قضايا

عصمت نَصّار: الكذب في مباحث فلاسفة.. الإسلام الأخلاقيّة والتربويّة والسياسية (2)

لمّا كان جُل المشتغلين بالفلسفة الإسلامية من الملمين بفقه اللغة وأسرارها، قد جعلوا دلالات الألفاظ سبيلهم للجمع بين النظر والعمل والتصورات بالتطبيقات واتخذوا من اللسانيات جسرًا لفهم معاني القيم الأخلاقية المجردة لأشكال السلوك الإنساني من جهة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والتربوية والسياسية من جهة أخرى فربطوا بذلك بين الأصل اللغوي ومشتقاته وأشكاله السلوكية،  ومن ثمّ تبدو النزعة العملية في الأخلاق عند فلاسفة الإسلام في أحاديثهم المطولة عن الصدق في صورة الصديق،  والكذب في صورة العدو الغادر أو الشيطان؛ الأمر الذي يؤكد أن جميعهم لم يتحدّث عن الأخلاق باعتبارها صوراً لما ينبغي أن يكون، بل هي واجبات لا تتحقق إلا بالممارسة والتطبيق وأفعال لا تدرك إلا عند اكتمالها في الواقع المعيش بتمام مقاصدها.

فها هو "أبو نصر الفارابي" (ت 950 م) يرى أن الأصدقاء الجديرون بصحبتهم هم الأصفياء المخلصون؛ فمنهم يُلتمس العون واقتفاء الفضائل، أمّا صحاب السوء ورفاق المصالح والمنفعة؛ فهم الذين يتظاهرون بالصدق ويضمرون الكذب ويتصنعون المودة؛ فمثل هؤلاء لا ينبغي اطلاعهم أو ائتمانهم على سر، ولا يعتمد عليهم في نصرة أو تلبية حاجة، ولا معاتبتهم وذلك لأن الشر والكذب فيهم لا تجدوا معه نَصيحة ولا معروف.

ويضيف أبو حيان التوحيدي (ت 1023 م) بأن الرابط الذي يجمع بين خِصَال الصداقة ومتطلباتها هو الصدق في القول والعمل، وهو وثاق متين يصعب حله عند الخلاف، أو فكه عند الأزمات والعسرات، فإذا ما وقع خلاف بين الأصدقاء فقوة الحب والمودة كفيلة بإصلاحه ونقيض ذلك الأصحاب الذي يجمعهم الغرض والمصلحة، فإذا انقطعت الغاية انفكت الرابطة وانكسرت المودة مثل آنية الفخار.

فمعاني الصدق الكامنة في الذهن هي التي تثبت وجود التجربة الإنسانية والمشاعر الصادقة تجاه الله عز وجل والبشر وهي نقيض دلالة الكذب والزيف والرياء والتملق. وقد أجمل التوحيدي محاسن الصدق في حديثه عن الصداقة والوفاء ولخص نقائص الكذب في الغدر والخيانة والمداهنة فجميع هذه الاشكال أحوال مناقضة للقيم والمشاعر التي يحويها مفهوم الصدق والصداقة.

ويضيف "أبو سليمان السجستاني" (ت 1000 م) أن الصديق والصدق من جنس لغوي واحد؛ فالصديق لا يكون كاذبًا إذا تحدّث بالبهتان أو بدا منه أي شكل من أشكال المراوغة أو المداراة والنفاق، وإلى مثل ذلك ذهب الماوردي؛ فالصديق سمي صديقًا لصدقه والعدو عدوًا لعدوه على رفيقه.

ويمضي ابن مسكويه (ت 1030 م) على هذا الدرب مبينًا أن الصحبة بين الصبية لا يربط بينهم سوى اللذة والمرح وسرعان ما ينقلب ودهم إلى شجار وودهم إلى عداوة شأنهم في ذلك شأن المنافقين الذين تربوا على المنفعة أو الحاجة وجعلوها ديدناً لهم. ويطلق على هذا الدرب صحبة أرباب الغواية والهوى والرياء.

أمّا صداقة الأخيار العقلاء فهي الصداقة الحقة التي تحدث عنها الفارابي والتوحيدي والسجستاني، وإلى مثل ذلك ذهب ابن سينا والماوردي.

فالشخص الكذوب عند ابن سينا هو الذي لا يمكن التحقق من صدقه سواء كان الدليل حسيًا أو منطقيًا عقليًا إلا بمعاينة الوقائع أو تصور الأخبار أو استنباط حقيقة الخبر من طبع قائله، وذلك عن طريق المعايشة، فمن اعتاد على درب ألفه، ومن تجمل بالكذب والمداراة بدى الصدق في عينيه قبيحاً ومرذولًا، ومن ثم نبه ابن سينا وابن مسكويه على ضرورة التحلي بالصدق واجتناب الكذب، ولا سيما في حوار الآباء مع أولادهم، وذلك لينشأ الصغار رافضين لكل صور الكذب من رياء ومكر وخداع.

أمّا إخوان الصفا فقد ربطوا بين الدلالات التي تحويها لفظتي الأخوة والصداقة في سياق واحد فبينوا أن الكذب هو جنوح عن الصدق وانحراف عن الحقيقة ونقيض الحكمة الفلسفية وجحود لعهد الله ووجوده، فالفيلسوف الحق عندهم هو الذي يتجنب الكذب في كل أقواله وأفعاله فالكاذب غير مؤهل لطلب العلم ولا يصلح لمقام العالم وصحبة المتعلمين فاللعلم حقائق مكنونة لا سبيل للكذب إليها وللخلان روابط لا يفلح الرياء والغش في تفكيكها، فالصديق عند إخوان الصفا هو الخل الوفي في النصرة على الأعداء فهو الركن الركين والسند المتين الذي يعول  عليه في الشدائد والبلوى وهو الكنز المذخور ليوم الحاجة.

والكذب عند إخوان الصفا ليس فطريًا ولم تجبل النفس الإنسانية على صنعه أو الميل إليه بل أن النفس بفطرتها التي خلقها الله سبحانه عليها مهيئة للفجور والتقوى والتهيئة هنا تعني القابلية والاستطاعة ولما كان الصدق الأقرب إلى الخير والتقوى فإن النفس أقرب إليه من الكذب الذي يضاد أو يناهض التقوى وفعل الخير.

وينزع إخوان الصفا إلى أن البيئة الاجتماعية والتربية الخلقية لها عظيم الأثر على توجيه النفس وتنمية قدراتها الطبيعية فالبيئات الشريرة والتنشئة التي تبرر الكذب ومشتقاته تعد من أهم العوامل التي تصبغ النشأ قبل اكتمال قدرة العقل على الاختيار ثم يستمر هذا الأثر بالعادة والممارسة والعكس صحيح.

كما يُعَوّل إخوان الصفا على التعليم لتنمية خيرية النفس وطبعها على الصدق ونفورها من الشر الذي يولد الكذب ومشتقاته؛ الأمر الذي يبرر ربطهم بين النبوة والمثال البشري للصدق،  وذلك لأنهم قد استقوا جبلتهم من الباري سبحانه وتعالى رأسًا، وأن الوحي هو الذي اقتلع من جسد النبي صلى الله عليه وسلم الشريف الشر، ومحى من لسانه القدرة على الكذب، ونقى سريرته وبصيرته صلى الله عليه وسلم من كل دروب الإفك والغش والزيف والخداع والخيانة.

ومن أقوالهم :(إنّ التعليم ليس شيئًا سوى إخراج ما بالقوة إلى الفعل، وأن أنفس المتعلمين علامة بالقوة، وأنفس العلماء علامة بالفعل، والتعليم والتعلم هما الخروج من القوة إلى الفعل، وأن العلم هو صورة المعلوم في نفس العالم وضده الجهل).

وخلاصة رأي إخوان الصفا في الكذب تتضح في ذلك التصور النسقي (أن النفس الإنسانية قد وجدت تبعًا لسنة الله في خلقه، وقد فضلها سبحانه وتعالى عن سائر المخلوقات بالعقل وحرية الإرادة، لذا جاءت جبلتها قادرة على الاختيار بين الخير أو الشر (بالقوة) وذلك بعد اتصالها بالبدن الذي يخضع لطبيعته للمادة والمحسوس من الفضائل أو الرذائل ثم تقوم البيئة بدفع الإنسان إلى الخير، فتنميه أو إلى الشر فتعمل على إفساد جبلة النفس الأولى (بالفعل)، ومن الفساد يتولد الشر ومن الشر يتولد الكذب ومشتقاته).

كما يؤكد إخوان الصفا أنه ليس هناك شرُّ في ذاته ولا كذب أيضًا إلا بمقدار الفساد الذي يؤول إليه سلوك الفرد في الوجود المحسوس بمقتضى فعله له. فإذا ما ترتب على الكذب أي شكل من أشكال إفساد للفضائل التي تقود النفس الإنسانية إلى التخلص من رذائل البدن وترفعها إلى مراتب الصفاء والنقاء والعفة للوصول إلى المعية الرَّبانيّة، فيعد ذلك الكذب من النواهي والمحرمات التي نهى العقل والشرع عنها، وأن السبيل إلى الشفاء من ذلك العطب العرضي الذي حاق بالنفس هو التعلم والانصياع إلى تعاليم الفضلاء التي تمكنهم من ارتقاء سلم الفضائل والاقلاع عن العوائد الفاسدة.

والكذب عند إخوان الصفا هو المخالف بالضرورة للحقائق الثابتة بالعلم وبالوقائع المبرهن عليها بالحس والعقل، وبالفضائل التي برهن على خيريتها العقل، وأكد على صدقها الشرع وبرهنت التجربة على فساد نقائضها، فالصدق هو سبيل الوصول إلى الحقيقة العقلية والروحيّة.

لذا نجدهم يعيبون على بعض السفسطائيين، ومن سار على دربهم خداعهم العوام بالأقوال الفاسدة والحكم المزورة والمغالطات المنطقية التي تدفع العقول إلى الارتياب والتردد تارة والجحود والضلال تارة أخرى راغبين من ذلك الإفساد معاداة الصدق وطمس الحقائق وإغواء النفس بالأهواء والرذائل التي تحول بينها وبين نقاء الحياة الروحيّة.

ويعود إخوان الصفا إلى تأكيد رابطة الصدق بالصداقة، فالصداقة لا تكون إلا بتلك المشاعر التي ترفع من قدر الرفاق والصحاب إلى درجة الخلان المتوافقين في السلوك والطباع التي تمكن أفراد تلك العصبة الفاضلة من الاجتماع على الحق ونصرة الفضائل والترغيب في القيم الروحيّة والعزوف كليًا عن الأهواء والشهوات المرزولة، والعادات المنبوذة، والشائعات المغرضة، فالصديق لا يكذب على من يحب ولا يخدع أو يخون أصفياءه وخلانه ولا يبوح بأسرارهم ويمكّن أعدائهم من رقابهم.

ويربط "ابن حزم" (ت 1064 م) بين الحب والمودة بين الأشقاء والصدق والوفاء بين الأصدقاء برباط واحد، فما أجمل أن يكون الصديق هو الرفيق المحبوب والخل المؤتمن والوفي في كل الأحوال والدروب.

ومن أقواله في خصال الصديق (من الأسباب المتمناه في الحب أن يهب الله عز وجل للإنسان صديقًا مخلصًا، لطيف القول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابرًا على الدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة مستوي المطابقة، محمود الخلائق، محتوم المساعدة، كارهًا للمباعدة، نبيل المدخل، مصروف الغوائل، عارفًا بالأماني طيب الاخلاق، سرى الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، مأمون الخيانة).

لذا نجد ابن حزم يؤكد على ضرورة الحفاظ على تلك الرابطة التي تربط بين الأصدقاء. وأوثق هذه الروابط هي الصدق، والمصارحة التي لا يشوبها أي شكل من أشكال الكذب أو الخداع؛ لأن كلاهما يؤدي إلى الخيانة والعداء والاضلال والرياء وهي من أشنع صور الشرور وأقوى معاول الهدم في كل العصور، لذا نجده يحذر من رفاق السوء، ووسوسة المتملقين، وتجنب دسهم ومعسول كلامهم فنصحهم لا ينفع؛ بل يضر، وصحبتهم لا تؤتمن من الخيانة، وأعينهم لا تبرأ من الحسد وغدرهم أشدّ من دهاء الذئب وشراسة الأسد.

ولا غرو في أن ذلك الاتساق والتشابه بين موقف فلاسفة الإسلام من الكذب يرد إلى موقفهم العام من قضية الشر من جهة، وتأثرهم الواضح بالمقاصد الشرعية التي حث عليها الباري سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ورسوله الكريم في صحيح ما نسب إليه من أقوال من جهة أخرى، ولا سيما تلك التي تعلقت تعلقًا مباشرًا بالأخلاق العامة، وأسس التربية والمعاملات - وكيف لا ولم يدفعهم إلى الانضواء تحت راية العقيدة الإسلامية تعلقهم الوجداني وايمانهم الروحاني بالقرآن فحسب، بل موازنتهم العقلية بين ما كانوا عليه قبل دخولهم الإسلام وما آلت إليه عقائدهم المستمدة من تراثهم الغابر وما اصبحوا في كنفه من قيم راقية وحرية في النظر، وآفاق رحبة للبحث عن الحقيقة واكتساب ما تقبله أذهانهم من معارف وعلوم نافعة ثم تطبيقها في ظل عدالة ومساواة لا تفرق بين السيد والعبد، والنبيل والوضيع، والذكر والأنثى،  والمسلم والمجوسي،

أجل ..! فمعيار المفاضلة (في ظهر حضارة الإسلام) بين البشر هو الخيريّة في المقصد، والعمل ونصرة الحق والصدق والعمل الجاد من أجل حماية الحرية والعدالة في السلوك والتطبيق.

وللحديث بقية عن وحدة آراء فلاسفة الإسلام في الأمور التربوية والسياسية، وأسباب فسادها والدور الذي قامت به الأكاذيب سواء في سلوك الحكام، أو في صناعتهم للحجج التي تبرر لهم جنوحهم عن الصدق في تطبيق المهام التي يجب على قادة الرأي والعلماء والولاة والحكام الالتزام بها تجاه الرعيّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

في المثقف اليوم