عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الرحيم الجرودي: التيه بين العقوبة والخلاص

(في منتصف الشتاء، وجدت في داخلي صيفًا لا يُقهر)... ألبير كامو

في قلب العالم العربي، يجد الإنسان نفسه أمام تيه لا يقاس بالمسافة الجغرافية، بل بعمق الفجوة الداخلية بين ما يحمله من ذاكرة وأمل، وما يصطدم به من واقع كأنه صدى لجرم قديم لا يذكره. هذا التيه ليس أزمة سياسية تحل بتغيير الحكام، ولا تراكما اقتصاديا يعالج بإعادة توزيع الثروات. إنه أزمة وجودية بالمعنى الفلسفي العميق: أزمة الكائن الذي لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي، من هو في مرآة الآخر، ومن يريد أن يكون في فضاء المستقبل. وبين هذا ال(لا يعرف) وذاك ال(لا يريد)، يسكن التيه.

السؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس تشخيصيا محضا، نضيفه إلى أخرى أنجزت، حتى تحول بعضها إلى إنتاج يأس منهجي. بل هو سؤال فلسفي جذري: كيف يتحول التيه من عقوبة تلقى على كاهل الإنسان إلى أرضية يبني فوقها خلاصه؟

حين ننظر إلى أسطورة سيزيف، نرى استعارة للعقوبة الوجودية في أنقى صورها: صخرة تدفع إلى القمة لتعود إلى الهاوية، في حلقة لا رحمة فيها. غير أن سيزيف العربي يواجه وضعا أكثر خبثا: إنه يدحرج صخرة الهوية نحو قمة الإنتماء، فلا يجد قمة واضحة المعالم، بل قمما متعددة ومتنازعة: عربية، دينية، طائفية، قبلية، إثنية، كل منها تدعي أنها الحقيقة الكاملة وتنفي الأخريات. الهوية سلاح ماض، يمكن أن تكون درعا في مواجهة الضياع، ويمكن أن تكون المشرط الذي يمزق النسيج الجامع.

لم تكن أزمة الهوية العربية وليدة اليوم، بل هي ميراث مزدوج: من جهة، حقبة استعمارية رسمت الخرائط بمسطرة المصالح لا بمشرط التاريخ، فتركت شعوبا موزعة داخل دول وأخرى مقسمة بينها. ومن جهة أخرى، فشل النخب في بناء عقد اجتماعي حداثي يحتوي التعددية ولا يقمعها، فتحول الإختلاف الثقافي من نعمة إلى لعنة. الدولة الوطنية العربية، في أغلب تجلياتها، لم تبن مواطنا، بل بنت رعايا، ولم تؤسس فضاء مشتركا للإعتراف المتبادل، بل أقامت تراتبيات في الإنتماء، ليكون هذا أكثر وطنية لأنه من هذه الطائفة، وذاك أقل حقوقا لأنه من تلك الإثنية. حين انهار هذا البناء الهش أمام رياح (الربيع) العربي، لم تنكشف دولة تحتاج إصلاحا، بل انكشف فراغ هائل كان الإستبداد يملأه بالقوة، فتهاوت الجدران كلها دفعة واحدة.

للعقوبة الوجودية في السياق العربي وجه ثان أكثر قسوة في يومياته وإن كان أقل بريقا فلسفيا، وجه الجحيم الإجتماعي والإقتصادي. ذلك الجحيم الذي لا نيرانه أسطورية ولا حراسه شياطين، بل بيروقراطية فاسدة وبطالة تنهش الشباب وفجوات ثروة تعلن يوميا أن الكرامة بضاعة لمن يستطيع شراءها. حين يعجز الشاب العربي عن العمل اللائق الذي يحفظ كرامته، وحين يرى أن الوصول إلى فرص الحياة مشروط بوساطة أو ثروة أو انتماء لا بالجدارة والعطاء، يدخل في نوع من التيه الإجتماعي يتجاوز الأزمة الإقتصادية ليصبح أزمة معنى. يتساءل في قرارة نفسه: لماذا أجتهد؟ لمن أبني؟ وماذا يعني أن أكون مواطنا في دولة لا ترى فيّ إلا رقما ومؤشرا في إحصاءات؟

هذا السؤال: لِمَ؟ هو أخطر أسئلة التيه، لأن اليأس من المعنى أشد فتكا من اليأس من الرغيف. كامو الذي فهم هذا جيدا قال إن السؤال الفلسفي الحقيقي الوحيد هو: لماذا لا نقدم على الإنتحار؟ والإنسان العربي الذي يفقد المعنى لا ينتحر جسديا في الغالب، بل يمارس نوعا آخر من الإنتحار: الهجرة الداخلية، أي أن يكون حاضرا غائبا، مقيما بجسده ومرحلا بروحه.

في مواجهة هذا التيه المزدوج، تيه الهوية وتيه المعنى، يبرز الإنسان الفاعل كما وصفه سارتر: ذاك الذي يعلم أن وجوده يسبق ماهيته. أي أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة حاملا هوية جاهزة وقدرا محسوما، بل يعرف نفسه عبر ما يختار وما يفعل وما يبني. هذه الحرية هي مصدر القلق الوجودي، لكنها أيضا مصدر الخلاص.

الإنسان الفاعل في السياق العربي ليس بطلا رومانسيا يتحدى الواقع بالخطاب والبلاغة، ولا ثائرا أيديولوجيا يكرر مانيفستوات1 الأمس. إنه كائن أكثر تواضعا وأكثر عمقا في الآن ذاته، يمارس الوعي النقدي يوميا ويرفض أن تعرفه الطائفة أو القبيلة قبل أن يعرف نفسه، يختار الفعل الأخلاقي في واقع فاسد لا لأنه يضمن النجاح، بل لأنه يحفظ كرامته كإنسان. هذا الإنسان لا يعيش خارج التيه، بل يعيش داخله ويحوله مثلما حول كامو سيزيف من رمز العقوبة إلى رمز السعادة العبثية: "ينبغي أن نتخيل سيزيف سعيدا". الخلاص لا يعني الخروج من الصحراء بالضرورة، بل أن تتحول الصحراء في نظرك من مكان للعقوبة إلى فضاء لاختبار ما أنت عليه.

الفلسفة الوجودية تعاني من إغواء الفردانية المفرطة حين تطبق على واقع جماعي متشابك العقد. الإنسان العربي لا يعيش في فراغ وجودي نظيف، بل في شبكة من العلاقات والضغوط والإنتماءات التي تشكل شرطه الوجودي. الخلاص الفردي ممكن، لكنه مبتور وقاصر ما لم يتقاطع مع مشروع جماعي. هذا المشروع ليس أيديولوجيا ناجزة تنتظر التطبيق، ولا حزبا سياسيا يقدم نفسه منقذا، هو أقرب إلى ما سماه هابرماس "الفعل التواصلي"، فضاء عمومي يلتقي فيه الناس على أساس العقل والحوار لا على أساس القوة والإذعان، يعيدون فيه تفاوض عقدهم الإجتماعي على أساس ما يريدون أن يبنوا معا لا على أساس من هم، طوائف وقبائل وأعراق. ومفتاح هذا المشروع هو إعادة الإعتبار للمواطنة لا بوصفها وثيقة قانونية، بل علاقة وجودية: أنا مسؤول عن الآخر لأنه شريكي في هذا الفضاء العام، لا لأنه من طائفتي أو عشيرتي.

التيه بين العقوبة والخلاص ليس سردية تتراتب فيها المراحل: نعاقب ثم نخلص. إنه حالة قائمة في آن واحد، العقوبة والخلاص يسكنان اللحظة الواحدة ذاتها. حين يختار الإنسان أن يكون فاعلا داخل تيهه، يبدأ الخلاص قبل أن ينتهي التيه. حين تختار مجموعة من البشر أن تتحاور بدل أن تتقاتل، يبدأ العقد الإجتماعي قبل أن تكتمل الدولة. لا عودة ممكنة إلى ما قبل هذا التيه، لا إلى حداثة متخيلة لم تكتمل، ولا إلى تراث مثالي لم يكن كما يرسم. الخروج ليس عودة بل عبورا نحو هوية مفتوحة لا تخاف التعددية، ونحو دولة تعترف بالمواطن فردا لا رعية، ونحو إنسان يتحمل مسؤولية حريته لأن هذه الحرية هي الثمن الوحيد الذي لا يعاد دفعه مرتين.

***

عبد الرحيم الجرودي

...................

1- مصطلح مانيفستوات هو صيغة جمع لكلمة مانيفستو (Manifesto)، والتي تعني في السياق الثقافي والسياسي بيانا أو إعلانا يوضح المبادئ أو الغايات لمجموعة أو حركة معينة، وغالبا ما يكون ذا طابع نقدي أو ثوري.

في المثقف اليوم