عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

صالح الرزوق: الإسلام التنويري في مشروع استيفان كوكاف

منذ فترة قريبة انتبه الدكتور استيفان كوكاف لمشروع الأخ ماجد الغرباوي في التسامح. وخصص له مساحة من عدة بحوث نشرها في برلين وبوسطن، باللغتين الألمانية والإنكليزية.

ركز الدكتور كوكاف على مسألتين في هذا الموضوع.

الأول بمعنى التحمل. وأصله باللاتينية توليرنتيا. ويعني المشقة، وهو مفهوم له علاقة بالأنا وليس الآخر. فالمكابدة مع الظروف ومع النفس مشكلة لاهوتية واجتماعية. وغالبا ما ينجم عنها ما يعرف بعلم النفس العصاب (النيوروسيس). ولكن لدى العرب وحسب المعاجم الرسمية تأخذ الكلمة معنى الكرم والوجود والاستعداد للعطاء. ولذلك تتجه نحو معنى التسامي، وأحيانا تكون هي المدخل إلى محاكاة المثال، إن لم يكن الأنا الأعلى. وأرى أنها تدخل في قانون الأب (بلغة لاكان)، وتتحول من فكرة إلى رمز أو قانون يرتكز على المحاكاة الإيجابية. وعلى ما يبدو أن العقل الحضاري يلعب دورا بارزا في تحديد اتجاه المفهومات. فالديمقراطية الغربية (المولودة من خاصرة الإغريق- نموذج أثينا بالتحديد) غير البطريركية الشرقية (المتورطة بجريمة قتل الأب وحداد الأبناء عليه). وبالعودة إلى كوكاف تطور معنى التسامح في الغرب من الضرورة ومعايشة ما تكرهه النفس. ولكنه عند العرب المسلمين يأتي من معنى الصعوبة (شق النفس) وهي العناء الخارج على حد العادة.   وهي شرعيا وفقهيا عارض سلبي - حادث فقط. ويسعى الدين للتخفيف منه (بناء على القاعدة الشرعية: المشقة تجلب إلى التيسير).

المعنى الثاني. وهو الذي أولاه الغرباوي كل عنايته فيدل على التسامح. وهذا الإجراء ينظم العلاقة مع الآخر، ولكن كما لاحظ الغرباوي قد نفهم من الكلمة التساهل. ولا يخلو هذا المعنى من مشكلة التكرم والمنة. غير أن السياق في القرآن (وضمنا ما ورد عن دفع الجزية والوضع الخاص لغير المسلم) له شروط تحكم المعنى وتوجهه.

الشرط الأول أن التسامح ليس منة ولكنه طبع.

الثاني أن الجزية هي الوجه الآخر للزكاة المفروضة على المسلم.

والثالث أن الذمي لا يدفع إلا إذا اختار أن لا يحارب مع جيوش المسلمين. وهذا يقابله في بعض الدول قانون "البدل" الذي يدفعه كل مسلم وغير مسلم إذا طلب الإعفاء من الواجب الإلزامي (كخدمة العلم والخدمة الاجتماعية وسوى ذلك).

ويضيف الدكتور كوكاف على ما سبق الخلافات في المفهوم بين الاتجاه السلفي (وشعاره لا يوجد لماذا في الدين - لأنه لا يجوز مراجعة الفقيه ولا كلام الوحي)، والسلفية التنويرية ومن أمثلتها (جمال الدين القاسمي). وشعارها (الجمع بين العقل والنقل - ونبذ التقاليد واللجوء إلى المصدر الذي لا خلاف عليه وهو القرآن والأحاديث الصحيحة وكلام الصحابة الذين عاصروا الرسول). وما عدا ذلك يحتمل الدس والخطأ والتحريف. وللأسف لم يرد ذكر للقاسمي في الدراسات التي تخصصت بعلاقة التراث مع الثورة - وكان ذلك شعار المرحلة الوطنية التي دشنها ناصر في مصر وتطورت إلى دكتاتوريات عسكرية بشعار قومي في عدة بلدان في شمال إفريقيا وشرق المتوسط. ولكن ورد اسمه بشكل عابر في كتاب للطيب تيزيني قرره على قسم الفلسفة في جامعة دمشق. وعنوانه "التفكير الاجتماعي والسياسي: أبحاث في الفكر العربي الحديث والمعاصر". وقد صدر عام 1981. وإدراج القاسمي في الإسلام العربي له مبرراته. وبالأخص أنه توقف مطولا عند "تعريب" الإسلام إن صحت العبارة. بمعنى أنه كان هدية من السماء للعرب، حتى وإن كانت هدية يترتب عليها مسؤوليات تصل إلى درجة التضحية والعطاء والبذل.

ومن أهم الموضوعات التي عالجها كوكاف كانت عن الإسلام الحركي. وقد اتهمه بالنفعية - وليس البراغماتية. بمعنى تحميله لإيديولوجيا وضعية تعتمد استراتيجية اختطاف الأفكار. وهكذا تحول الفضاء التشريعي والتحرري إلى شعارات وأدوات سياسية وانقلابية أنجبت ما يسميه الغرب الفاشية الإسلامية (كما يرى شتيفان فيلد). ومن أهم صفاتها احتكار الحقيقة - مفهوم الفرقة الناجية وغير ذلك. (لكنه لم يلاحظ أزمة الإسلام الحركي بمختلف تياراته. وأولها اشتراكه بانقلابات ما بعد الحرب العالمية الثانية للإطاحة بحكومات الاستقلال، وتحويل الحكومات إلى دول - ثم استبعاده من كل المراكز الحساسة. وأقارن هذه الأزمة بمشكلة غيفارا في كوبا، وتروتسكي في الاتحاد السوفياتي). يضاف إلى ذلك تجاهل غنى الإسلام الكلاسيكي بالمفهومات (ومن أبرز الأمثلة تحولات وأطوار الإمام الغزالي). وهو عند كوكاف نقطة التقاء تجتمع فيها أفكار ابن تيمية مع نهج ابن عربي، وذلك لخدمة الإنسان وليس العرش. ويأخذ كوكاف على الإسلام السياسي تقديم الغايات والوسائل على القناعات والمبادئ (بلغته: القراءة الأحادية والانتقائية)*.

*** 

د. صالح الرزوق

..............................

*Kokew, S. (2014). Annäherung an Toleranz: Ausgangspunkte, Kontexte und zeitgenössische Interpretationen des Toleranzbegriffs aus dem schiitischen Islam. Ergon/Nomos.

في المثقف اليوم