عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عزيز أشيبان: في عوالم العطاء

يُعدُّ فعل "أعطى" فعلاً حركياً يصف حدثاً معيناً، ويشغل نطاقا واسعاً من المعاني؛ مثل: التزويد، والتبرع، والتسليم، والتقديم، والإهداء، والإخبار، والإعلام، وتقديم النصيحة. وتظل دلالات هذا الفعل عصيةً على الحصر أو التقييد نظراً لتعدد أبعاده وتنوع معانيه. ففي جوهره، ينتقل العطاء من المعطي / المانح إلى المتلقي، ويحدث في سياقات محددة تنتقل بين حالات الحاجة، والتعاطف، والتعاون، والشعور بالواجب لأداء رسالة نبيلة؛ إذ يزخر العطاء بمزيج ساحر يجمع بين ما هو حركي وما هو ساكن، وبين المادي وغير المادي، وبين ما هو مقصود وما هو عفوي.

قد يبدو فعل العطاء عملاً إنسانياً نبيلاً، لكنه بلا شك أمرٌ مُنهك ومُستنزِف؛ إذ يبذل المرء جهداً كبيراً لمواساة الآخرين، وتقديم العون لهم، ومساعدتهم في حل مشكلة ما أو تجاوز عقبة تعترض طريقهم. وهذا يعني -ضمنياً- الانخراط ذهنيا ونفسيا في همومهم ومتاعبهم، مما يجلب على صاحبه الضيق والإرهاق، لينتهي به المطاف -في الغالب- في مواجهة نكران الجميل بدلاً من التقدير. والأسوأ من ذلك كله، أن البعض ينظرون إلى هذا الشخص المعطاء نظرة ازدراء واستخفاف، واصفين إياه بالساذج، باعتباره شخصاً لم يبلغ أشده في فهم الحياة ولم يكتسب الخبرة اللازمة، ويظل غير قادر على التكيف مع الظروف المتغيرة.

إذن، لماذا يضطر المرء إلى الانخراط في متاهة كهذه، في حين يمكنه النأي بنفسه عنها والحفاظ على سلامة روحه وهدوئها؟ ولماذا يتوجب عليه دفع ثمن باهظ مقابل خدمة كان بوسعه رفضها منذ البداية، والاكتفاء بكلمة "لا" ببساطة وسرعة؟ أليس من الأفضل التحلي بالواقعية والعقلانية، بل وحتى "الأنانية" لحماية منطقة الأمان الشخصية، والاستثمار في احترام الذات وتقديرها وحبها؟ ألا يرتكز أي إنجاز ناجح على المبادرة الفردية؟ أليس الجميع مدعوين للسعي نحو بلوغ أحسن صيغة من ذواتهم (بناء واستغلال إمكانياتهم)؟ بالتأكيد، هذه تساؤلات وجيهة وموضوعية، لكنها تظل قابلة للنقاش.

ظاهريا، يتيح تبني نهج "الأخذ" توفير الوقت والجهد والتركيز على مصالحه الشخصية، بدلاً من الانشغال بالآخرين واستنزاف طاقته من أجلهم. غير أن هذا النهج يفسح المجال لهيمنة النزعة الفردية المفرطة، مما قد يقود إلى الانتهازية والانعزال عن الآخرين، ويحرم المرء من نِعَمٍ ومزايا عديدة يمكن اكتسابها من خلال التفاعل معهم. وعلاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يجرد العلاقات الإنسانية من جوهرها وسبب وجودها، والمتمثل في الحب والتعايش وخدمة بعضنا البعض. وبعبارة أخرى، كيف يمكننا النظر إلى وجود العائلة والأصدقاء في ظل سياق تطغى فيه الفردية وتعلو المصلحة الذاتية وتُقصى كافة القيم الإنسانية الأخرى؟

لا أحد ينكر التكلفة العالية للعطاء، ولا ما يتطلبه من جهد بدني وعاطفي وذهني؛ ومع ذلك، فإن العطاء يفيض بالبركات حين ينبع من إخلاصٍ صرف. فكيف يحدث ذلك؟

يُقدِّم المرءُ العطاءَ دون انتظار مقابل، بل حتى دون انتظار كلمة "شكراً"؛ إنه يعطي من أجل العطاء ذاته، مدركاً -سواء عن وعي أو دونه- أنه يغوص في بحرٍ زاخرٍ بالبركات. وفي الواقع، يغمر شعورٌ بالسعادة والرضا نفسَ المُعطي؛ إذ يمنحه العطاء إحساساً بأهمية دوره والقدرة على تقديم عملٍ قيّمٍ يُعزز تقديره لذاته ويُنمّيه. بالإضافة إلى ذلك، فإن مد يد العون للآخرين يُكسب المرء احتراماً واعتزازاً بالنفس، إذ يدرك تماماً أهمية الخير الذي يقبل عليه، وكيف ينتصر على نوازع الشر الكامنة في داخله، وكيف يتحدى غرائزه الأولية -كالأنانية والفردية والجشع.

وأخيراً، يجعل العطاء المرء أكثر استقلالية واعتماداً على الذات؛ مما يمنح المعطي ثقةً بالنفس وشجاعةً وقوةً في الشخصية وسلاماً داخلياً. وعليه، فإن العطاء يرقى إلى وسيلة علاجية تدعم الصحة العاطفية، وتُطهّر الروح، وتحمي جوهر كياننا الإنساني.

غالباً ما نركز على الجوانب المادية للعطاء ونتجاهل أبعاده الروحية، والقيم التي ينشرها، والثقافة التي يرسخها، لكن حين نتحلى بالهدوء ونُعمل العقل ونتأمل بعمق، نُذهل أمام القيمة الهائلة للعطاء والأثر المتميز الذي يتركه. لذا، ينبغي أن يتجسد "العطاء" كعقيدة وأسلوب حياة، المعطي ينال في نهاية المطاف كل ما هو جميل خلال رحلة العطاء.

لكل عملٍ خيّرٍ تقبل عليه ثمنٌ يُدفع، ولكن في المقابل نِعَمٌ لا حصر لها تُجنى. ولكل فردٍ حرية اختيار نهجه في الحياة: إما أن يكون معطياً، أو آخذاً، أو ممن يتبادلون العطاء والأخذ بالمثل.

***

عزيز أشيبان (المغرب)

 

في المثقف اليوم