عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سعد عبد المجيد: كيمياء الحب.. عندما يلتقي العلم بالعاطفة

مقدمة: علاقاتنا بين الألفة والانجذاب

تتعدد في حياة كلٍّ منا العلاقات الإنسانية؛ مع الأقارب والأصدقاء والزملاء والجيران وأبناء المدينة الواحدة. ثم تأتي علاقات الحب، التي يفشل الكثير منها، بينما يستمر بعضها الآخر. وبين عشرات، وربما مئات، العلاقات التي مررنا بها مع أشخاص التقيناهم في الدراسة أو العمل ولم تدم طويلاً، حتى إننا لم نعد نتذكر أسماءهم، بينما استمرت علاقات أخرى سنوات طويلة.

لكن بعيداً عن هذه العلاقات التي نشأت في ظل معرفة وظروف سابقة، يحدث أن نلتقي، بين حين وآخر، أشخاصاً جدداً لم نلتقِ بهم من قبل، فنشعر تجاه بعضهم بألفة سريعة، وتنشأ بيننا علاقة قد تصبح، في وقت قصير، أقوى من علاقات قديمة امتدت لسنوات. وقد يلتقي أحدنا بشخص يجذبه، فيأخذ بلبّه ويقع في حبه، سواء أكان أعزباً أم متزوجاً.

هذه الألفة السريعة والانجذاب القوي، اللذان يصعب أحياناً تفسيرهما، نسميهما في لغتنا اليومية «الكيمياء». فما هذه الكيمياء التي تنشأ بين الأصدقاء والأحباء؟ وهل هي مجرد تعبير مجازي، أم أن وراءها فعلاً تفاعلات كيميائية وبيولوجية تحدث داخل أدمغتنا وأجسادنا؟

لماذا نستخدم كلمة «كيمياء» لوصف العلاقات؟

تُستخدم كلمة كيمياء (Chemistry) لوصف ذلك النوع من الانسجام السريع الذي قد ينشأ بين شخصين، سواء أفضى إلى صداقة قوية، أو إعجاب، أو محبة، أو حتى انسجام في العمل. وليس المقصود بالكيمياء هنا معناها العلمي الدقيق، وإنما ذلك التوافق والانجذاب والارتياح المتبادل الذي يصعب أحياناً تفسيره بالعقل والمنطق وحدهما.

والتعبير مستعار من علم الكيمياء؛ فعندما تتفاعل مادتان، قد يؤدي التفاعل إلى تغير في خصائصهما أو إلى تكوين مادة جديدة، وقد يحدث أحياناً عدم تفاعل أو تنافر. وبالمثل، عندما يلتقي شخصان، قد يحدث بينهما انسجام غير متوقع، وكأن تفاعلاً خاصاً نشأ بينهما، فأنتج شعوراً جديداً بالألفة والانجذاب والارتياح. ومن هنا شاع التعبير: «هناك كيمياء بينهما»، أي أن بينهما انسجاماً أو تناغماً أو انجذاباً متبادلاً يتجاوز مجرد التعارف العادي.

وهذه «الكيمياء» لا تعني بالضرورة الحب الرومانسي فقط؛ فقد تنشأ بين صديقين، أو زميلين، أو حتى بين الطبيب ومرضاه، أو بين شخصين يعملان معاً. وهي تظهر غالباً في سهولة الحديث، وسرعة فهم أحدهما للآخر، والتقارب والشعور بالارتياح والثقة، حتى في فترة قصيرة من التعارف.

أما لماذا تنشأ هذه «الكيمياء» أحياناً بسرعة، فقد يرتبط ذلك بتشابه الشخصيات والقيم وطرائق التفكير، وبنبرة الصوت ولغة الجسد وروح الدعابة والخبرات المشتركة، فضلاً عن عوامل نفسية وبيولوجية قد تعمل في خلفية وعينا دون أن ندركها بوضوح.

اللحظة الأولى.. عندما يلفت شخصٌ انتباهنا

هنا يأخذ الموضوع منحى أكثر إثارة. فعندما نلتقي شخصاً ونشعر نحوه بانجذاب أو ارتياح غير معتاد، تبدأ في الدماغ والجسم سلسلة معقدة من العمليات العصبية والكيميائية. وتتداخل فيها مواد وناقلات عصبية وهرمونات، من بينها الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين والأدرينالين، ولكل منها أدوار مختلفة في الانتباه والمكافأة، والدافعية، والاستثارة، والتعلّق. ولا يعمل أي منها منفرداً، بل ضمن شبكة عصبية وهرمونية أكثر تعقيداً.

ومن المثير أن هذه العملية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتغير ملامحها مع تطور العلاقة. فقد يبدأ الأمر بلحظة انتباه وانجذاب، ثم يتحول إلى رغبة في الاقتراب والتعرّف، وقد يتطور إلى حالة من الحب والتعلّق، ثم إلى علاقة أكثر هدوءاً واستقراراً مع مرور الوقت.

قد تبدأ الحكاية في لحظة عابرة؛ نظرة تلتقي بنظرة، أو ابتسامة، أو نبرة صوت، أو حتى طريقة في الحديث والحركة. وفي تلك اللحظة قد نشعر، من دون أن نعرف السبب، بأن هذا الشخص لفت انتباهنا أكثر من الآخرين.

ماذا يحدث داخلنا في تلك اللحظات القصيرة؟ تبدأ العين والأذن وسائر الحواس بإرسال المعلومات إلى الدماغ، حيث يجري تقييمها بسرعة شديدة، ليس فقط من حيث المظهر، وإنما من خلال مجموعة كبيرة من الإشارات: ملامح الوجه، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، والرائحة، وطريقة الحركة، وحتى بعض التفاصيل التي قد لا ننتبه إليها بوعي.

إذا وجد الدماغ هذه الإشارات جذابة أو ذات أهمية، تبدأ دوائر المكافأة والانتباه في النشاط، ويبرز هنا دور الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالمكافأة والدافعية والتوقع. لذلك قد نشعر برغبة في النظر إلى الشخص مرة أخرى، أو الحديث معه، أو معرفة المزيد عنه. وكأن الدماغ يقول لنا: «هذا الشخص يستحق انتباهك». وقد أظهرت دراسات التصوير العصبي ارتباط الحب الرومانسي المبكر بنشاط مناطق من منظومة المكافأة والدافعية، ومنها المنطقة السقيفية البطنية (Ventral Tegmental Area).

وفي الوقت نفسه، قد تنشط استجابة الجسم للإثارة واليقظة، بما فيها الجهاز العصبي الودّي (Sympathetic Nervous System)، فتظهر بعض العلامات الجسدية التي نعرفها جيداً: زيادة ضربات القلب، واتساع حدقة العين، وارتفاع درجة اليقظة، وربما شيء من التوتر أو الارتباك. وهنا قد نشعر بما نسميه عادةً «الخفقان».

ولا يعني ذلك أن الدماغ قد قرر أننا «وقعنا في الحب» منذ النظرة الأولى. فالانجذاب الأولي شيء، والحب العاطفي شيء أكثر تعقيداً؛ إنما هي بداية محتملة لسلسلة من العمليات النفسية والعصبية التي قد تستمر إذا تكرر التواصل وازداد الاهتمام المتبادل.

ومن هنا تبدأ المرحلة التالية: نريد أن نعرف المزيد عن هذا الشخص. نبحث عن فرصة للحديث معه، وننتبه إلى كلماته وتفاصيل شخصيته، وقد نجد أنفسنا نفكر فيه بعد انتهاء اللقاء. ومع تكرار التفاعل، يمكن أن يصبح حضور هذا الشخص أكثر أهمية في منظومة المكافأة في الدماغ.

وهنا يدخل الدوبامين في قصة الحب بصورة أوضح؛ فكل لقاء ممتع، أو رسالة ننتظرها، أو ابتسامة نتلقاها، قد يعزز شعور المكافأة والرغبة في تكرار التجربة.

لكن قصة الحب لا يكتبها الدوبامين وحده. فمع استمرار العلاقة وتطورها، تدخل مواد أخرى في الصورة، لكل منها دور مختلف.

ثالثاً: أبطال كيمياء الحب الأربعة

إذا كانت «الكيمياء» بين شخصين تبدأ بإشارات تلتقطها الحواس ويعالجها الدماغ، فإن وراء هذه التجربة شبكة معقدة من النواقل العصبية والهرمونات. ومن أبرز العناصر التي ترتبط بمراحل مختلفة من الانجذاب والحب والتعلّق: الدوبامين، والأدرينالين، والسيروتونين، والأوكسيتوسين. ولكل واحد منها دوره الخاص في هذه القصة.

يرتبط الدوبامين بنظام المكافأة والدافعية؛ ولذلك يمكن أن يسهم في شعورنا بالحماس والرغبة في الاقتراب من الشخص الذي جذب انتباهنا، وأن يجعلنا نتطلع إلى لقائه أو سماع صوته أو تلقي رسالته.

أما الأدرينالين فهو هرمون يرتبط بالإثارة واليقظة واستجابة الجسم للمواقف المنبّهة، ولذلك قد تظهر عند الانجذاب علامات مثل تسارع ضربات القلب، وزيادة الانتباه، والتوتر الذي نشعر به عندما نكون بالقرب من شخص يهمنا.

والسيروتونين ناقل عصبي يؤدي أدواراً واسعة في الدماغ والجسم، ويرتبط بتنظيم المزاج والنوم والشهية وغيرها من الوظائف. وتشير بعض الدراسات إلى تغيرات في منظومة السيروتونين خلال المراحل المبكرة من الحب الرومانسي، وإن كانت العلاقة بينه وبين الحب أكثر تعقيداً من مجرد القول إنه «هرمون الحب».

ثم يأتي الأوكسيتوسين، الذي يرتبط بالتقارب الاجتماعي والارتباط، وله دور في عدد من عمليات الترابط الاجتماعي. ويُفرز في سياقات متعددة، منها التلامس الجسدي والعلاقات الحميمة وبعض التفاعلات الاجتماعية، كما يؤدي أدواراً مهمة في الولادة والرضاعة. وتشير الأدلة إلى تفاعل بين الأوكسيتوسين ودوائر الدوبامين في بعض آليات الارتباط الاجتماعي، لكن تأثير الأوكسيتوسين ليس بسيطاً أو محصوراً في «هرمون الحب».

ولا يقتصر الأمر على هذه المواد الكيميائية؛ فلكلٍّ من الكورتيزول والتستوستيرون دور في كيمياء الحب أيضاً. قد يرتفع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بالتوتر والاستجابة للضغط، في المراحل الأولى من الوقوع في الحب، وهو ما قد يفسّر شيئاً من القلق والتوتر والانفعال الذي يرافق البدايات. أما التستوستيرون، فيرتبط بدرجة أكبر بالرغبة والانجذاب الجنسي، وهو موجود لدى الرجال والنساء مع اختلاف مستوياته. وهكذا تتداخل مجموعة من الهرمونات والناقلات العصبية لتشكّل ذلك المزيج المعقّد الذي نسمّيه حباً.

ولعل من أبرز من حاولوا تفسير الحب من منظور علمي العالمة الأمريكية هيلين فيشر، التي درست الحب من زاوية علم الأعصاب والأنثروبولوجيا البيولوجية. وترى فيشر أن ما نسميه «الحب» يقوم على ثلاثة أنظمة دماغية متداخلة: الرغبة الجنسية، والانجذاب الرومانسي، ثم التعلّق العاطفي. وترتبط هذه الأنظمة بمزيج من الهرمونات والناقلات العصبية؛ فالتستوستيرون والأستروجين يرتبطان بالرغبة، والدوبامين والنورأدرينالين بالانجذاب والحماس، بينما يسهم الأوكسيتوسين والفازوبريسين في بناء التعلّق والارتباط.

وهكذا، فإن الحب الذي نشعر به في القلب له، في الوقت نفسه، قصة معقدة تجري داخل الدماغ والجسم.

الأوركسترا البيولوجية

لكن الأهم أن هذه المواد لا تعمل منفردة، ولا يمكن اختزال الحب في مادة كيميائية واحدة. فالحب تجربة إنسانية معقدة تشترك فيها دوائر متعددة من الدماغ، إلى جانب الذاكرة والمشاعر والخبرات السابقة والسياق الاجتماعي والعلاقة الفعلية بين الشخصين.

ولهذا يمكن النظر إلى «كيمياء الحب» باعتبارها أوركسترا بيولوجية؛ لا يصنعها عازف واحد، بل تتداخل فيها عناصر كثيرة، ويتغير صوت كل منها مع تغير مراحل العلاقة.

بين كيمياء الصداقة وكيمياء الحب

من المهم الإشارة إلى أن «الكيمياء» لا تقتصر على الحب الرومانسي. فالكيمياء التي تنشأ بين صديقين تختلف في طبيعتها وشدتها عن تلك التي تنشأ بين عاشقين. ففي الصداقة، يلعب التشابه في القيم والاهتمامات وروح الدعابة دوراً أكبر، بينما في الحب الرومانسي تتداخل عوامل بيولوجية أكثر تعقيداً، مثل الرغبة والتعلّق والارتباط العاطفي العميق.

وتشارك منظومات الأوكسيتوسين والدوبامين، إلى جانب منظومات عصبية وهرمونية أخرى، في عدد من أشكال التفاعل الاجتماعي والارتباط، لكن الحب الرومانسي يمتاز بتركيبة خاصة تجمع بين الإثارة والمكافأة والتعلّق في آن واحد.

لماذا تخفت كيمياء العلاقة؟

لكن إذا كانت «الكيمياء» قد جمعت شخصين وأشعلت بينهما الحب، فلماذا تنتهي أحياناً بعض العلاقات، بل ولماذا يفشل بعض الزواج رغم أنه بدأ بقصة حب قوية؟

قد يكون أحد الأسباب أن طبيعة العلاقة نفسها تتغير مع الزمن. فمرحلة الانجذاب والحب المبكر تكون غالباً مليئة بالإثارة والتوقع والمكافأة، بينما تتحول العلاقة مع مرور السنوات إلى حياة مشتركة تتطلب التفاهم والصبر وتقاسم المسؤوليات. ومع تكرار الحياة اليومية، قد تخف حدة الإثارة الأولى، وهذا لا يعني بالضرورة أن الحب انتهى، بل قد يكون انتقالاً طبيعياً من مرحلة إلى أخرى.

لكن المشكلة قد تبدأ عندما ترافق ذلك عوامل أخرى، مثل ضعف التواصل، وتراكم الخلافات دون حل، وفقدان الثقة، والإهمال العاطفي، أو اختلاف القيم والتوقعات. وقد تتحول المشاعر الجميلة التي جمعت الطرفين في البداية إلى مسافة عاطفية إذا لم تجد العلاقة ما يحافظ عليها وينميها.

وهنا يظهر الفرق بين الوقوع في الحب والمحافظة على الحب. فالأول قد يحدث بصورة عفوية وسريعة، أما الثاني فيحتاج إلى اهتمام متبادل، واحترام، وتواصل، وقدرة على تجاوز الخلافات.

ولعل أجمل ما في الأمر أن «كيمياء» البداية ليست بالضرورة هي التي تحافظ على العلاقة؛ فقد تبدأ القصة بشرارة كيميائية، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى الإنسان نفسه كي تبقى مضيئة.

خاتمة: بين كيمياء الحب وإنسانية العلاقة

وهكذا نكتشف أن «كيمياء الحب» تبدأ أحياناً بلحظة صغيرة لا نخطط لها: نظرة، ابتسامة، صوت، أو شعور غامض بأن شخصاً ما يختلف عن الآخرين. ثم تتدخل منظومة معقدة من العمليات العصبية والبيولوجية، فتمنحنا الانجذاب والحماس والرغبة في الاقتراب، وقد تتطور مع الوقت إلى حب وتعلّق وارتباط.

لكن الكيمياء التي تشعل البداية لا تستطيع وحدها أن تضمن استمرار العلاقة. فمع مرور الزمن، تتحول الإثارة الأولى إلى حياة مشتركة تحتاج إلى الثقة والاحترام والتفاهم والاهتمام والقدرة على مواجهة الخلافات. وقد يخفت بريق البداية، لا لأن المشاعر كانت زائفة، وإنما لأن العلاقة انتقلت إلى مرحلة جديدة تتطلب جهداً من نوع مختلف.

وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة في «كيمياء الحب»: قد تبدأ بشرارة كيميائية، لكن استمرارها يحتاج إلى شيء يتجاوز الكيمياء نفسها. فما يبدأ بشرارة لا نملك تفسيرها، فان استمراره يحتاج إلى قلبين يعرفان كيف يُبقيان تلك الشرارة متّقدة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم