عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: خَميـــرُ الرأي خيرٌ من فَطيـــرِه!

(خَميرُ الرأي خيرٌ من فطيرِه!) تركيبٌ مكثّفٌ في المفاضلة بين الرأي المتأنّي وبين الرأي المستعجَل، وقد نسَب جوهرَه الجاحظُ في كتابه البيان والتبيين إلى عبدالله بن وَهْب الراسبي، إذ قال ما نصه: "قالوا: وأرادوا عبدالله بن وهب الراسبي على الكلام يومَ عقدتْ له الخوارجُ الرياسة، فقال: وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب. ولما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يَغِبّ؛ فإنّ غُبُوبَه يكشف لكم عن مَحْضِه"(1).

إنّ الوقت عاملٌ غامضٌ في التأثير ودحرجة الأمور برشاقة خفيّة؛ لأنه يعمل سياقًا ينفتح على مستجدّات جديدة في مجرى الأحداث، فتنشأ مسارات مختلفة من شأنها أن تغيّر المشهد وحيثيات الرأي والفكرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوقت حاضنٌ يُنضج الفكرة على نار هادئة، والمكافئ الإنجليزي لهذا التركيب هو (Sleep on it) بمعنى منح الفكرة مساحة من الوقت لتختمر في دهاليز لاوعينا، متفاعلة مع الذكريات والإمكانات ذات الصلة، لنتفاجأ على حين غِرّة أنّ حَلًا خطر لنا أو زاوية نظر جديدة للموضوع بأسره بَدت لنا بلا سابق استئذان.

بدا جليًا أنّ المراهنة على الوقت ممارسةٌ واعية، غير أنه ثمّة لِحاظٌ مهمٌ لا بد من إعماله حتى لا ننزلق لمغالاة في الممارسة تُقوّض جدواها، وهو أن تخمير الرأي، وإعمال الفكر فيه ينبغي ألا يكون صادرا عن هوس الكمال، فيتجاوز وقتُه الوقتَ المعقول - بحسب حجم الموضوع محِلّ الرأي، وما يكتنفه من ملابسات - فالإفراط في التفكير يُزيح الرأي من منطقة التخمير الحميد إلى منطقة العُلوق في حلقة مفرغة من التفكير غير الفعّال؛ لسبب وجيه وهو أن الكمال سرابٌ لا يمكن تحصيله، ونشدانه هو ركض صوب المستحيل، ناهيك عن التشتت والإرباك، وعليه فإفراغُ الجهد في الاستقصاء، ودفع الممكن إلى حده الأقصى المتأتّي والمعقول، هو أصحّ طريقةً من إشغال الفكر صبحَ مساءَ إلى أجل غير مسمّى، وأنه بجعل عامل الزمن متّزنًا، يصبح المفهوم ناضجا غير مشوّه، وهنا يصحّ لنا القول إنّ الرأي الذي يصدُر عن تَؤُدَةٍ وتأنٍ هو خيرٌ عاقبةً ومآلًا من الرأي الذي يخرج من مشكاة العَجَل.

على أنّ مرحلة تخمير الآراء لا تعني بالضرورة الاعتكاف حصرا على تقليب الرأي يمنة ويسرة، والمكوث في دراسته وفحصه، بل تعني في عظيم ما تعنيه أيضا أنْ تَعْمد إلى ترك الأمر تناسيا وتغافلا إلى حين، وذلك بعدما أشبعتَه تفكيرا، لترجع إليه لاحقا بعد بضعة أيام وربما أسابيع إذا كانت لديك سعةٌ من الوقت، فإراحة الدماغ من التفكير الواعي يدع مساحة فعّالة للعقل اللاواعي في التعاطي مع الفكرة المخمّرة، وهذا هو السبب وراء ظهور الحل، وأنت مندمج في عمل آخر تماما كسقي المزروعات أو قيادة السيارة أو مشاهدة فيلم ما.

لحظة التجلّي هذه هي ما نطلق عليها لحظة (وجدتُها) (Eureka) الملازمة للعباقرة والمكتشفين، وفي مجال علم الأعصاب الإدراكي تُبرَّر بـ (Incubation Effect) تأثير الاحتضان؛ لأن فترة التخمير المنفصل عن التفكير في الفكرة لا تعني توقف الدماغ نهائيا عن المعالجة المعرفية، إذْ تتم ولكن على مستوى آخر لاواعي، إذْ تُفَعّل حينها شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network) وذلك وفقا لدراسة علمية نُشرت السنة المنصرمة (2025) في مجلة (NeuroImage) بعنوان: إعادة التشكيل الديناميكي للشبكة الافتراضية والشبكة الجبهية الجدارية يدعم الحضانة الإبداعية.(2)

وخُلاصة مفهوم تخمير الرأي أنه ممارسة واعية جدا، شريطة أن يكون ضمن الحيّز الزمني المعقول بلا إفراط، إضافةً إلى ضرورة الوعي بأن شطرا محوريًا من مرحلة التخمير يجب أن يتزامن مع التوقف الواعي عن التفكير في الفكرة، فالوعي تفكير وتخمير!

***

محمد سيف

.....................

الهوامش:

(1) الجاحظ، البيان والتبيين، (205/1)، ت: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية.

(2) رابط الدراسة العلمية:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811925000217

في المثقف اليوم