنا بفعل الموت أمر حاسم لفهمنا الحياة وتقديرنا إيّاها. وبعبارة نيقولا برديائيف (Nicolas Berdiaeff): "الموت هو الواقعة الأعمق والأشدّ دلالةً في الحياة، وهو الذي يرفع أحطّ الفانين فوق رتابة اليوميّ وابتذاله. إنّه وحده يطرح سؤال معنى الحياة. والواقع أنّ الحياة لا يكون لها معنًى إلّا لأنّ الموت موجود".

***

.........................

* - تمت ترجمة هذه المقالة بتصرف عن كارفانتان، سيرج. (2002). وعنوانها "معرفة كيف نحيا وكيف نموت". الدرس،  الفلسفة والروحانيّة.

Carfantan, Serge. (2002). " Savoir vivre et savoir mourir ". Leçon 65. Philosophie et spiritu-alité. Consulté le 23 octobre 2026. Les formes de l'illusion - Serge Carfantan

في المثقف اليوم