المفارقة في موقف فتحي المسكيني أنه ينتقد طه عبد الرحمن لأنه جعل الفلسفة في خدمة الدفاع عن تراث مظلوم، لكنه كان يقول، في المقابل، إن الغرب لا يريد من الآخر أن يكون نسخة مكررة عنه، بل يريد منه أن يظل مختلفًا. وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن نطرحه: إذا كان الاختلاف حقًّا للآخر، فلماذا يصبح الدفاع عن الخصوصية الثقافية نقصًا في الكونية الفلسفية؟
ليس المقصود أن نبرّئ طه عبد الرحمن من النقد، ولا أن نجعل كل ما يصدر عن التراث جديرًا بالدفاع عنه لمجرد أنه تراثنا، بل أن نسأل: هل يمكن للفيلسوف أن يفكر في الكوني من دون أن يمرّ عبر خصوصيته التاريخية واللغوية والثقافية؟ وهل الكونية فضاء محايد يقف فيه العقلاء خارج ثقافاتهم، أم أنها أفق يتشكل من حوار الثقافات واختلاف تجاربها؟
إن مطالبة طه عبد الرحمن بأن يختار موضوعًا كونيًّا بدلًا من الدفاع عن التراث تبدو، للوهلة الأولى، مطالبة معقولة؛ لكن المشكلة تبدأ حين نتصور أن التراث نقيض الكوني، وأن الاشتغال على الموروث لا بد أن ينتهي إلى الأسلمة أو التعريب. فهل كان كانط أقل كونية لأنه انطلق من أسئلة عصره الأوروبي؟ وهل فقد هيغل صفته الفلسفية لأنه جعل التاريخ الأوروبي جزءًا من بناء تصوره للعقل؟ ولماذا يصبح انطلاق الفيلسوف الأوروبي من تاريخه تأسيسًا للكوني، بينما يصبح انطلاق الفيلسوف العربي من تاريخه دفاعًا عن الخصوصية؟
هنا لا أدافع عن طه عبد الرحمن بقدر ما أضع اعتراض المسكيني نفسه موضع الاختبار. فالمشكلة ليست أن ينطلق الفيلسوف من تراثه، وإنما أن يحوّل هذا التراث إلى حصانة تمنع مساءلته، أو أن يجعل الانتماء الأخلاقي سابقًا على الحكم الفلسفي، فيصبح مطالبًا بإثبات براءة ثقافته بدلًا من اختبار أفكارها. لكن هذا الخطر لا يخص طه عبد الرحمن وحده؛ إنه خطر يتهدد كل فيلسوف يجعل من ثقافته معيارًا نهائيًّا للحقيقة، سواء أكانت ثقافة دينية أم علمانية، شرقية أم غربية.
والأغرب أن المسكيني، وهو الذي ينبهنا إلى أن الغرب يريد الآخر مختلفًا لا نسخة مكررة منه، يوشك في نقده لطه أن يطالبه، من حيث لا يريد، بأن يثبت اختلافه بطريقة يقبلها تصور بعينه للكونية الفلسفية. فإذا كان المطلوب من الفيلسوف العربي أن يترك تراثه وراءه حتى يصبح كونيًّا، فماذا يبقى من الاختلاف الذي دافع عنه المسكيني؟ أليس في ذلك خطر أن تتحول الكونية إلى اسم مهذب لمركزية ثقافية لا تعترف بالآخر إلا حين يتكلم بلغتها، ويطرح أسئلته ضمن حدودها، ويبرهن على اختلافه بالشروط التي وضعتها هي؟
لكن الاعتراض المقابل لا يقل أهمية: ليس كل دفاع عن الخصوصية مقاومةً للمركزية الغربية، كما أن ليس كل اختلاف أصالةً فلسفية. فقد يتحول التراث إلى سجن حين نرفض مساءلته، وقد تتحول الهوية إلى حجة لإغلاق العقل، مثلما يمكن للكونية نفسها أن تتحول إلى سلطة حين تدّعي امتلاك الطريق الوحيد إلى الحقيقة. ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل دافع طه عبد الرحمن عن التراث؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا فعل بهذا التراث؟ هل فتحه على إمكانات جديدة، أم أعاد إنتاجه في صورة نسق مغلق؟ وهل استطاع أن يجعل مفاهيمه قابلة للحوار مع المختلف، أم جعل الاختلاف نفسه مناسبة لإثبات تفوق منظومته الأخلاقية؟
إن الفلسفة لا تُقاس بموضوعها وحده، بل بقدرتها على تحويل الموضوع إلى سؤال. وقد يبدأ الفيلسوف من تراثه، لكنه لا يصبح فيلسوفًا لمجرد أنه أعاد بناء ذلك التراث، كما أنه لا يصبح كونيًّا لمجرد أنه استعار مفاهيم الغرب. العبرة هي في مقدار ما يستطيع أن يزعزع المسلّمات، وأن يكشف حدود منظومته، وأن يتيح للحقيقة أن تأتي من مكان لم يكن يتوقعه.
ولعل المسكيني محق في تحذيره من أن تتحول الاختيارات الأخلاقية إلى سمّ يصيب الفيلسوف، لكن أليست الكونية نفسها اختيارًا أخلاقيًّا حين نتمسك بها بوصفها أفقًا ينبغي أن تتقارب عنده الثقافات؟ ألا يمكن أن تصبح الرغبة في تجاوز الخصوصية نوعًا آخر من الالتزام الذي يحجب عنا ما نريد رؤيته؟ فالخطر ليس في أن يختار الفيلسوف مهمة يدافع عنها، بل في أن يفقد القدرة على نقد المهمة التي اختارها، أو أن يتوهم أن موقعه منها يمنحه امتيازًا لا يمنحه لسواه.
لهذا أرى أن المسألة لا ينبغي أن تُختزل في المفاضلة بين طه عبد الرحمن والكونية التي يدعو إليها فتحي المسكيني. فالسؤال الأعمق هو: هل نستطيع بناء كونية لا تطلب من الثقافات أن تتشابه كي تتحاور، ولا تسمح لها في الوقت نفسه بأن تتخذ اختلافها ذريعة للانغلاق؟ كونية لا تجعل التراث مقدسًا، ولا تجعله عبئًا ينبغي التخلص منه، بل تجعله مادةً حية للنقد وإنتاج المفاهيم.
ربما لا تكون مهمة الفيلسوف أن ينتصر لتراثه، كما يقول المسكيني، ولا أن يتخلص منه كي يثبت كونيته؛ بل أن يبلغ به تلك اللحظة التي يصبح فيها قادرًا على نقد نفسه، ومخاطبة الآخرين، واستقبال ما لا يشبهه من دون خوف. عندئذ لا يعود التراث قضيةً ينبغي الدفاع عنها، ولا تصبح الكونية محكمةً ينبغي المثول أمامها، بل يتحول كلاهما إلى مجال مفتوح للتفكير.
فالاختلاف الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى هوية مغلقة، والكونية التي لا تحتمل الاختلاف تتحول إلى هيمنة مقنّعة. وبينهما تقع المهمة الأصعب للفيلسوف: أن يكون ابن ثقافته من دون أن يكون أسيرها، وأن يفكر في الكوني من دون أن يدّعي امتلاكه
***
ا. د.عامر عبد يد الوائلي








